الفصل 72
قبل منتصف الليل بقليل. ألقيتُ نظرةً متأنية في أنحاء القصر الذي بدا وكأن المسرح قد أُعد فيه مسبقًا.
لا بد أن شين يعلم أنني سأتجول الليلة.
ترى، أين يكون الآن؟ لنستبعد غرفة نومه أولًا.
إذًا لم يبقَ سوى….
‘مكتبه.’
لسببٍ ما، شعرتُ أنه هناك.
بل ربما ظل مستيقظًا عمدًا، ينتظر أن أبتلع الطعم.
وفجأة وجدتُ الوضع برمته مضحكًا.
ما الذي نفعله نحن الاثنان بحق؟ أليس من الغريب أصلًا أن أتسلل للتفتيش الآن؟
بعد أيامٍ من التفكير، وصلتُ إلى أن أسرع طريقةٍ لمعرفة حقيقة شين دي أوريلرنو و هي مراقبة كل تحركاته عن قرب، وجهًا لوجه.
وهكذا، أنا، ابنة دوقيةٍ نبيلة، تماسكتُ وشددتُ عزيمتي، ثم وضعتُ قدمي في مدخل ممر الطابق الثاني من الجناح الغربي للقصر، عازمةً على تفتيش مكتبة غيري ومكتبه.
سأبحث بكل جرأةٍ عن أي ورقةٍ أو حتى خربشةٍ تحمل خط يد شين.
‘ألم يقل أن بإمكاني أن أفعل ما أشاء؟’
حين ناولته ورقةً وقلمًا فجأة وطلبتُ منه أن يكتب بيت شعرٍ يخطر بباله، لم يفعل سوى أن ابتسم بمكر وألقى عليّ نظرةً مليئة بالشك.
إذا لم يكن لديه ما يخفيه، فلا داعي لإخفاء شيء تافهٍ كهذا.
إذًا….لا بد أنه يخفي شيئًا.
وما إن دخلتُ بداية الممر الطويل، حتى لاحظتُ ضوءًا خافتًا يتسلل من بابٍ موارب.
أرأيتم؟ لقد وضع الطعم عن قصد.
ترك الباب مفتوحًا وكأنه يدعو أي شخصٍ للدخول، تمامًا كما تُقدم الكعكة أو الشراب لـ”أليس في بلاد العجائب”.
اقتربتُ بخطواتٍ حذرة، وقلبي يخفق، وألقيتُ نظرةً من خلال الشق….
لكن، وعلى نحوٍ مدهش، لم يكن هناك أحد.
‘لا تقل لي أنه ترك الضوء مضاءً من أجلي.’
هاه….ترى ماذا يدور في ذهن ذلك الثعلب الذهبي الماكر؟
وبينما كنتُ أتردد بين أن أقبل الوليمة التي أعدها شين بخبثٍ أو أتراجع، دخلتُ المكتب بهدوءٍ وأغلقتُ الباب خلفي برفق.
كان على المكتب المصنوع من خشب الأبنوس القديم شمعةٌ مشتعلة.
ومن كمية الشمع الذائب المتجمع في الشمعدان الفضي، بدا أنها مضاءةٌ منذ وقتٍ طويل.
وكانت هناك أيضًا غرفة استقبالٍ صغيرة ملحقةٌ بالمكتب.
‘بحسب تقرير إيلين، لا بد أن المكتبة في غرفةٍ منفصلة.’
أولًا، أغلقتُ ستائر النافذة بإحكامٍ حتى لا يثير وجودي الشبهات من الخارج، ثم اقتربتُ من المكتب.
لكنه كان مرتبًا إلى درجة الكمال، فلم أجد فوقه شيئًا. أما الأدراج، فكانت جميعها مقفلة.
‘هل جئتُ بلا جدوى؟ هكذا لن أجد شيئًا أصلًا. لا أريد أن أتجسس على مستندات أعمال العائلة….لكن ألا توجد طريقةٌ للحصول على ورقةٍ صغيرة أو خربشةٍ أتحقق بها من خط يده؟’
وبينما كنتُ أدور حول المكتب غارقةً في التفكير….تجمدتُ في مكاني تمامًا إثر أنينٍ خافت انبعث من مكانٍ ما.
‘ألم يكن المكان خاليًا؟’
وفي اللحظة نفسها، تذكرتُ ما كانت خادمات عائلة أوريلرنو يروينه لي مازحات. أن هذا القصر مسكونٌ بالأشباح.
كنّ قد مضى عليهن من الزمن ما يكفي ليتمكنّ من رواية مآسي الماضي للآخرين بسخريةٍ مريرة.
وقد أخبرنني، كما لو كن يخوفن طفلًا، عن فرسان عائلة والد شين الحقيقي الذين قُطعت رؤوسهم داخل هذا القصر.
