الفصل 69
ما إن دخلتُ إلى البهو المركزي للقصر حتى التقت عيناي بفلورا، التي كانت تُخرج رأسها قليلًا من أعلى الدرج الحلزوني وتنظر إلى الطابق الأول.
أمسكتُ بطرف تنورتي وركضتُ إلى الأعلى، وشكرتها، ثم اندفعتُ إلى غرفة الضيوف التي أقيم فيها، وبسطتُ جميع الرسائل التي أعطتني إياها الكاتبة إيفير فوق الطاولة الجانبية.
كان ذلك لأنني أردتُ التحقق من أمرٍ أثار شكوكي.
“خطوط الكتابة مختلفة.…”
حاولتُ جاهدةً أن أتذكر خط يد شين الذي صادف أن رأيته من قبل.
لكنني لم أره بوضوح قط. فهو لم يسبق أن رفع قلمًا وكتب شيئًا أمامي.
‘كان ينبغي أن أُريها لماكسيميليان. ربما سبق له أن رأى شين يكتب بهذا الخط….’
لكن ما إن وصلتُ في شكوكي إلى هذا الحد، حتى تذكرتُ الإجابة الحاسمة التي كان سيعطيني إياها ماكسيميليان جورجيو، فتدلت كتفاي بلا قوة، كأنني بالونٌ خرج منه الهواء.
صحيحٌ أن شين هو من يتولى الآن إيصال مخطوطات الكاتبة إلى دار النشر بنفسه، لكنه قال أن شخصًا آخر كان يقوم بذلك في السابق.
وكان الاحتمال الأكبر أن يكون ذلك الشخص هو ماكسيميليان. ولا بد أنه رأى المخطوطات بالفعل.
إذا كان الأمر كذلك، فلن يفيد أن أطلب منه التحقق مما إذا كان خط رسالة الكاتبة إيفير التي أعطاها لي شين يطابق ما رآه من قبل.
‘على أي حال، من المؤكد أنه لا توجد امرأةٌ لديها طفل ضمن المحيطين بشين.’
ومع ذلك، لم أشعر أن الغموض قد انقشع تمامًا.
***
“هذا غير منطقي.”
في صباح اليوم الذي بقيت فيه ستة أيامٍ على انتهاء المهلة التي اشترطتها الكاتبة إيفير، جاءت إيلين وهي تعقد حاجبيها بقوةٍ لتقدّم تقريرها.
“لم أتمكن من تفتيش المكتبة داخل غرفة النوم، لكن على الأقل، لا يوجد شيءٌ في المكتب أو المكتبة. لا شخص محتجز، ولا أي شيءٍ له علاقة بالكاتبة إيفير….لا شيء إطلاقًا!”
ثم راحت تنفث غضبها وهي تخبرني بأنها فتشت مقر إقامة فرسان الحرس القديم ثلاث مراتٍ خشية أن تكون قد أغفلت شيئًا، لكن لم يكن هناك حتى أثرٍ يدل على أن أحدًا أقام فيه مؤخرًا.
“صحيحٌ أن الطيور كانت تدخل وتخرج من النوافذ المحطمة، وكانت رائحة فضلاتها تملأ غرف نوم الفرسان، ويمكن اعتبار ذلك أثرًا لوجود كائن حي….لكن عدا ذلك، لا يوجد أي شيء!”
واستمرت في شكواها، قائلة أنها فتشت أيضًا بقية غرف الضيوف ومساكن الخدم، بل وعثرت على ثلاثة ممراتٍ سرية داخل القصر، ومع ذلك لم يكن في أيٍ منها أثرٌ يدل على مرور أحد.
“أنتِ….لماذا أنتِ منفعلةٌ إلى هذه الدرجة؟”
لم أجد بدًا من سؤالها وأنا أحدق فيها بذهول. فقد كانت مختلفةً عن إيلين التي أعرفها.
“هناك شيء غريبٌ فيكِ.”
“ومن الطبيعي أن أغضب! هذا القصر فعلًا….لا يوجد فيه أي شيء! أنا لا أتعامل مع أشياءٍ تافهة مثل أواني الفضة. إذا كان المرء سيعيش كلص، فعليه أن يطمح إلى غنائم أكبر. لكن هذا القصر، رغم اتساعه، لا يحمل سوى شعور كأن كل غرفةٍ فيه غارقةٌ في أجواء جنازة!”
همم….
لا أعرف تمامًا ما تقصده، لكن يبدو أن قصر أوريلرنو الكبير لا يناسب مبادئ إيلين ولا طموحاتها.
“وما يزيدني غيظًا أن ذلك الشعور بأن هناك عينًا خفيةً تراقبني من كل مكان ما زال يلازمني! تباً!”
