الفصل 71
“حتى تكلفة إنتاج أعواد ثقاب كولينز ليست مرتفعة! مقارنةً بفائدتها، يمكن بيعها بسعرٍ ممتاز للغاية. فالمواد الخام المستخدمة فيها كانت تُعد نفاياتٍ لا قيمة لها.”
ولم يكن بحاجةٍ حتى إلى السعي للحصول على حقوق ملكية تلك “النفايات” الملقاة.
بل إن الوادي الجبلي غير المطور الذي اشتراه أولًا في الشمال الغربي لم يكلفه مبلغًا كبيرًا، وكان يضم أكبر كميةٍ من الأحجار السحرية الفارغة المدفونة في آيزار.
لكن المشكلة ظهرت في مكانٍ آخر. إذ أدرك متأخرًا أن اللون يشغل حيزًا أكبر مما توقع في مشاعر الناس وانطباعاتهم.
“أما أنا فأرى أن ذلك اللون غامضٌ وساحر.”
قلتُ ذلك مجاملةً لا أكثر، وأنا أخفي ابتسامتي خلف المروحة.
والحقيقة….أنه مخيف.
فعندما ظهر شين في الزنزانة تحت الأرض وهو يحمل ذلك اللهب الأزرق، ظننته شبحًا جاء ليلعب بي!
أما كولينز بافيل، فلم يكن يعلم بما يدور في داخلي، بل اغرورقت عيناه بالدموع وكأنه ممتنٌ لأنني قدّرتُ عمله.
“إذاً فقد أدركتِ قيمته الحقيقية! ألا ترين، يا انستي، أنه بجمال أجنحة الجنيات؟ مجرد التفكير في أن شذرات المعرفة التي أخفاها السحرة القدماء بعنايةٍ ستصبح، بعد مئات السنين، في متناول الناس العاديين….يجعلني أفقد صوابي!”
‘إنه مهووسٌ فعلًا.’
وعلى الأقل، خرجتُ من لقاء اليوم وأنا أعرف جيدًا ما الذي يشعل حماس كولينز بافيل.
وبدأتُ ألقي بالطعم تدريجيًا لأستدرجه إلى الحديث عن ماضي شين.
“هل أصبحتما صديقين لأنكما كنتما تتحدثان عن السحر بهذه الطريقة؟”
“آه….لا، ج الأمر ليس كذلك.”
وفجأة لمحتُ على وجه كولينز الشاحب شعورًا عجزتُ عن وصفه.
وبينما كان يكتفي بابتسامةٍ باهتة، سألته مرةً أخرى بنبرةٍ عفوية،
“كنتُ أظن أن شين استثمر في صناعة أعواد ثقاب كولينز لأن بينكما انسجامًا فكريًا في دراسة السحر، وليس لمجرد الصداقة.”
“آه….إذا قلتِ أنها الصداقة، فصحيحٌ أنه فعل ذلك بدافع الصداقة.”
وبدا عليه الارتباك، فأخذ يتلعثم قليلًا.
“شين استثمر لأنه وجد الأمر ممتعًا. و ربما….أشفق عليّ.”
….لماذا ثقته بنفسه متدنيةٌ إلى هذا الحد؟
وقد بدأ الأمر يثير شكوكي، فاقتربتُ منه وهمستُ وكأنني أقدم له جزرةً للإغراء،
“إذا كان شين يجبركَ على العمل معه رغمًا عنكَ، فصفق مرةً واحدة.”
“وهل يمكنني أن أسأل لماذا التصفيق؟”
“لا معنى لذلك.”
“لا يوجد شيءٌ بلا معنى.”
وفجأة أصبح كولينز شديد الإصرار في أمر غريبٍ كهذا، وأخذ يتحدث بسرعة،
“فالمتعة التي تقصدينها يا آنسة لوار تختلف عن المتعة التي يقصدها شين، كما أن المعنى الذي يصل إليّ يختلف أيضًا. فهل ذلك التصفيق هو إشارةٌ سرية خصصتِها لي لأنكِ تفكرين في مصلحتي؟”
….ما الذي يقوله هذا الرجل؟
“بالطبع هو من أجلكَ يا سيد بافيل.”
“إذاً أعتذر، لكنني أرفض باحترام.”
“وهل يمكنني معرفة السبب؟”
“لأن شين ليس مجرد صديقٍ بالنسبة إليّ. وأنا أقلق من مجرد أن يُساء فهمه.”
كان جوابه حاسمًا إلى درجة لم أجد معها ما أقوله.
فالعلاقة التي تجمعهما كانت متينةً إلى حدٍ لا يمكنني التدخل فيه، وكأنها أصلب من الخرسانة.