لماذا تذكرتُ ذلك الآن بالذات؟
حاولتُ بكل جهدي أن أطرد تلك الذكرى من رأسي. لكن كلما حاولتُ، ازداد صوت الأنفاس القادمة من زاوية المكتب خشونة، وكأنها تمسك بشعري وتجر خوفي إلى السطح بالقوة.
“هاه.…”
ولسوء الحظ، كان الصوت يصدر من غرفة الاستقبال، في مكانَ لا يصل إليه ضوء الشمعة.
‘أيتها الكاتبة إيفير….يبدو أن هذا هو اليوم الذي سأموت فيه بسكتة قلبية….لا، ولماذا أموت أنا أصلًا؟!’
وفجأة انفجر غضبي دون مقدمات.
مجرد شبحٍ تافه، ويتجرأ على تعطيل شخص مشغولٍ مثلي؟!
أنا أصلًا أكاد أختنق من كثرة ما يشغلني!
سأمسك بذلك الشبح وأنهال عليه ضربًا، ثم آمره أن يبحث لي عن مكان الكاتبة إيفير داخل هذا القصر!
وبفضل ذلك الغضب المفاجئ، تبدد خوفي الداخلي. فحملتُ الشمعدان، واقتحمتُ غرفة الاستقبال نحو الأريكة المرتبة على شكل حرف U….
ثم توقفتُ فجأة.
هناك….كان شخصٌ ما مستلقيًا على الأريكة، و وجهه شاحبٌ إلى حدٍ مخيف، مبللًا بالعرق البارد، حتى أنه لم يستطع فتح عينيه.
وما إن رأيتُ ذلك الوجه الوسيم المألوف، حتى خمد غضبي فجأة، وحل مكانه شعورٌ بالعجز.
وفي اللحظة نفسها، اجتاحني القلق والخوف.
لابد أن حياة هذا الرجل الأنيق، الذي يبدو كأحد أبناء الأسر الراقية، كانت مليئةً بعواصف لا أعرف عنها شيئًا. حتى حين غفا غفوةً قصيرة، كان يغرق في كابوسٍ مروع.
وكان يقبض على يديه بقوةٍ شديدة حتى غرست أظافره في راحتيه، وبدأ الدم يتسرب منهما.
كنتُ متجمدةً في مكاني، ثم أفاقت حواسي فجأة. فجثوتُ بجواره، ومسحتُ العرق عن جبينه بظاهر يدي.
“شين….استيقظ.”
ناديتُ باسمه بصوتٍ منخفض، بينما احتضنتُ بيدي وجهه البارد.
وكان وهج الشمعة البرتقالي ينساب على ملامحه، حتى أن الظلال التي غطت نصف وجهه بدت وكأنها جزءٌ من مشهد مسرحي يزيده بؤسًا وجمالًا.
وظلت تلك الهالة الحزينة تحيط به….إلى أن فتح عينيه فجأة، وأمسك بمعصمي في لحظةٍ خاطفة.
“يبدو أنني كنتُ لطيفةً جدًا، إذ أنقذتُ صاحب هذا المنزل من كابوسه. أما عربون الشكر….فليكن ثلاث رسائل أخرى من الكاتبة إيفير.”
بدأ البريق الحاد في عينيه يهدأ ببطء، بقدر ما كان يستوعب أن الشخص الواقف أمامه هو أنا.
وبدا شين، الذي استيقظ لتوه وما زال مشوشًا، وكأنه غطى وجهه بإحدى ذراعيه ثم استلقى من جديد.
عندها وقعت عيناي على الكتاب الذي كان مفتوحًا فوق بطنه قبل لحظات، وقد انزلق بهدوءٍ ليسقط على السجادة.
ثم شككتُ في عيني. فقد سقطت من بين صفحاته عدة أوراق، وكان الخط المكتوب عليها مألوفًا لي تمامًا.
كان خط الكاتبة إيفير.
“ما هذا؟”
التقطتُ الأوراق بسرعة، لكن يد شين اندفعت في اللحظة نفسها وانتزعت ورقتين.
أما الورقة الأخيرة، فبقيت في قبضتي.
كان تصرفًا غريزيًا تمامًا.
قفزتُ إلى الوراء مبتعدةً عنه، ثم طويتُ الورقة إلى نصفين ودسستها داخل فتحة صدر ثوب نومي.
أما شين، الذي لم يكن قد تخلص بعد من آثار كابوسه، فلم يستطع سوى أن يعتدل جالسًا بصعوبةٍ على الأريكة، ممسكًا برأسه المتألم.
ثم مد ذراعًا واحدة نحوي، ولوح بيده بضعف.
