الفصل 70
في هذا العالم، حتى لو ورث المرء لقبًا نبيلًا وأصبح سيدًا لإقطاعيةٍ شاسعة، فإنه لا يُعد بالغًا بحق ما لم يتزوج.
وإذا كان الطرف الآخر لم يبلغ بعد سن مراسم البلوغ، فمن الشائع أولًا إقامة حفل الخطوبة.
هكذا كانت القيم السائدة. ومع ذلك، ظل شين حتى الآن أعزب، يعيش وحيدًا.
وعندما طال الصمت أكثر مما توقعتُ، رفعتُ رأسي لأنظر إلى وجه شين. و كان يرتسم عليه تعبيرٌ لم أره من قبل.
بدت على ملامحه صلابةٌ لم يستطع إخفاءها في الوقت المناسب، ثم سرعان ما ارتسمت ابتسامةٌ توحي وكأنه يقول: “لا مفر من ذلك.”
وقبل أن يتمكن أخيرًا من فتح فمه….
“شين؟”
ناداه أحدهم بصوت مفعمٍ بالترحيب.
استدرنا أنا وهو في الوقت نفسه نحو اليمين. ولدهشتي، كان الشخص ممن أعرفه أنا أيضًا. فقد سبق أن رأيتُ صورته التقريبية التي رسمها رئيس شبكة المعلومات في وير اعتمادًا على أوصاف ملامحه.
‘كولينز بافيل!’
لقد ظهر الصيد الكبير من تلقاء نفسه.
ويبدو أن شين أيضًا لم يتوقع لقاءه هنا. فبينما كان يسحب يديه ببطءٍ من جيب بنطاله، تقدم نحو كولينز بافيل، وعلى وجهه مسحة دهشةٍ خفيفة.
“تتساءل لماذا أنا هنا؟ أحد معارفي يشارك بعملٍ في المعرض، فجئتُ لرؤيته.”
ابتسم كولينز بافيل بابتسامته الهادئة، وكأنه قرأ تمامًا ما كان يدور في ذهن شين.
ثم مد ذراعيه وعانق شين عناقًا خفيفًا، وربت على ظهره تحيةً، مما أوضح أنهما مقربان جدًا.
كانت تلك أول مرةٍ أرى فيها شخصًا يعامل شين بهذه العفوية.
بل إن كولينز بافيل لم يكن يحمل أي لقبٍ نبيل. على الأقل في الوقت الحالي.
‘في الرواية الأصلية، وبعد إنشاء خط السكك الحديدية، مُنح لقب كونت تقديرًا لإنجازاته.’
وبينما كنتُ أراقب تبادل التحية بينهما بصمت، انتبه إليّ كولينز متأخرًا، فتقدّم نحوي على استحياءٍ وانحنى قليلًا محييًا، ثم نظر إلى شين وكأنه يطلب منه أن يعرّفه بعلاقتي.
“آنسة ريتا، هذا صديقي المقرب وشريكي في العمل، كولينز بافيل.”
“آه….إذًا أنتَ مطور أعواد الثقاب.”
عرّفني شين إلى كولينز بافيل، الذي كان لا يزال واقفًا في مكانه بحيرة.
“وهذه الآنسة هي الآنسة ليفيريتا لوار، ابنة الدوق لوار.”
“آه….أ….ماذا؟ آه، يا إلهي….الآنسة لوار، أرجو أن تعذري قلة لباقتي. أ….أنا كولينز بافيل.”
وبدا كولينز مرتبكًا إلى حد أنه أخذ يتلعثم، ثم انحنى هذه المرة بتهذيبٍ أكبر.
طريقة تقبيله لظاهر يدي، واحمرار وجهه وهو لا يعرف أين يوجّه نظره….كل شيءٍ فيه كان يدل على سذاجةٍ وبراءة.
“إنه خجولٌ جدًا مع الغرباء.”
قال شين ذلك وكأنه يمهد للأمر.
فقلدتُ الابتسامة الودودة التي اعتادت عمتي سوزان إظهارها، و تحدّثتُ بلطف،
“سمعتُ أنكَ موهبةٌ استثنائية بحق. وأنا أيضًا أستخدم أعواد الثقاب التي طورتها كثيرًا.”
قبل بضعة أيامٍ فقط كنتُ أرتعب ظنًا مني أنني أرى شبح….
وبينما كانت تلك الفكرة تخطر ببالي، شعرتُ بنظرات شين المنصبة على قمة رأسي.
“آ….أجل.”
“…….”
بدأ الصمت المحرج يثقل الأجواء.
وفي تلك اللحظة بالذات، اقترب أحد موظفي المعرض من شين، وهمس له بشيءٍ في أذنه، وكأنه يخبره أن أحدهم يبحث عنه.
