الفصل 78
كدتُ أنهال على شين ضربًا وأنا أصرخ: “هل جُننتَ؟”، لكنني فوجئتُ بأن حضنه المبتل كان أكثر دفئًا وراحةً مما توقعتُ.
خلع عني شالي، وألقاه فوق كومةٍ من القش الجاف، ثم عاد ليضمني إليه بإحكام.
أطبقتُ فمي في صمت، وأرحتُ رأسي برفقٍ على صدره، فإذا بخفقات قلبه المتسارعة تمنحني طمأنينةً غريبة وسط زخات المطر الباردة التي كانت تضرب كل ما حولنا.
“شين….لماذا تحب شخصًا مثلي إلى هذا الحد؟”
لعل سؤالي كان غريباً حقاً، إذ انفجر شين ضاحكًا، وتردد صدى ضحكته في أنحاء جسدي.
ظل صامتًا برهة، ثم نطق باعترافٍ قصيرٍ وبسيط.
“أحب ذلك الجنون في الآنسة ريتا.”
آه….صحيح، كان منحرفًا.
“أريد أن أكون أنا من يتلقى ذلك القلب المجنون المتقد حبًا لشخصٍ ما.”
حسنًا….لم أجد ما أقوله، فاكتفيتُ بإحكام إغلاق فمي، لكنه عاد وأضاف بصوتٍ خافت،
“….أتساءل دائمًا، عندما تبتسمين….لماذا تبتسمين؟”
عندها فقط رفعتُ رأسي ونظرتُ إلى وجه شين.
كتفان يرتجفان بعدما تخلّى عن تظاهره المعتاد باللامبالاة، وعينان احمرّ طرفاهما، ونظرةٌ تحاول التعلق بمكانٍ بعيدٍ بينما يشتعل في أعماقها لهيبٌ حار.
من يرى هذا، لا يمكنه أن يدّعي أنه مجرد تمثيل.
رفعتُ أطراف أصابعي قليلًا لأنفض قشةً علقت بشعره، لكن أعيننا التقت من غير قصد.
“…….”
وكأن أحدًا سد أذنيّ، فلم أعد أسمع أي صوت.
شعرتُ أن أمرًا خطيرًا على وشك الحدوث، فعضضتُ شفتيّ بقوة، وخفضتُ رأسي متظاهرةً بأنني أندس أكثر في حضنه.
‘يا إلهي….أي أحد، أو أيها المتجاوز الذي ألقى بي في هذا العالم! إن كنتم ستجمعونني برجلٍ بهذه الوسامة، فكان عليك أن تفعلوا ذلك بصورةٍ واضحة ومن دون كل هذه التعقيدات!’
أخذتُ ألوم في داخلي تلك الكائنات الخارقة بلا ذنب.
لم تعد مسألة انخفاض حرارة الجسم هي المشكلة الآن. فقد التقطتُ أنفاسي وأنا أشعر بحرارة جسده، الصلب الذي لا يعرف اللين، وقد كان أكثر دفئًا مما توقعتُ.
ولسببٍ ما، لم أعد أجرؤ حتى على التنفس بحرية. لأنني شعرتُ بقلب شين يخفق بجنون.
وحين أدركتُ أن ذلك القلب المضطرب ينبض بسببي، لم أعد أحتمل، فطأطأتُ رأسي أكثر، ووجهي يشتعل خجلًا، ولم أملك سوى أن أعض شفتيّ بقوة.
امتلأت كومة القش بحرارة أجسادنا، وهناك جلس رجلٌ وامرأة، كلاهما مبتلٌ حتى العظم، يعانق أحدهما الآخر في حيرة، عاجزين حتى عن التقاط أنفاسهما كما ينبغي.
‘متى سيتوقف المطر؟ وكيف سنخرج من الإسطبل ونحن على هذه الحال؟’
لم يجرؤ أيٌ منا حتى على لمس الآخر أكثر من ذلك، ولم يكن أمامنا سوى التشبث بعناقٍ محكم.
كان الموقف مضحكًا بطريقةٍ ما، لكنه في الوقت نفسه أثار داخلي شعورًا بالخطر.
ماذا سأفعل عندما أغادر قصر أوريلنو؟ هل سأستطيع حقًا ألا أهتم بشين؟
كانت هذه الأسئلة الواقعية تعذبني بمرارة.
وحتى وسط ذلك كله، كلما سمعتُ قرب أذني أنفاسه التي كان يحاول كبتها، كنتُ أشعر بحرجٍ شديد وأحرك أصابعي بلا داعٍ.