‘بالمناسبة….لقد التقى شي بكولينز بافيل و بماكسيميليان جورجيو في مدرسةٍ مختلفة.’
ووفقًا للمعلومات التي حصلت عليها من شبكة وير الاستخباراتية، فقد تنقل شين بين ثلاث مدارس داخلية.
لكن السبب الدقيق لذلك لم يكن معروفًا.
أما سجلات المدرستين الأوليين، فقد احترقت واختفت أثناء حرب السنوات العشر.
ولم يبقَ الآن سوى المدرسة الداخلية الخاصة في جنوب داغروف، التي تخرج منها في النهاية.
وفيها التقى بماكسيميليان.
وبينما كنتُ شاردةً في أفكاري، فوجئتُ بكولينز بافيل يعتذر فجأة.
“أعتذر يا آنسة لوار لقد أدركتُ متأخرًا أنني استرسلتُ في الحديث أمامكِ دون مراعاة.”
“لا، أبدًا! أنا أستمتع بالحديث!”
ولم أستسلم، بل رسمتُ أوسع ابتسامةٍ ممكنة على وجهي محاولةً كسب وده.
“بصفتي نبيلةً تستثمر مع شين في تطوير ثقافة آيزار، فإنني أشعر بإعجابٍ كبير كلما التقيتُ بشخص موهوبٍ مثلكَ، يا سيد بافيل.”
ثم تظاهرتُ بأنني سيدةٌ نبيلة راقية، وأشرتُ بمروحتي إلى أزهار الفناء التي يغمرها ضوء الصيف، وأضفتُ،
“أليس رائعًا أن تتحول وردةٌ تزهر وتذبل في موسمٍ واحد إلى زهرةٍ خالدة لا تموت ببضع ضربات فرشاة؟ وأن تستمر تلك الزهرة الأبدية في إلهام الناس حتى بعد مرور قرون!”
“….بلى.”
“وأنتَ أيضًا تقوم بشيءٍ مماثل، يا سيد بافيل. فأنتَ تعيد وصل الجسور المقطوعة بين الضفاف.”
“أنا لا أفعل ذلك وحدي.…”
“إنه مجرد تعبير. أعني تلك الإنجازات التي يبتكرها الإنسان حين يتجاوز حدوده! لا يسعني إلا أن أتطلع بشوقٍ إلى الإنجاز العظيم الذي ستحققه في المستقبل. أنا أعشق الإمكانات اللامحدودة التي يمتلكها البشر.”
وبدا كأنه كان يحذر مني قليلًا، لكنه تردد للحظة، ثم عبّر عن اعتذاره مرة أخرى.
“أعتذر منكِ يا آنستي. فأنا….لستُ بارعًا في الحديث مع السيدات. وإذا كان قد بدر مني أي تصرفٍ غير لائق.…”
“لم يصدر منكَ أي شيءٍ غير لائق. فأصدقاء شين هم أصدقائي أيضًا!”
تعمدت أن أتصرف بانفتاحٍ ومرح. وعندها حدث أمرٌ مدهش.
شكرًا لكِ يا خالتي سوزان. ما إن قلدتُ طريقتكِ، حتى بدأ كولينز بافيل هو من يطرح الأسئلة بدافع الفضول.
“إذاً….ما طبيعة العلاقة التي تجمع الآنسة لوار بشين.…؟”
وما إن ظننتُ أنني نجحتُ أخيرًا في استدراجه، حتى توقف كولينز بافيل فجأةً عن الكلام وهو ينظر إلى مكانٍ بعيد.
وتساءلتُ هذه المرة أيضًا: ما الذي رآه؟ فالتفتُّ لأنظر معه.
وكان هناك شخصٌ يلمع أكثر من أي شيءٍ آخر، يعبر ممر التنزه في وسط الفناء الداخلي ويتجه نحوي بخطواتٍ سريعة.
عرفته في اللحظة نفسها. شعره الذهبي المتألق وسط خضرة الصيف، وابتسامته المنعشة التي كشفت عن أسنانه البيضاء….كانت موجهةً إليّ وحدي.
وحين أدركتُ ذلك، ارتجف قلبي كما لو أن سهمًا ذهبيًا أصابه مباشرة.
‘لا تقل لي أن اضطراب نبضات القلب عاد إليّ بعد انتقالي إلى هذا العالم؟’
وبينما كان شين، مرتديًا زيه الصيفي الرسمي بأناقة، يمر من هناك، تبعت جميع السيدات والنبيلات خطواته بأعينهن.
