الفصل 74
كان الجاني هو شين.
وقف يحدق إلينا بوجهٍ متجهم، بينما انسدل بعض شعره المضطرب على جبينه.
“شين!”
نهض كولينز الطيب من مكانه فورًا ليستقبل صديقه.
“أتيتُ بسبب أمر التحقيق في آثار الشمال الغربي، وقيل لي أن الآنسة لُوار تنتظركَ. وبما أنكَ تبدو مشغولًا للغاية، فقد آثرتُ أن أؤنس الآنسة بالحديث حتى تأتي!”
كولينز حقاً يا له من بريء. لا بد أنه لم يخطر بباله قط أن شين يتعمد التهرب مني.
وبينما بدا الارتباك على شين إثر كلمات صديقه التي حملت شيئًا من الفخر، جلستُ أنا باستقامةٍ و تحدّثتُ مبتسمةً بهدوء،
“بفضلكَ مرّ الوقت دون أن أشعر. السيد بافيل شخصٌ ساحرٌ بحق. أود دعوته إلى قصر لُوار الصيفي لأستمع منه إلى المزيد من الأحاديث عن الآثار القديمة.”
“هاهاها.…”
ضحك كولينز بافيل بخجلٍ إثر مديحي، غير مدركٍ لما يدور في قلب صديقه.
أما أنا، فحدقتُ في شين الذي بدأ قناعه يتشقق، و تحدّثتُ بهدوء،
“على عكسكَ، أنتَ الذي تجعل سيدةً تنتظركَ عمدًا، فإن السيد بافيل بالغ اللطف وحسن المراعاة.”
“أنا….لطيف؟”
ازداد وجه شين عبوسًا وهو يرى ابتسامة صديقه الساذجة. أما أنا فالتفتُّ إلى كولينز، وضحكتُ بخجلٍ مصطنع، ثم وجّهتُ الضربة القاضية.
“لقد اقترب وقت الظهيرة. يبدو أن شين مشغولٌ جدًا، فما رأيكَ أن نتناول الغداء معًا، يا سيد بافيل؟”
أيها الأحمق شين دي أوريلنو….أيها الثعلب الذهبي الغبي.
حتى عندما دعوت رجلًا آخر إلى الغداء أمام عينيه، لم يستطع أن يتدخل، لأنه هو من كان يتهرب مني.
بعد أن تناولتُ الغداء مع كولينز وحدنا، استأجرتُ المقهى المقابل مباشرةً لمكتب أوريلنو بأكمله لأراقب تحركات شين، لكنه استمر في تجنبي حتى النهاية.
غادر كولينز مبكرًا قائلًا أنه سيعود في مرةٍ أخرى.
وفي النهاية، لم يلحظ الأجواء الغريبة التي كانت تسود بيني وبين شين، وإن كان قد خمّن على نحوٍ غامض أن شين يتصرف بغرابة.
ومع حلول المساء، حين بدأ الجميع يسيرون مسرعين في الطرقات التي صبغها الغروب استعدادًا لإنهاء يومهم، لم يخرج شين من مبنى المكتب.
إذًا هذه المرة سأقتحم مكتبه فعلًا. لم يبقَ سوى عددٍ قليل من الحراس بعد انصراف الموظفين، وهذا أفضل بالنسبة لي!
دفعتُ باب مكتبه في هذا الطابق بقوةٍ ودخلتُ.
كان شين قد رفع كمي قميصه حتى ساعديه القويتين، منشغلًا بمراجعة ما بدا أنه مجموعةٌ من الوثائق. وما إن رآني حتى اتسعت عيناه بدهشة، والتفت إليّ بسرعة.
وكأنه معلمٌ فوجئ بطالب دخل غرفة المدرسين دون استئذان، دسّ الأوراق مباشرةً داخل درج مكتبه، ثم مسح وجهه بيده وكأنه على وشك الجنون، قبل أن يسند ذقنه إلى يده ويبدأ في التحديق إليّ بحدة.
‘حتى عبوسكَ الخفيف يجعلكَ أكثر وسامة….’
تقدمت نحوه بثقةٍ وأنا أحدق فيه مباشرة.
“هيا لنعد إلى المنزل. أنا جائعة.”
“اذهبي أنتِ أولًا وتناولي الطعام.”
“يمكنكَ أخذ عملكَ معكَ وإكماله هناك.”
