الفصل 73
للحظة، بدت عينا شين الخضراوان الفاتحتان الغارقتان في الظلام كحقلٍ تعصف به عاصفةٌ هوجاء، فلا يعرف السكون.
وما إن أدركتُ معنى تلك النظرة حتى سخرتُ في داخلي، بينما تظاهرتُ على السطح باللامبالاة، وأخذتُ أداعب راحة يد شين الخشنة بخفة.
حرّكتُ أصابعي بانسيابٍ متتبعةً ذراعه حتى استقرت على صدره الذي يغطيه قميصٌ رقيق.
طَق-
أمسك شين بمعصمي متأخرًا وانتزعه بعيدًا.
“أنتِ….أنتِ حقًا….ماذا تفعلين الآن بحق.…؟”
كان الظلام الكثيف يخفي ملامحه بالكاد.
“كفى.”
شدد شين حصاره عليّ بين ذراعيه حتى لا أتمكن من العبث مجددًا. ثم أسند رأسه بقوةٍ إلى الباب بجوار وجهي، فلامس شعره عظمة ترقوتي.
وبدأ صوته يرتجف على نحوٍ لم يعد قادرًا على السيطرة عليه.
“كلما فعلتِ هذا….لا أعرف ماذا ينبغي أن أفعل….لا أستطيع أن أصرف نظري عنكِ، ولا أستطيع حتى أن أنظر إليكِ. لذا أرجوكِ….فقط…”
“ما الذي لا تستطيع النظر إليه؟ إن لم تستطع النظر، فأغمض عينيكَ. أغمضهما فحسب.”
“ليفيريتا لُوار….هل جُننتِ؟”
“ولِمَ هذا الاستغراب الآن يا سيدي الساذج؟ أنا امرأةً مجنونة من البداية.”
شعرتُ بتفاحة آدم في عنقه تتحرك بعنف. وتعالى همسٌ خافت كأنه يتمتم برجاءٍ، ثم وجّه إليّ صوته الممتلئ بالمرارة.
“أنتِ لا تحبينني. فكيف….كيف يمكنكِ أن تقولي شيئًا كهذا؟”
“وما المشكلة؟”
“أنتِ تعرفين جيدًا أن مشاعري نحوكِ صادقة. فكيف أجرؤ على لمسكِ أو معاملتك باستخفاف؟”
“ثم؟”
لم يأتِ أي رد.
“نحن الآن في خضم رهان.”
قلتُ ذلك ببرود، موجهةً الضربة القاضية.
“إذا كان بإمكاني الحصول على معلوماتٍ عن الكاتب، فلا مانع لديّ من لمسكَ لي.”
“ماذا؟”
هيا، كيف ستتصرف الآن أيها الماركيز المحافظ، شين دي أوريلنو؟
هل ستتمكن حقًا من أخذ المخطوطة المخبأة داخل ملابسي؟
لكن ذلك الساذج استطاع أن يجد طريقة.
فجأة حملني بين ذراعيه وألقاني على الأريكة، ثم جذب بسرعةٍ حبل الاستدعاء المعلق على الحائط، فاستدعى الخادمات.
هرعت خادمتان وهما في شبه غيبوبةٍ من النوم، لكنهما ما إن رأتا منظري حتى تجمدت ملامحهما من شدة الصدمة.
أصدر شين أمرًا ممزوجًا بالتنهد، ثم خرج مباشرةً من المكتب.
“استخرجا الوثيقة التي تخفيها الآنسة ريتا داخل ثيابها. وما حدث هنا، يبقى سرًا بيننا.”
تبادلت الخادمتان النظرات، ثم تقدمتا نحوي مباشرةً لتنفيذ أمر سيدهما.
“مـ….مهلًا!”
“سيدي يريد إنهاء الأمر بسرعة. نرجو أن تسامحينا على وقاحتنا.”
“!”
امتدت يدٌ باردة خالية من أي مشاعر إلى داخل فتحة ثوب نومي، وانتزعت الورقة في لحظة، تاركةً خلفها شعورًا بالفراغ والخذلان.
جلستُ مذهولةً فوق الأريكة، وما هي إلا لحظاتٌ حتى عاد شين، فلفني بإحكامٍ داخل بطانية، ثم حملني بين ذراعيه وتوجه بي بنفسه إلى غرفة الضيوف التي أقيم فيها.
“لم أرَ في حياتي امرأةً فاقدةً للعقل مثلكِ.”