ورغم أنه كان يسير وسط كل تلك الأنظار المرهقة، فإن الشخص الوحيد الذي لم يحول عينيه عنه، منذ البداية وحتى النهاية، لم يكن صديقه كولينز بافيل….بل كنتُ أنا.
كدتُ أختنق من ذلك الشعور المتناقض، بين رضا ضئيل لا يستحق الذكر، وثقلٌ خانق.
لأنني، في الحقيقة….كنتُ أعرف أكثر من أي أحدٍ أن هذا الألم في صدري لم يكن سببه اضطراب نبضات القلب.
***
بعد أن تبادل كولينز بافيل بضع كلماتٍ مع شين، أخبرنا أن لديه أمرًا يشغله، ثم غادر سريعًا.
وبعد أن انتهيتُ من التجول في المعرض كله، استدعيتُ المشرف سرًا، وطلبتُ منه أن يسلم رسالةً للنحات الشاب الذي اشتريتُ عمله في المزاد.
وكانت الرسالة تتضمن رغبتي في زيارة مرسمه شخصيًا لمشاهدة أعماله.
فهذا النحات لم يكتمل نضجه بعد. بل كان فنانًا شابًا مبتدئًا، ولم يمضِ وقتٌ طويل منذ بدأ نشاطه الفني.
وفي الرواية الأصلية، يظهر لاحقًا مشهدٌ يرى فيه كيبيرن أعمال هذا النحات مجددًا بعد مرور عامٍ كامل منذ أن اشترى اللوحة التي أهداها لماريسيلا، فيُصدم من مدى تطوره.
ثم يكلفه بصنع التماثيل التي ستوضع في القصر الملكي في آيزار، وكذلك في محطة القطار.
أما أنا….فسأسبق كيبيرن، بل وسأسبق جميع النبلاء في رعاية هذا الفنان.
‘ثم سأطلب منه أن ينحت تمثالًا رخاميًا بالحجم الطبيعي لأركوس!’
آه….كم سيكون ذلك رائعًا!
إنه الأفضل!
ومجرد تخيلي لذلك التمثال الرخامي وهو يقف في حديقة ملحقي الخاص، جعلني أعجز عن كبت ابتسامتي الماكرة.
“هيهيهي.…”
وبينما كنتُ أضحك بصمت، راح شين يحدق بي،
“يبدو أن حديثكِ مع السيد بافيل كان منسجمًا جدًا.”
كنا ننتظر العربة خارج قاعة المعرض.
أما سوزان، التي كانت قد أنهت المشكلة الطارئة المتعلقة بإقطاعية الفيكونت أدينا، فقد غادرت أولًا لأنها شعرت بالإرهاق.
وأضاف شين معتذرًا،
“لقد كان لقاءً مفاجئًا، لذلك لم أستطع إخباركِ مسبقًا. ذلك الصديق….يجد صعوبةً خاصة في التعامل مع السيدات.”
“حقًا؟”
هتفت فلورا بدهشةٍ واضحة.
“إذًا كان الأمر كذلك. ظننتُ فقط أنه خجول.”
ولأن الحديث مع كولينز كان ممتعًا إلى حدٍ لا بأس به، أجبتُ شين بلا اكتراث،
“لا، لقد استمتعتُ حقًا بالحديث مع السيد بافيل.”
ولم تكن تلك كذبة.
فإلى جانب المعلومات التي سأحتاجها مستقبلًا، كانت طريقة كولينز بافيل في الكلام، التي لا تراعي إطلاقًا فهم عامة الناس، أشبه بلغةٍ قادمة من عالمٍ آخر، وهذا ما جعلها ممتعة.
فنظر إليّ شين وكأنه لا يصدق ما سمع،
“ما الذي تقصدينه بالضبط؟”
وبدا جادًا أكثر مما توقعتُ، حتى أنني انكمشتُ قليلًا.
“ماذا أعني؟ لقد تعرفتُ على عالِم لم أكن أعرفه من قبل، وكان ذلك مفيدًا بالنسبة لي.”
“آنسة ريتا.”
….ما الأمر؟
“هل….تفضلين الرجال الأذكياء؟”
حسنًا….لا فائدة من مواصلة هذا الحديث.
فنظرتُ إليه بنظرةٍ تقول أنه مثيرٌ الشفقة، ثم صعدتُ إلى عربة عائلة لوار.
_______________________
وين راح النبض شفيها رجعت تجلده😭😭😭😭😭 نظرتها اخر شي ضحكتتتت
شسمه شكل بافيل بيصف يصفق جنب سوزان في العرس واضح اول مره يشوف شين يتبوسم لأحد كذا😂
المهم اشتقت لوجهة نظر شين☹️
Dana
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.