وبعد أن استمع إليه، التفت إلينا شين و تحدّث باعتذار،
“يبدو أن عليّ الذهاب لمقابلة شخصٍ ينبغي أن أحييه. سأعود سريعًا، لذا أرجو أن تعتنيا بفلورا. كولينز، أود منكَ أن ترافق الآنسة ريتا.”
“آ….ا….انتظر قليلًا!”
كانت الابتسامة التي وجّهها شين إلى صديقه، وكأنه يقول له: “أنتَ تستطيع فعلها”، جديدة وغريبةٌ علي.
ظلّ يثبت نظره عليّ لحظة، وكأنه يريد أن يطبع صورتي في ذاكرته، ثم انطلق بخطواته الطويلة نحو قاعة عرضٍ أخرى.
وبعد أن بقينا أنا وكولينز وحدنا، تسلل بيننا صوت عصافير الفناء الداخلي المشرق.
إنها فرصتي.
كنتُ أخطط أصلًا للبحث عن كولينز بافيل واستجوابه بشأن شين، وإذا بالفرصة تأتي وتمشي نحوي بنفسها. فكيف أضيعها؟
“….شخصيتكَ مختلفةٌ تمامًا عن شخصية شين. كيف أصبحتما صديقين؟”
سألته بلطف، بينما كان أي شخصٍ يراه سيدرك أنه مرتبكٌ إلى أقصى حدٍ ولا يعرف كيف يتصرف.
لكن كانت هناك مشكلة. فهذا الصيد….شديد الخجل بصورة مبالغٍ فيها.
لم يستطع كولينز بافيل حتى رفع رأسه. وكان شعره البني الفاتح يغطي نصف أذنه المحمرة، فيما راحت أطراف عينيه الرقيقتين على بشرته الشاحبة ترتجفان بخفة.
“الطقس اليوم مثالي، أليس كذلك؟ في الأيام الحارة من الأفضل البقاء داخل المباني.”
“….…”
“قلتَ أنكَ جئتَ لمشاهدة عمل أحد معارفكَ، أليس كذلك؟ هل يمكن أن تخبرني من هو ذلك الفنان؟”
“….…”
….هل سأتمكن أصلًا من انتزاع أي معلومةٍ منه؟
‘هذا ليس مجرد خجلٍ شديد….بل يتجاوز ذلك بكثير.’
لقد أربكني حقًا هذا النوع من الأشخاص الذي أراه لأول مرة.
أن أفشل في جميع محاولات فتح حديثٍ عابر!
هل لأنه يتعرض لضغطٍ كبير حين تخاطبه آنسة دوقية؟ لكن، مهما كان الأمر، أليس من المفترض أن يجيب عندما يتحدث إليه أحد النبلاء؟
‘لا تقل لي أن شين أصبح صديقه لأنه هدده؟ أم أنه انجذب إلى وسامة شين؟….هل هو إعجابٌ بالجمال؟”
اهدئي. في مثل هذه المواقف، أفضل ما يمكن فعله هو سؤاله عن المجال الذي يتقنه.
“ألوان أعواد ثقاب كولينز مميزةٌ جدًا، حتى أن مجرد النظر إليها لا يدعو إلى الملل. كيف تحصل على ذلك اللون الجميل؟”
“ذ….ذلك بسبب خصائص الأحجار السحرية المستهلكة التي دفنها السحرة القدماء في آيزار.”
وفجأة رفع كولينز بافيل رأسه، وأشرقت عيناه البنيتان ببريقٍ واضح.
كان قبل لحظاتٍ يقبض يديه ويبسطهما وكأنهما مخدرتان، لكنه استعاد هدوءه في لحظة، حتى بدا الأمر وكأنه تناول مهدئًا قويًا، مما أدهشني.
أما هو، فلم ينتبه إلى دهشتي، وراح يشرح بحماسٍ وكأنه كان ينتظر هذه اللحظة منذ زمن.
“حتى الأحجار السحرية الفارغة بعد استهلاك طاقتها لها أنواعٌ مختلفة! فالأحجار السحرية الفارغة المدفونة في مملكة إليتا تستطيع إشعال لهبٍ أخضر اللون.”
“وا….واو….”
كان ينبغي لي أن أفتح هذا الموضوع معه منذ البداية.
لحظة. في عالم رواية الفانتازيا الرومانسية الذي انتقلتُ إليه، كان هناك زمنٌ عاش فيه السحرة في أنحاء العالم كافة.
وكان ذلك يعود إلى حقبةٍ أقدم حتى من عهد الجد الأكبر لجد والدي، دوق لوار، غايوس. وفي تلك الحقبة، انقرض السحرة حتى كاد نسلهم ينقطع تمامًا.