يبدو أنني لن أصاب بالزكام….لكن هذا بالتأكيد ليس مفيدًا لضغط الدم.
***
لم يكن الأمر على ما يرامٍ إطلاقًا.
ارتفعت حرارتي أكثر مما توقعتُ، حتى أنني لم أستطع تناول الغداء، واضطررتُ إلى ملازمة الفراش.
وخلال ذلك، حضر الطبيب على عجلٍ لإجراء كشفٍ منزلي. و ظلت فلورا تعتني بي بقلقٍ بالغ، ثم غادرت قليلًا عندما وصل المعلم الخاص.
أما شين، فقد غادر منذ الصباح الباكر إلى مكتب أوريلنو، ولذلك لم يكن يعلم أنني مريضة.
‘لم يعد أمامي الكثير من الوقت حقًا.’
كنتُ قد طلبت منهم تفتيش أنحاء القصر، فلا بد أن هناك شيئًا يتعلق بالكاتبة. لكن، سواءً كانت المدة قصيرةً أم طويلة، لم نعثر على أي شيءٍ يذكر.
إذًا….لم يبقَ سوى إيلين.
“إيلين، أرجوك. أعلم أنكِ استسلمتِ، لكن حاولي تفتيش المكان كله قدر استطاعتكِ.”
كان وجهي يحترق من شدة الحمى، حتى أن فتح عينيّ كان أمرًا شاقًا.
منذ متى لم أمرض إلى هذا الحد؟
“كما ترين، لا أستطيع التجول بهذه الحالة. آه….وغدًا هو اليوم الأخير، فما هذا الحظ السيئ؟”
استبدلت تاشا المنشفة المبللة فوق رأسي بحذر.
وبعد صمتٍ طال قليلًا، تحدّثت إيلين بشيئٍ لم أتوقعه.
“لقد قلتِ أنكِ تخشين أن أستغل الكاتبة إيفير لكسب المال، أليس كذلك؟”
“صحيح.”
“لا، الأمر ليس كذلك. لم أكذب على آنستي ولو مرةً واحدة.”
لماذا تتحدث عن هذا فجأة؟
“آسفة….أنا متعبةٌ جدًا الآن، وأريد أن أرتاح قليلًا.…”
“أريد أن أسأل الكاتبة إيفيور: ما الذي دفعها إلى كتابة رواية “كيتلين”؟”
كان هذا أمرًا لم أتوقعه إطلاقًا.
كانت إيلين الوحيدة التي بدت أكثر الناس مللًا عندما كانت تجتمع مع خادمات لُوار لقراءة رواية “تعاسة البارون تشيرن”.
لم تكن تبدو مهتمةً بأعمال الكاتبة إيفير على الإطلاق، لذلك كان سماعها تقول هذا أمرًا مفاجئًا.
“اشرحي الأمر باختصارٍ وبأسرع ما يمكن.”
أخذت إيلين نفسًا عميقًا، ثم بدأت حديثها، وكانت الجملة الأولى وحدها كفيلةٌ بإصابتي بالصدمة.
“….رواية “كيتلين” هي قصة زميلتي موريا.”
ما الذي تعنيه بهذا؟
ولعل ما دار في ذهني ارتسم بوضوحٍ على وجهي، لأن إيلين بدأت تشرح ماضيها بهدوء.
“إلى أي حدٍ تعرفين عن الماضي الذي أخفيته، آنستي؟”
“لـ….لماذا تسألين؟”
كدتُ أبتلع ريقي من شدة التوتر. و ثبتُّ نظري المحموم عليها بصعوبة، بينما سألتني بوجهٍ خالٍ من أي تعبير، وكأن مشاعرها قد ترسّبت في أعماقها.
“هل تنوين حقًا الاستمرار في البحث عن آثار شيل إيفير حتى النهاية، يا آنسة ليفيريتا لُوار؟”
“نعم. بعد مغادرتي هذا القصر ستتغير الطريقة، لكنني لن أتوقف.”
أجبتها مؤكدةً كل كلمة.
“إن كانت الكاتبة محتجزةً فسأنقذها، وإن لم تكن كذلك فسأكتفي بمراقبتها من بعيد.”
“وفي الحالة الثانية….هل ستعرّفينني على شيل إيفير؟”
“بعد أن أستأذن الكاتبة أولًا.”
صمتت إيلين للحظة، ثم تمتمت بصوتٍ ثقيل،
“أنتِ الشخص الوحيد الذي أستطيع الوثوق به، يا آنسة لُوار….وفي هذه الحالة، لا بد أن أقدم معلومةً توازي قيمة ما سأحصل عليه.”