“قلتُ لكِ ألا تتلفظي بمثل هذه الكلمات الوقحة أمام الآنسة.”
حذرتها تاشا بنظرةٍ صارمة. لكن إيلين لم تأبه، بل وجّهت إليّ نصيحةً أقرب إلى التحذير.
“أعتقد أنه من الأفضل أن تقوم آنستي نفسها بتفتيش القصر، وليس أنا.”
“ماذا؟ بعد أن تأخذين أموال سيدتي، تريدين أيضًا أن ترهقيها بالعمل؟”
وبدأت تاشا ترفع قبضتها مهددة.
أما إيلين، فقد عقدت حاجبيها وهي تخفي انزعاجها بصعوبة.
“ما هذا الذي تقولينه؟ مهما فتشتُ هذا القصر، فلن يسلمني الشيء الذي تبحث عنه الآنسة. لديّ هذا الإحساس.”
“هاه؟ إحساس؟”
“تلك العين الخفية….يبدو أنها تنتظر شخصًا محددًا. وأظن أن آنستي أصبحت تدرك ذلك أيضًا.”
ابتلعتُ تنهيدةً مكتومة في داخلي. فقد كنتُ أفهم تمامًا ما تعنيه.
في البداية كانت تقول أنها ستنسحب، لكن بعدما لم يظهر الكيان الذي تبحث عنه مهما بحثت، امتلأت غضبًا.
وبينما كنتُ أستمع إلى تذمرها المتواصل كأنه ضجيجٌ في الخلفية، بدأت أستعد للخروج. فاليوم هو موعد افتتاح معرض آيزار الملكي للفنون.
ركب شين وفلورا العربة نفسها، بينما استقللتُ أنا عربة دوقية لوار وحدي.
وبعد أن التقينا بسوزان، التي عادت بعد أن أنهت على عجلٍ مشكلةً طرأت في إقطاعيتها بصفتها زوجة الفيكونت أدينا، تجولنا معًا في أرجاء المعرض.
“لم يكن الأمر مفاجئًا، لكن يبدو أن الجميع في حالة ضجة.”
فابنة دوقية لوار، المعروفة بأنها ليست من محبي المناسبات الاجتماعية، ظهرت في مكانٍ عام لا برفقة أي شخص، بل مع ذلك الماركيز نفسه، ومع إحدى قريباته من عائلة بريين.
لا بد أن تاشا كانت محقةً حين قالت أن هذا موضوع يستحق أن تتناوله صحف الشائعات.
كان الجميع يتهامسون سرًا خلف مراوحهم، ويرمقوننا بنظراتٍ فضولية.
فالفتيات النبيلات اللواتي كن يقتربن مني طوال الفترة الماضية طلبًا للتقرب، تجاهلتهن جميعًا، ثم ظهرتُ فجأةً مع نبيلةٍ من عائلةٍ أجنبية، وبرفقة الماركيز أوريلرنو. ومن الطبيعي أن يثير ذلك فضولهم.
وفوق ذلك، كان الدوق لوار قد مثَل مؤخرًا أمام العائلة المالكة وأعلن رسميًا أن “ابنته، ليفيريتا لوار لن تتلقى أي عروض زواج في الوقت الحالي”، وهذا وحده كان كافيًا لإشعال الأحاديث.
“أتعرفون ماذا يعني ذلك القرار؟”
كان معظم من يتهامسون يقولون أنني أستعد لوراثة لقب الدوق، حتى أنهم أخذوا يراهنون على ذلك.
وبما أنني لا أقرأ صحف الشائعات إلا إذا تضمنت نقدًا للكاتبة إيفير، مررتُ بهم بلا اكتراث، بينما قبِلتُ ذراع فلورا التي تشبثت بي.
كانت القاعة الأولى مخصصةً لأعمال الفنانين الجدد. وبعد أن تجولتُ فيها دورةً كاملة، استدعيتُ المشرف وطلبتُ منه أن يحتفظ ببعض اللوحات جانبًا لي.
وكان الطريق المؤدي إلى القاعة التالية يفصل بينه وبينها فناءٌ داخليٌ واسع.
كانت ملابس الصيف الخفيفة التي يرتديها الجالسون على مقاعد الرواق يتبادلون أطراف الحديث، تتمايل برقة، فيبدون كالفراشات التي تحلق في ذلك الفناء الأنيق.
“آنسة ريتا، عمَّ تحدثتِ مع مساعدي بالأمس؟”
بينما كنتُ أحدق بصمتٍ في ذلك المشهد الذي يشبه لوحةً فنية، اقترب شين مني بهدوء، وتحدث بنبرةٍ عابرة تخفي وراءها معنى عميقًا.