ظللتُ ألاحقه بالكلام دون توقف، كطائرٍ مشاكس لا يكف عن الزقزقة، حتى استسلم في النهاية، وخرج مدفوعًا بي من المكتب قبل أن يتمكن حتى من ارتداء سترته كما ينبغي.
و كان الحراس يرمقوننا بنظراتٍ مستغربة، لكن ذلك لم يكن يعني لي شيئًا.
ابتسمتُ له داخل العربة وسألته بنبرةٍ هادئة تخفي حدتها،
“هل انتهيتَ من مراجعة ما كتبته الكاتبة؟ هل لديكَ ما يكفي من الفصول لهذا الأسبوع؟ لأن الجزء الذي قرأته الليلة الماضية كان يتحدث عن تكيف برينا مع برد الشمال القارس.”
“لا يوجد شيءٌ كهذا.”
آها….إذًا ستنكر الأمر بهذه الطريقة؟
“إذًا لنبقَ معًا الليلة.”
تجمد شين في مكانه، وكأنه يشك فيما إذا كان قد سمع كلامًا كهذا حقًا، ثم ما لبث أن عقد حاجبيه واشمأز رافضًا بسرعة.
“سأتغاضى عما حدث الليلة الماضية، لكن أرجو منكِ ألا تنسي التصرف بما يليق بآنسة دوقية. ماذا لو أخبرتُ الدوق لُوار بكل ما فعلتِه؟”
“وهل تظن أنكَ تستطيع فعلًا إخباره؟”
قلتُ ذلك مهددةً، بطريقةٍ أقرب إلى قطاع الطرق منها إلى آنسة.
“أم أن حبكَ لي قد فتر؟ بل أتمنى أن يبرد سريعًا. و بعدها أخبرني بكل ما يتعلق بالكاتبة. لقد فتشتُ قصر أوريلنو كله، ولم أجد أي أثرٍ لها. هل توجد هذه الكاتبة أصلًا؟ إذا كنتَ أنتَ من يراجع النصوص ويسلم المخطوطات بنفسكَ، فلا بد أنها تقيم في مكانٍ قريب.…”
إذا كان أحدٌ سيشفق على حب شين الذي يتعرض لهذا القدر من الاستفزاز….فأنا لستُ ذلك الشخص.
بدا أنه غضب هذه المرة حقًا، إذ أطبق شفتيه بإحكامٍ ولم ينبس بكلمة.
حتى في عربة العودة إلى القصر، وأثناء تناول الطعام، لم يتحدث شين إلا نادرًا. و كان يتجنب الرد عليّ عمدًا، حتى أن فلورا وبقية خدم أوريلنو باتوا يراقبوننا بقلق.
ثم….حين خلد الجميع إلى النوم، اندفعتُ مباشرةً إلى غرفة نوم شين.
فتحتُ الباب على مصراعيه، وانزلقتُ إلى الداخل بخفة قطة، لأفاجأ بشين وهو يبدل قميصه، كاشفًا عن الجزء العلوي من جسده المنحوت.
كان منظر وجهه يستحق المشاهدة؛ فقد ارتسمت عليه صدمةٌ كاملة، كمن تلقى صاعقةً من السماء.
وقبل أن يتمكن من الإمساك بي، أسرعتُ إلى الأريكة القريبة من النافذة وجلستُ عليها.
“قلت لكَ، كان عليكَ أن تقفل الباب منذ البداية. أم أنكَ لم تتوقع أبدًا أنني سأصل حتى إلى غرفة نومكَ؟”
هل كان قد استحم للتو؟ فقد داعب أنفي عبيرٌ نظيف يفوح منه بوضوح.
“آه، لا يهمني! سأظل ملتصقةً بكَ كالعلقة حتى أتأكد من موعد خروجكَ لمقابلة الكاتبة إيفير!”
ولعل ألسنة اللهب المتراقصة في المدفأة هي السبب، إذ بدا حتى صدر شين، المنحوت بعضلاتٍ مشدودة، متوردًا كأنه يتقد بحرارة.
تركتُ شين، الذي تجمد في مكانه كمن واجه وجه شيطانٍ نفسه، وجلستُ بأريحيةٍ على الأريكة الفردية، رافعةً ساقي فوق مسندها، ثم تحدّثتُ بنبرةٍ مرحة،
“لن تستطيع طردي كما فعلتَ بالأمس.”