“إنها مستنداتٌ تخص العمل، آنسة ريتا. أظن أن ما فعلته تجاوز الحدود قليلًا.”
“مستندات عمل؟ لقد بدا خطها مطابقًا تمامًا لخط الكاتبة إيفير، فأثار فضولي. سأُلقي عليها نظرةً سريعة فقط.”
أي مستندات عمل؟
لقد تصفحتها بسرعة، وكانت رواية. بل كانت مخطوطة “مأساة البارون تشيرن”.
وفوق ذلك، نسخةٌ مليئة بالشطب والتعديلات، حيث كانت آثار الحذف واستبدال الكلمات والجمل واضحةً تمامًا.
“لماذا هي بحوزتكَ؟”
أصابني الدوار من شدة التوتر والانفعال. وحاولتُ جاهدًة أن أُبقي عيني مفتوحتين.
أما شين، فلم يقل شيئًا. و اكتفى بمد يده نحوي، ونظر إليّ بصمت.
‘لكن….عيناكَ كانت ترتجفان. وكلما ارتجفتا بهذا الشكل….كنتَ تخفي عني شيئًا.’
“هل طلبت منكَ الكاتبة أن تراجع مخطوطاتها؟ هل تكلّف داعمها بمثل هذه الأمور أيضًا؟”
أمام استجوابي الحاد، أجاب محاولًا التهرّب،
“….أجل. لقد قالت أنها بدأت تشك في أسلوبها مؤخرًا، لذا أراجع النص أولًا، ثم أحدد لها المواضع التي تحتاج إلى تعديل. إنه أمر مرهقٌ للغاية.”
“لا بد أن هذه المهمة تستغرق وقتًا طويلًا. ومخزونها من الفصول الجاهزة ليس كبيرًا أصلًا، فهل ستتمكن من الالتزام بجدول النشر بهذه الطريقة؟”
إذا كانت الكاتبة تقيم في مكانٍ ما داخل هذا القصر….فسيكون ذلك ممكنًا.
وبينما كنتُ أتراجع ببطء، وقلبي يكاد يقفز من بين ضلوعي انتظارًا لما سيرد به….أدرك شين متأخرًا أنني أتجه نحو الباب. فقفز واقفًا وتقدم نحوي بخطواتٍ واسعة.
لكن….قبل أن أتمكن من الإمساك بمقبض الباب، كان هو أسرع.
أغلق المزلاج بقوة، ثم أمسك بكتفي، وأدارني، ودفعني برفقٍ حتى التصقتُ بالباب.
“أعيديها.”
“لن أفعل. اسمح لي فقط بأن أرافقكَ عندما تذهب لإعادة المخطوطة المنقحة إلى الكاتبة.”
أغمض عينيه بإحكام، وأمال رأسه إلى الخلف قليلًا، ثم مرر يده بعصبيةٍ في شعره. وتحركت تفاحة آدم في عنقه بعنف وهو يبتلع تنهيدةً ثقيلة.
في ذلك المكان الخافت، الذي لا يضيئه سوى ضوء شمعةٍ أو اثنتين، كان شين يبدو مختلفًا تمامًا.
أما أنا، المحاصرة بين ذراعيه، فلم أستطع إلا أن أبتلع ريقي.
“إذا لم تعيديها.…”
قال ذلك بصوتٍ منخفض يحمل نبرة تهديد.
“….فسآخذها بنفسي.”
لكن….على عكس صوته، كانت عيناه الخضراوان الداكنتان ترتجفان بلا توقف.
“هل تظن أن مثل هذا الكلام سيخيفني؟”
“أأنتِ صغيرةٌ إلى هذا الحد، حتى لا تعرفي كم يمكن أن يكون الرجل مخيفًا؟”
لم يعد يفصل بين صدريهما سوى مسافةٍ ضئيلة. ولم يبقَ بين شفتيهما إلا شبرٌ واحد.
وكانت تلك المسافة الصغيرة وحدها كافيةً لتجعل قلبي يخفق بقوة….فكيف كان شعوره هو؟
رفعتُ يدي ببطء، وأمسكت بيده اليسرى الكبيرة، التي كانت تستند إلى الباب بجوار وجهي، ثم همستُ،
“وأنتَ….هل تعرف كم يمكن أن تكون الشابة الصغيرة مخيفة؟”
______________________
ادعم تتهاوشون وتمعطون شعوركم بس الا ان تتهاوشون وتزعلون ووتنرفزون
كان فيه حنية يوم قومته وهي ماسكه وجهه بس انقلبوا عشان ذا الكاتبة😭
بعدين خلاص الدليل عندها امتب بنفس الخط وقلها انا ايفير شخبارس؟ وهي صدقت ولا لوء مصيرها مصدقه
ثم الزواج وترا ترا
Dana
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.