أما السبب، فقيل أنه مجهولٌ وبسيطٌ في الوقت نفسه. ففي لحظةٍ ما، توقف ظهور الموهوبين فحسب.
ومع ذلك، لم يستغرق انهيار مجتمع السحرة المنغلق، الذي كان يرفض إخراج معارفه خارج أبراج السحر، وقتًا طويلًا.
ومع أن وجودهم لم يبقَ منه سوى ما تناقلته كتب التاريخ والحكايات والأساطير الشفهية، فإنهم لم يرحلوا دون أن يتركوا شيئًا وراءهم. فقد كان السحرة القدماء يتخلصون من الأحجار السحرية المستنفدة بدفنها في باطن الأرض.
وبالنسبة لهم، فإن الحجر السحري الذي فرغت منه المانا لم يكن يختلف عن حجرٍ عادي لا يشكل أي خطرٍ على البشر أو الطبيعة.
حتى لو لمس شخصٌ عادي حجرًا سحريًا فاخرًا، فلن يشعر حتى بشرارة كهرباء ساكنة. فكيف سيكون الحال مع حجرٍ فرغت منه المانا بالكامل؟
لم يكن يختلف عن حصى الحدائق أو أحجار الزينة.
ومن بين تلك الحجارة التي لا تتجاوز قيمتها الأثرية قيمة فأس حجريٍ بدائي، كان كولينز بافيل هو الوحيد الذي اكتشف إمكاناتها وحولها إلى واقع.
صحيح. في الرواية الأصلية، كان كولينز بافيل شخصيةً لا غنى عنها. فهو العبقري الذي سيعيد فتح عصر السحر، بعدما اعتقد الجميع أنه انتهى إلى الأبد.
لكن مع ذلك، لم يكن سوى شخصيةٍ ثانوية تظهر من خلال حديث إحدى الشخصيات المساعدة المهمة، مثل إيلين.
‘ولهذا أستطيع التحدث معه براحة.’
فهو أحد الفرائس المدرجة في خطة الصيد التي أعددتها لضمان تقاعدٍ هادئ ومريح.
في طفولته، وُلد كولينز بافيل في عائلة حدادين عادية، لكنه امتلك موهبةً سحرية لا تضاهى.
وقد أصبح بطلًا صغيرًا بعدما أنقذ قريته من وحشٍ سحري. فمن دون أن يعرف شيئًا عن السحر، فعّل أثرًا قديمًا كان مهملًا عند سفح الجبل، وأقام به حاجزًا دفاعيًا.
و عندما رأى سيد الإقطاع موهبته، دعمه بكل ما استطاع، رغم أن ثروته لم تتجاوز ما يملكه بارونٌ متواضع، وأرسله إلى مدرسةٍ خاصة كان معظم طلابها من أبناء النبلاء.
وهناك، التقى كولينز بافيل بشين لأول مرة.
‘إذًا….شين صديقٌ فعلًا لإحدى الشخصيات الثانوية في الرواية الأصلية.’
عندما سمعتُ بذلك أول مرة، ظننتُ أنهما مجرد شريكين في العمل جمعتهما الدراسة لا أكثر!
وتذكرتُ كيف ادعى شين، في اليوم الذي عقد فيه معي عهد الدم، أنه لا يملك أي أصدقاء، فشعرتُ بالضيق. وهو الذي يملك صديقًا حقيقيًا، كيف تجرأ على قول ذلك؟
‘مع أنني بحثتُ في ماضيه الدراسي، فلم أجد شيئًا يوضح كيف أمضى سنوات مراهقته….’
وبينما كنتُ، أنا التي أفضل البقاء في المنزل، أقبض يدي غيظًا من هذا الشاب الوسيم والمتفوق في الأدب والقتال، الذي يبدو اجتماعيًا بكل معنى الكلمة، واصل كولينز بافيل حديثه.
وكان قد وصل إلى سبب اختياره لصناعة أعواد الثقاب.
“لأنها كانت المنتج الأقل تكلفة، والذي يستطيع حتى الفقراء الحصول عليه بسهولة نسبيًا….على الأقل في ذلك الوقت.”
قناة التلجرام: https://t.me/+PE6p5xi2s882MWJk
_______________________
في ذلك الوقت؟ لايكون صارت غاليه؟ يعمري على العوام
المهم شين مره واثق ان كولينز رجال شغل وعملي مب حق مغازل ولا ماخلا ريتا معه😭
بس كيوت واضح اخويا خير ليه يقول ماعنده خوي كل ذاه عشان ترحمه؟😂
Dana
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.