ثم أفصحت عن معلومةٍ كانت من الأهمية بحيث شعرتُ وكأنها صفعتني على وجهي.
“أحد رفاقي يختبئ داخل معبد إيرياس. وهو من زودني بالمعلومات المتعلقة بالسكك الحديدية.”
“مـ….مهلًا. داخل المعبد؟”
في تلك اللحظة لمع احتمالٌ في ذهني.
في الرواية، كانت إحدى الكاهنات المساعدات لماريسيلا تبيع المعلومات التي تسمعها عن مشروع السكك الحديدية مقابل المال. فهل يعقل أن يكون رفيق إيلين على صلةٍ بتلك الكاهنة؟
تظاهرتُ بأنني لا أعرف شيئًا، وسعلتُ سعالًا خافتًا قبل أن أجيب بصوتٍ أجش،
“يبدو أنه يجيد الاختباء. لا بد أنه يمتلك قدرًا لا بأس به من القوة المقدسة.”
هزت إيلين رأسها.
“إنه يتظاهر بذلك باستخدام أداةٍ سحرية. أما حقيقته، فهو محتالٌ لا هم له سوى إغواء النساء. وقد أغوى إحدى الكاهنات المساعدات المقربات من القديسة وانتزع منها المعلومات.”
أكدت كلماتها صحة فرضيتي أكثر.
ثم تابعت،
“أنا متأكدةٌ أن رواية “كيتلين” كتبتها الكاتبة بعدما سمعت قصة موريا من أحد رفاقنا المفقودين. وإذا التقيت بالكاتبة إيفير، فسأسألها إن كانت تعرف مكان بقية رفاقنا، ومن منهم لا يزال وفيًا للقسم الذي تعاهدنا عليه.”
وفي تلك اللحظة، انحدرت دمعةٌ صامتة من طرف عين إيلين.
….لا بد أن هذا ليس تمثيلًا، أليس كذلك؟
لقد أربكني كثيرًا أن أرى شخصًا ظننتُ أنه لا يبكي أبدًا يذرف الدموع.
تركت إيلين تاشا، التي كانت تحدق بها وعيناها ترتجفان من الصدمة، وأخذت تروي قصتها.
القصة التي كنتُ أعرف خطوطها العريضة بصفتي شخصًا انتقل إلى هذا العالم، وهي الحادثة التي منحتهم لقب “أصدقاء الشبح الأزرق”.
***
تظاهرتُ في البداية بأنني أسمع قصة إيلين لأول مرة، وأظهرتُ صدمةً مصطنعة وأنا أصغي إليها بجدية.
لكن بعد قليل، لم أعد بحاجةٍ إلى التمثيل. لقد أصبحتُ مصدومةً حقًا.
حسنًا….لنجمّل اعتراف إيلين الممزوج بالدموع.
كان الأشخاص الذين عملوا معها بمثابة عائلةٍ وأصدقاء عرفتهم منذ الطفولة، ورفاق خاضوا معها مغامراتٍ من أجل قضيةٍ آمنوا بها، مدفوعين بحماس الشباب.
ولأنهم كانوا أولئك الذين عُرفوا باسم “لصوص ديهاتي” و”أصدقاء الشبح الأزرق”، فلم يكن من الممكن أن يمروا على رواية “كيتلين” دون أن يدركوا حقيقتها.
فقد غيّرت الكاتبة الأسماء فقط، بينما كتبت القصة نسخةً مطابقة تمامًا لحكاية رفيقتهم المرتزقة المتنكرة بزي رجل، موريا، وللقائد ألبرخت، الجنرال القاسي لفرسان ديهاتي!
وكأن أحدهما جلس أمام شيل إيفير وروى لها قصة حبهما، ثم حوّلتها الكاتبة إلى رواية.
من تكون شيل إيفير بحق؟ وكيف عرفت قصتنا نحن، وهي قصةٌ يستحيل على شخصٍ عادي أن يعرفها؟
_____________________
واو تهقون شين كان معهم؟ او اخته؟ حبيت
بس خير وين راح وريتا تعبانه؟ تعال ارجع زوجتك تبي من يلقمها!🔫
المهممم يارب ماتخلص المهلة الا وهي كاشفته مب على كيفكم يعني خلاص كذا تروح لين يجيها هو او تشتاق له؟ لا تكفون
باقي 45 فصل بالضبط وياخوفي من سيناريو رجعتها للدوقية ويقعدون بعيدين عن بعض فترة🥰
Dana
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.