الفصل 75
مع أنني لا أبدو كذلك، فأنا ثاني أجمل امرأةٍ في آيزار….على الأقل بصورةٍ غير رسمية!
وبعد أن تخلصتُ من كل تردد، نهضتُ فجأة، وأخذتُ منشفةً من فوق المغسلة خلف الحاجز، ثم استدرتُ نحو شين.
وسألته وهو ينظر إليّ بملامح تعجز عن استيعاب ما يحدث أمامه،
“ما الذي تفعله؟ تعال إلى هنا.”
“لا تقولي أنكِ شربتِ قبل المجيء؟”
“أنا في كامل وعيي.”
“لقد جننتِ فعلًا….اخرجي حالًا.”
“صحيح. لقد جننتُ بالكاتبة شيل إيفير. لذا استسلم سريعًا لسلاحي الأنثوي، وأخبرني أين هي الكاتبة.”
ساد بيننا توترٌ غريب.
وفجأة اندفعتُ نحوه، وأسندتُ يدي على كتفيه العريضتين وهو منحنٍ فوق السرير.
كان الرجل الأكبر مني حجمًا عاجزًا حتى عن الكلام من شدة ارتباكه.
ولسببٍ ما….كان ذلك مسليًا.
رفعتُ المنشفة التي بيدي، وأخذتُ أجفف شعره المبتل بعنف.
و تذكرتُ كيف كان يصف إيليو دائمًا بأنه كلب، فقررتُ أن أرد له الصاع صاعين.
“أحسنتَ. عندما تبقى ساكنًا هكذا، تبدو مطيعًا جدًا، أليس كذلك؟”
ربتُّ على فكه بإبهامي كما لو كنتُ أداعب كلبًا ضخمًا أليفًا، وابتسمتُ له بلطفٍ مصطنع.
كان شعره الأشقر مبعثرًا، ووجهه محمرٌ على نحوٍ غير متناسق، بينما كان يغطي فمه بإحكامٍ بظاهر يده، وكأن هيئته كلها تعكس حيرته وعجزه، فانبثقت مني ضحكةٌ صادقة دون أن أشعر.
وبالكاد استطعتُ أن أصرف نظري عن ساعديه المشدودين، ثم واصلتُ تجفيف شعره بالمنشفة.
“وحين أنتهي من هذا، سنخرج معًا في نزهةٍ إلى منزل الكاتبة إيفير.”
وبينما كنتُ أطلق تلك الكلمات التي لم تخلُ من الاستفزاز، وقعت عيناي على ندبةٍ طويلة وكبيرة عند كتفه.
“كيف حصلتَ على هذه؟”
ولحظة أن مددتُ يدي لألمسها….صفعة-!
دوّى صوت ارتطام الجلد بحدةٍ في الغرفة. و رأيت عينيه الخضراوين الفاتحتين وقد اتسعتا من الصدمة.
لقد أبعد يدي بضربةٍ لا إرادية.
“آنسة ريتا….أنا آسف.”
نهض جالسًا مذعورًا، وأخذ يتفقد يدي بارتباك، وقد بدا شبيهًا بذلك التوتر الذي أظهره سابقًا في الزنزانة تحت الأرض.
“لا بأس. أنا من تصرفتُ بوقاحة، فلا بد أنكَ تفاجأتَ.”
كانت تلك أول مرةٍ أراه فيها مرتبكًا إلى هذا الحد، فأثار ذلك فضولي….ولسببٍ غريب، أخذ قلبي يخفق بسرعة.
نهض شين على عجل، وانتزع المنشفة من يدي بيدين مرتجفتين، ثم ألقى عليّ نظرةً سريعة من أعلى إلى أسفل، وعاد يمسح وجهه بيديه مرةً أخرى.
بعدها التقط الرداء المعلق عند رأس السرير وألقاه نحوي.
“أرجوكِ….ارتديه.”
“ألبسنيه أنتَ.”
“آه….أرجوكِ. لم أكن أعلم أنكِ آنسةٌ نبيلة بهذه الدرجة من الطيش.”
“صحيح. فأنا أتقمص دور النبيلة الأرستقراطية المدللة.”
“تتقمصين….ماذا؟”
وبينما بقي شين عاجزًا عن الرد، تمددتُ أنا في طرف السرير القريب من النافذة.
“سأضع وسادةً بيننا خصيصًا من أجلكَ. هكذا لن ترى وجهي، أليس كذلك؟”
ظل يطلق زفراتٍ طويلة وهو غارقٌ في التفكير.
وفي النهاية، وكأنه استسلم، سكب لي كوبًا من الماء من إبريقٍ كريستالي.