“ها! وأنا أيضًا لم أرَ رجلًا جبانًا مثلكَ.”
“ماذا؟ لم تري مثلي من قبل؟”
كان كلٌ منا غاضبًا لسببٍ مختلف، فتبادلنا الصياح واحدًا تلو الآخر.
“أنزلني حالًا! ألم تقل أن بإمكاني أن أفعل ما أشاء؟”
“استفزاز سيد هذا المنزل ليس مما يشمله ذلك.”
“لكنكَ أنتَ من بدأ أولًا!”
“التي تجاوزت الحدود هي أنتِ.”
بعد أن لفّني بالبطانية كشرنقة، وضعني برفقٍ فوق السرير، ثم أغلق الباب وغادر دون أن يُريني وجهه، ودون أن يقول حتى “تصبحين على خير”.
أتظن أنني سأخسر بهذه السهولة؟
لم يتبقَّ الكثير من الوقت، وأنتَ من استفزّني قائلًا أن عليّ أن أجرب كل وسيلةٍ ممكنة!
***
صباح اليوم الذي تبقّى فيه خمسة أيام.
“هل تعلمين ما جدول أعمال الماركيز اليوم؟”
سمعت الخادمة رينا سؤالي الواثق منذ أن بدأ الفجر يبزغ، فأجابتني بلطفٍ من دون أن يتغير تعبير وجهها.
“غادر باكرًا لزيارة مكتب سولتمور.”
“غادر بالفعل؟!”
ثم أضافت، وكأن لديها المزيد لتقوله،
“وأوصى أن تتناولي العشاء وحدكِ، لأنه لن يعود إلا في وقتٍ متأخرٍ من الليل.”
إذًا، سيظل يتهرب مني بهذه الطريقة؟ فاشتعلت في داخلي رغبةٌ الفوز أكثر فأكثر.
و تراقصت في ذهني المخطوطة التي رأيتها أمس، “مأساة البارون تشيرن”.
لا بد أن هناك سببًا يدفعه لتجنبي، وأنا التي لا أملك الوقت، لن أدع ذلك يفلت مني.
حتى أنني تخطيتُ الإفطار، وبينما كنتُ أتزين، كانت إيلين تمشط شعري، ثم سألتني وكأن فضولها بلغ منتهاه،
“آنستي، لماذا تبذلين كل هذا الجهد؟”
“يمرّ على كل إنسانٍ وقتٌ يدرك فيه أن الصمت لم يعد خيارًا، وأن عليه أن يتحرك بنفسه. بالنسبة لي، هذا هو ذلك الوقت.”
“للعثور على الكاتبة إيفير؟”
ألقيتً عليها نظرةً خاطفة عبر مرآة الزينة.
كانت عيناها لا تزالان مثبتتين على شعري، لكنني شعرتُ أنني أفهم ما يدور في خاطرها.
لقد كنتُ أرى فيها نفسي القديمة، قبل أن أنتقل إلى هذا العالم، حين كنتُ لا أفهم هوس المعجبين بشيءٍ إلى هذا الحد.
“لم أحب شيئًا في حياتي بهذا القدر. وحتى لو كانت النهاية مأساوية، فلم أعد أستطيع التوقف.”
قلتُ ذلك بابتسامةٍ ساخرة من نفسي، فلم تضف إيلين شيئًا بعده.
أما أنا، وقد كان ذهني منشغلًا بأمرٍ آخر، فلم أعد أهتم أيضًا.
تركتُ إيلين وحدها في القصر، وأخذتُ تاشا معي متجهةً إلى مكتب عائلة أوريلنو.
بينما كنتُ واثقةً من أن إيلين ستنجز ما أوكلته إليها.
استقليتُ عربةً اندفعت بأقصى سرعتها نحو مفترق نيبيلوا في سولتمور.
صحيحٌ أن كبير تجار المعلومات في وير أخبرني أنه لم يرَ أي كاتبةٍ لديها طفلٌ تدخل مكتب أوريلنو، لكن لا ضرر من التأكد.
“آنستي….لكن أليس ما سنفعله….تعطيلًا لأعمالهم؟”
“بلى، هو كذلك.”
“إذًا….لا بأس بهذا؟”
“لا، لا بأس به إطلاقًا. فأنا جئتُ وأنا أنوي قلب مكان عملهم رأسًا على عقب.”
لم يكن العم والتر، سائق العربة، يدرك قلق تاشا، فانطلق بالخيل بسرعةٍ خاطفة حتى وصلنا إلى مكتب عائلة أوريلنو.