“ولِمَ؟”
وأخيرًا سأل صاحب الغرفة بصوتٍ منخفضٍ أجش قليلًا. فغمزتُ له بعيني وأجبته بهدوء،
“الخادمات اللاتي يعتبرنني سيدة هذا المنزل المستقبلية لن يأتين، حتى لو هززتَ حبل الاستدعاء حتى ينقطع، أو قرعت الجرس حتى يتحطم.”
ارتسمت على وجهه ملامح عدم التصديق، لكن كلماتي التالية جعلت ملامحه تزداد اضطرابًا.
“قلت لهن أنني أرغب في قضاء ليلةٍ خاصة مع الماركيز أوريلنو لتأكيد وعدنا، و أنني، لكوني حديثة العهد بمجتمع النبلاء، قد أشعر بالخجل فأهز حبل الاستدعاء دون قصد، لذا عليهن تجاهل الأمر. وحين طلبتُ منهن التعاون من أجل الحب، وافقن بابتساماتٍ مشرقة.”
عند هذه المرحلة، بدا أن شين لم يعد قادرًا حتى على رفع رأسه، فجلس منهارًا على حافة السرير، وأخذ يمسح وجهه بكلتا يديه مرارًا.
“إن لم تصدقني، فجرّب بنفسكَ.”
“…….”
“أنتَ تعلم أيضًا أن خدم أوريلنو المخلصين يتطلعون إلى رؤية وريثٍ للعائلة، أليس كذلك؟”
وبينما كان عاجزًا عن الرد، أخذتُ أتفحص غرفة نومه.
كانت غرفةً مرتبة بعناية، لا تضم سوى الضروريات، وكل شيءٍ فيها في مكانه.
شعرتُ بأنها غرفة شخصٍ مستعدٍ للرحيل في أي لحظة، إذ لم يكن فيها الكثير من الأمتعة، فأدركتُ أنه لا يحمل تعلقًا حقيقيًا بقصر أوريلنو الكبير.
إذًا، لِمَ لا يبني قصرًا جديدًا في إقطاعيةٍ أخرى ويعيش هناك.…؟
“….آنسة ريتا. أنتِ الشخص الوحيد في هذا العالم الذي يجعلني أعجز عن احتمال نفسي البائسة.”
كانت كلماته عصيةً على الفهم، فسألته وقد اتسعت عيناي،
“أنا لا أعرف ماضيكَ، لذلك لا أستطيع أن أتحدث عنه باستخفاف، لكن شين الذي أراه الآن ليس شخصًا بائسًا أبدًا. وإن كنتَ لا تستطيع الاحتمال….فماذا في ذلك؟”
ظل شين يعبث بشعره المبتل بالمنشفة بلا هدف، ثم حدق إليّ بوجهٍ مذهول.
“حاول أن تصبح قادرًا على الاحتمال. لا تبدأ بإظهار ضعفكَ الآن.”
قلتُ ذلك بحزم، وكأنني أقطع تردده من جذوره.
“لا أعلم أين ترى هذا البؤس في نفسكَ، لكن إن لم تتغلب عليه، فلن تدوم علاقتنا طويلًا. وعندها ستكون المهلة التي حددناها بعشرة أيامٍ بلا أي معنى.”
“…….”
“أنا أحب العلاقات المتكافئة….سواءً كانت صداقةً أم حبًا.”
ارتعشت عضلات ظهر شين العريضة ارتعاشةً خفيفة.
“ولا أقصد بذلك أن يكشف كلٌ منا كل جراحه للآخر، وإنما أن نتقبل بعضنا ونتفهم بعضنا على قدم المساواة.”
أجل….علاقةٌ لا تقوم على الأكاذيب، بل على الصراحة، وعلى الإصغاء للآخر وفهمه.
“هذا أحد مبادئي في العلاقات.”
ورغم صراحتي، لم يستطع شين أن يرفع عينيه نحوي.
“ولهذا، كما حاولتَ أنتَ أن تستخدم وسامتكَ للتأثير عليّ، فسأستخدم أنا أيضًا جمالي بالطريقة نفسها.”
______________________
عشان كذا يحبها شوفوا تجنن حتى وهي جايه تزعجه وتراقبه قاعده تعطيه كلام حلو 😔🤏🏻
واعجبتني عارفه انه يغار قامت توريه انها مستانسه على كولينز وانت لوء😭
اهخ مدري وش بيسوي لها الحين مافيه الا يلفها مره ثانيه ويرجعها😂
Dana
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.