وكنتُ عطشى بالفعل، فشربته دفعةً واحدة، ثم تمددتُ بجانب النافذة، والوسادة تفصل بيننا، استعدادًا للنوم.
كان البرج العتيق الذي يُرى من النافذة مظلمًا هذه الليلة.
منذ متى انطفأت أنواره؟ لقد كانت تضاء بين الحين والآخر….
من يا ترى يقيم هناك؟
“شين.”
“….أنا أسمعكِ.”
لم يستلقِ على السرير، بل بقي جالسًا على حافته. و شعرت بأنه كان ينظر إليّ.
“كيف برأيكَ ابتكرت الكاتبة شخصيتي كيتلين وأركوس؟”
“لا أرغب في الحديث عن هذا الآن.”
“كيتلين تحديدًا….شخصيةٌ مدهشة للغاية. جريئةٌ على نحوٍ غير مألوفٍ في هذا العصر، ولا تتوقف عن السعي وراء عدالتها ورغباتها.”
“….…”
“هل يمكن أن توجد حقًا فتاةٌ نبيلة كهذه؟ أنا….هل أستطيع أن أكون مثلها؟ هل أقدر على أن أحب شخصًا واحدًا فقط وأنتظره كما فعلت كيتلين؟ كلما فكرتُ في الأمر ازداد فضولي.”
واصلتُ التمتمة وحدي، كأي معجبةٍ مهووسة.
وبينما كنتُ أتكلم بلا توقف، كأنني واقعةٌ تحت تأثير دواء، شعرتُ فجأةً بأن الدنيا أمام عينيّ اسودّت.
ظننتُ أنني أغمضتُ عيني للحظةٍ ثم فتحتهما. لكن الستائر المحيطة بالسرير، والسقف، واللحاف الذي يغطيني….كانت جميعها مألوفة.
نهضتُ بسرعة، لكن رأسي خفق بألمٍ خفيف، فعقدتُ حاجبي بقوة.
“آنستي….اشربي بعض الماء.”
تنهدت تاشا وهي تحمل إليّ كوبًا من الماء على صينيةٍ فضية.
“لقد أحضركِ الماركيز إلى هنا منتصف الليل وهو يلفكِ بالبطانية كلفافة. وقال أنه جعلكِ تشربين ماءً ممزوجًا بمنومٍ ثم اضطر إلى إحضاركِ بعد أن غلبكِ النوم.”
“ماذا؟!”
“وقال أيضًا أنه يود أن يطلب منكِ الصفح على ما بدر منه، لكن بما أن الآنسة هي من اقتحمت غرفة نوم سيد العائلة أولًا، فهو يرى أن الخطأ الأكبر كان منكِ، ولذلك لا ينوي الاعتذار.”
لم يسعني إلا أن أُعجب، رغم انزعاجي، بقدرة شين على الإفلات من ذلك الموقف.
وبينما كنتُ أمسك رأسي الذي لا يزال يؤلمني قليلًا، تذكرتُ شين وهو يعاني كابوسًا عنيفًا، حتى أنه كان يغرس أظافره في راحتيه.
تُرى….هل شربتُ الدواء الذي كان من المفترض أن يتناوله هو؟
بل الأهم من ذلك….أين شين دي أوريلنو الذي كنتُ أنوي ملازمته طوال الوقت؟
سألتُ إحدى خادمات أوريلنو بلهفة، فجاءني الرد كما توقعت.
“لقد غادر القصر. أما وجهته….فلا أعلمها على وجه الدقة.”
لا بد أنه في المكتب. حسنًا، سأذهب إليه فورًا!
لكن شين لم يكن في مكتب أوريلنو.
هذه المرة اقتحمتُ مكتبه الخاص مباشرةً كأنني أحد المشاغبين، لكنه لم يكن هناك فعلًا.
حتى عندما ضغطتُ على مكسيميليان جورجيو بالأسئلة، لم يكن يعرف شيئًا.
فاستأجرتُ المقهى الذي كنتُ قد استأجرته بالأمس مرةً أخرى، وأمرتُ بعض الأشخاص بمراقبته، ليروا ما إذا كان شين أو أي شخصٍ يُحتمل أن تكون الكاتبة إيفير يدخلان إليه أو يخرجان منه.
عدتُ إلى القصر، وتناولتُ العشاء مع فلورا في قاعة الطعام الخالية من شين، ثم توجهتُ مباشرةً إلى غرفة نومه….
لكن من كان ينتظرني هناك، على غير المتوقع، هو كبيرة الخادمات. و قالت أن سيدها سينام في غرفةٍ أخرى هذه الليلة.
حاولتُ أن أستدرجها برفقٍ لتخبرني أين هي تلك الغرفة، لكنها بقيت وفيةً لسيدها ولم تنطق بكلمة.