فتظاهرتُ باللامبالاة، ومررتُ يدي على القفاز الذي يصل إلى معصمي، ثم أجبته،
“لم يكن حديثًا مهمًا.”
“وأي حديثٍ ممتعٍ كان حتى تبتسمي له بذلك الشكل؟”
“ولِمَ هذا التعلق المفاجئ؟ هل أنتَ خطيبي؟ وحتى لو كنتَ كذلك، فأنا لا أحب الرجال الذين يتصرفون هكذا.”
في تلك الأثناء، كانت سوزان، التي كانت تتحادث بحماسٍ مع سيدةٍ عملت سابقًا وصيفةً في القصر الملكي، قد اصطحبت فلورا لتعرّفها إليها.
وربما كانت تلمح لها بشأن أمر الزواج. فالتدخل في شؤون الآخرين كان أصلًا إحدى هوايات سوزان.
ورغم أن فلورا نبيلةٌ من عائلةٍ أجنبية، إلا أنها، بما أن القدر جمعها بهم، كانت ترغب على ما يبدو في تزويجها لابن إحدى العائلات المرموقة.
‘سمعتُ أن الجميع يتحاشونها لأنها تنتمي إلى عائلةٍ أجنبية اشترت لقبها بالمال.’
وكنتُ أعلم جيدًا أن فلورا، حتى عندما تُدعى إلى الحفلات واللقاءات الاجتماعية، لا تجد من هم في مثل سنها لتنسجم معهم.
وبينما كنتُ أنظر إلى فلورا وهي ترسم ابتسامةً متكلفة، حوّل شين بصره مثلما فعلت، ونظر إلى قريبته البعيدة ثم سأل،
“لم تكونا تتحدثان عن مجيء موظفي القصر الملكي إلى مكاتب أوريلرنو للتحقيق في الضرائب، أليس كذلك؟”
“لا أظن أن أحدًا يبتسم وهو يتحدث عن أمرٍ كهذا، أليس كذلك؟”
“إذاً، تبتسمين لمساعدي، بينما لا تبتسمين لي؟”
“هل تتذمر الآن؟ هل أنتَ طفل؟”
“ها.…”
وصلت إلى أذني ضحكةٌ خافتة ممزوجة بالاستغراب، حتى أنني كدتُ ألمس أذني من شدة ما دغدغتني نبرته، لكنني تماسكتُ بصعوبة.
‘والأغرب أن ماكسيميليان لم يخبركَ بما تحدثنا عنه.’
وبينما كان معظم انتباهي منصبًا على شين، أدركتُ أمرًا غريبًا.
لسببٍ لا أعرفه، بدا وكأنه يتعمد الحفاظ على مسافةٍ جسدية بيني وبينه. هل لأنه يراعي نظرات الناس بما أننا في مكان عام؟
“إذا تزوجت فلورا من رجلٍ صالح، فسأشعر براحةٍ أكبر. صحيح؟”
وبينما كانت سيدةٌ أخرى تتدخل في الحديث مدعيةً المعرفة، ورأيتُ عمتي سوزان تعرّفها هي الأخرى إلى فلورا، سألتُ شين بهدوء، لكنه لم يجب بشيءٍ يُذكر.
بل إن شين نادرًا ما كان يتحدث عن فلورا من تلقاء نفسه.
ولم يكن ذلك لأنه لا يهتم بها، فهو لم يكن يتركها وشأنها تمامًا.
وفي المقابل، لم يكن يبذل جهدًا حقيقيًا للبحث لها عن شريكٍ مناسب.
كدتُ أسأله: “ما الذي تمثله فلورا بالنسبة إليكَ حقًا؟” لكنني أطبقتُ شفتي.
وبدلًا من ذلك، خطر لي سؤالٌ آخر، فسألته بجرأة،
“شين، لماذا لم تتزوج حتى الآن؟ فأنتَ لا تنقصكَ أي ميزةٍ مقارنةً برون هايلز.”
ولم يخفِ استغرابه وهو يجيب،
“من بين كل هؤلاء الرجال….ألا ترين أن مقارنتي بذلك الرجل فيها شيءٌ من القسوة؟”
“حتى لو كانت شخصيتكَ غريبةً بعض الشيء، فهناك الكثير من النساء اللواتي سينبهرن بوسامتكَ. ولا بد أن كثيرًا من العائلات فاتحتكَ في أمر الزواج.”
صحيح….لماذا لم يتزوج حتى الآن؟
________________________
كان ينتظرس🥰
مدري وش تستفيد وهي خاشة عنه وش قالت لمساعده بس تضحك ترد عليه بقوه ماتعطيه مجال طيب خلي السالفة تمشي😭
المهم شكل ريتا قربت تكشف ان شي هو الكاتبه✨✨
Dana
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.