كان المبنى المؤلف من أربعة طوابق ضخمًا على نحوٍ يلفت الأنظار مقارنةً بما حوله، فأدركتُ مجددًا مدى اتساع الأعمال التي تديرها عائلة أوريلنو باسم الماركيز.
إلى جانب التجارة الخارجية، وإدارة النقابات التجارية داخل آيزار، والمطابع، والمصانع المختلفة، كانوا يخططون أيضًا للدخول في مشروع السكك الحديدية.
حتى مجرد العثور على مزيدٍ من الأراضي التي تحتوي على خام أعواد ثقاب كولينز واستخراجها كفيلٌ بأن يجعل جدول الأعمالمزدحمًا للغاية.
وفوق ذلك، كان عليه التوسط في الأزمة الدبلوماسية مع مملكة كروني بسبب الواردات المتعلقة بعائلة البارون بريين، إضافةً إلى إدارة الأخشاب عالية الجودة، وهي المورد الوحيد الذي تتميز به أراضيه القاحلة، فضلًا عن منجمي خام الحديد اللذين اكتُشفا حديثًا داخل إقليم أوريلنو.
شين….أنتَ تعيش حياةً مزدحمةً بحق.
ومع ذلك، تجد وقتًا لقراءة روايات الكاتبة؟
وبينما كانت هذه الحيرة تراودني، أخبرتُ السكرتير أنني جئت بصفتي آنسة دوقية لمقابلة شين دي أوريلنو.
تفاجأ جميع الموجودين بوصولي المفاجئ، وسارعوا على عجلٍ إلى اصطحابي نحو غرفة الاستقبال.
و جلستُ أحتسي شايًا فاخرًا وأنا أنتظر شين….لكنه لم يأتِ.
اقترب موعد الغداء، ومع ذلك لم ينزل بحجة أنه مشغول.
ولم يبقَ سوى مكسيميليان الذي كان يأتي لينقل لي اعتذاره، والموظفون في الخارج الذين كانوا يراقبونني بقلق، وكأن أعصابهم تحترق.
حقًا؟
كظمتُ غضبي، ثم وضعتُ فنجان الشاي على الطاولة بقوة.
وفي تلك الأثناء، علت ضوضاءٌ في الخارج، قبل أن يدخل السكرتير، الذي صفف شعره بعناية، فاتحًا الباب بهدوء، ثم قال أمرًا لم أتوقعه،
“لديّ رسالةٌ للآنسة ليفيريتا لُوار. لقد وصل للتو إلى المكتب السيد كولينز بافيل، ويطلب لقاء حضرتكِ.”
جيد، فقد كنتُ أشعر بالملل أصلًا.
وحين أذنتُ للسكرتير بإدخال كولينز بافيل، دخل إلى غرفة الاستقبال وهو يحمل قبعته بيده، ثم حيّاني بابتسامةٍ مشرقة وإن بدت متكلفةً قليلًا.
“أ….أتشرف بلقاء الآنسة ليفيريتا لُوار! لم أتوقع أن نلتقي مصادفةً هكذا. هل كنتِ بخيرٍ طوال هذه المدة؟”
“بفضل والدي، نعم.”
ابتسمتُ له بود، مقلدةً ابتسامة عمتي سوزان.
وبعد أن تبادلنا التحية، فتحتُ موضوعًا أعلم أنه سيعجبه، كما لو كنتُ أضيف نكهةً إلى الحديث.
“كيف تسير أبحاثكَ هذه الأيام؟”
وكما توقعت، بدأ كولينز بافيل يتحدث بحماسٍ عن أبحاثه، ولاحظتُ أنه يحاول هذه المرة شرحها بطريقةٍ أبسط من السابق.
ولم تمضِ حتى خمس عشرة دقيقة….حتى انفتح باب غرفة الاستقبال بعنف، من دون أي سابق إنذار.
____________________
ايه بدري؟ اكيد جا بعد ما غار ان كولينز عندها ولا وش جابه😂
بس مب ريتا قد قالت له انا معجبة بك؟ ليه يقول انت ماتحبيني؟ يا انه ما صدق او شكله صدق مب اعجاب رومانسي وكذا
اما ريتا ودي اعرف ليه ماسحه من راسها مره احتمال هو الكاتبه😭
المهم احلا مشهد في ذا الفصل وهو شايلها ملفوفه ويصارخون على بعض يلبا
Dana
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.