وخلال تلك الفترة القصيرة، نجح شين في الاختفاء تمامًا داخل قصره.
***
كانت الأيام العشرة التي منحتها لها أشبه باعترافٍ خفي، لأنني شعرتُ أنه ربما حان الوقت لإنهاء كل شيء.
نعم….كما قلتِ أنتِ، أردتُ أن أتمادى في هذا القدر فقط.
ولهذا السبب بالذات منحتكِ عشرة أيام.
و لم يتبقَّ الآن سوى ثلاثة أيام.
كان إزعاج ريتا لأعمال عائلة أوريلنو أمرًا متوقعًا، بل بدا لطيفًا في نظره.
لكنه لم يتخيل قط أنها قد تقول لرجلٍ يفوقها حجمًا، ولا تكنّ له الحب، أنها لا تمانع في لمسه.
كانت ريتا صادقةً عندما قالت ذلك.
لكن….حتى لو امتلك الجسد للحظة، فلن يبقى سوى وهم.
وفي النهاية، ستنسين شخصًا مثلي كما تُنسى أحلام ليلة صيف، وتحلقين بعيدًا لتتزوجي رجلًا آخر.
أنتِ التي لا تحبينني….كيف تستطيعين أن تنظري إليّ بذلك الوضوح، ثم تنبشي أعمق نقاط ضعفي؟
أيُعقل أن قسوتكِ على قلبي ليست سوى غريزةٍ لحماية نفسكِ؟
كلما تذكر شين ريتا في تلك الليلة، ببرودها الحاسم، اجتاحه شعورٌ لا يعرف له اسمًا.
وبينما كان يعمل في مكتب القصر، أخذ يخط بقلمه على ورقةٍ بريئة بعنف، ثم كورها إلى طائرةٍ ورقية وألقاها في الهواء.
حلقت الطائرة بلا وجهة، ثم اختفت في الفراغ بعيدًا عن ناظريه.
أسند ظهره إلى المقعد وأغمض عينيه محاولًا كبت ذلك الضيق الذي يخنقه.
وعندها، سمع ضحكةً مشرقة تتسلل إليه من بعيد.
فتح عينيه، فإذا بحبيبته تقع في ناظريه من خلال النافذة.
كان طرف فستانها الأبيض يتراقص تحت شمس الصيف، متلألئًا كأنه حلم.
حين لا تكون ريتا منشغلةً بمضايقة شين أو البحث عن آثار الكاتبة شيل إيفير، كانت تقضي وقتها مع فلورا.
أحيانًا تتجول في أنحاء القصر وهي تقرأ كتابًا، وأحيانًا تذهب إلى جدول الماء الصغير القريب بحجة التنزه ومشاهدة أزهار السوسن.
واليوم كان يوم النزهة إلى الجدول.
وبما أن ريتا كانت تكرس هذا الوقت كله لفلورا، استطاع شين أخيرًا أن يلتقط أنفاسه قليلًا، ولهذا كان يعمل في مكتبه.
يا لسخرية الموقف….أن يضطر صاحب المنزل إلى مراقبة ضيفته بهذه الطريقة.
لم يكن أيٌ من الخدم قادرًا على تقبل رؤية سيدهم في هذا الحال. فأطلق شين زفرةً ثقيلة.
كان غاضبًا من نفسه إلى حد الانفجار، لأنه أوصل الأمور إلى درجة لم يعد يستطيع معها حتى أن يعتذر لها كما ينبغي.
وفوق ذلك، كانت ريتا لا تكف عن الدوران حوله، مهددةً إياه بكل وسيلةٍ ممكنة، فبات يشعر وكأنه يختنق.
كان جدول أعماله مزدحمًا للغاية. إذا استمر الأمر هكذا….فقد يضطر إلى إيقاف نشر الرواية لهذا الأسبوع….
لكن ذلك سيحطم قلبكِ.
ولم يكن يحتمل رؤية ذلك مهما حدث. فما زالت صورة ريتا، وهي تقرأ المجلة الأسبوعية التي أحضرها لها قبل أيامٍ بوجهٍ يفيض بالسعادة، راسخةً في ذاكرته.
لكن، أينما ذهب….لم يجد مكانًا يستطيع فيه أن يركز على الكتابة.
قناة التلجرام: https://t.me/+PE6p5xi2s882MWJk
______________________
هذي اخرتها شين مالقى مكان حتى في بيته يكتب😭😭😭😭😭😭😭
اخيراً وجهة نظره كملي كملي
المهم سواها لفها ببطانية ورجعها بس شلون جا بباله يعطيها منوم ضحكتتتتت😂😂😂😂😂😭😭😭😭😭
اهخ متى تعترف له المسكين احسه بينهار
Dana
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.