الفصل 68
لم أشعر بذرة خجلٍ واحدة بسبب رغبتي في معرفة طول شخصيتي المفضلة.
حتى لو نظرت إليّ الكاتبة إيفير بنفس النظرة التي ينظر بها إليّ الرجل الواقف أمامي الآن، وكأنه يقول: “ولماذا تريدين معرفة شيءٍ كهذا؟”، فلن أشعر بالحرج.
“هذا كل ما أريده. أرجوكَ اسأل الكاتبة. وإن أمكن، اسألها أيضاً عن محيط إصبع البنصر في يده اليسرى.”
“إذاً….كل ما تريدين الحصول عليه مقابل إزعاجكِ لأعمال عائلة الماركيز أوريلنو هو….طول رجلٍ موجودٌ على الورق؟”
“هل قلتَ للتو “كل ما”؟”
ولم ألاحظ أن شين قد تفوه بها فعلاً إلا بعد أن انتهيتُ من إثارة الضجة والصراخ مطالبةً إياه بألا يقلل من شأن أركوس.
وفي النهاية، لم يمنحني وعداً قاطعاً بأنه سيسأل الكاتبة.
***
ماكسيميليان جورجيو.
كان السكرتير الذي يعمل بالقرب من شين، وفي الوقت نفسه شخصاً يملك الكثير من نقاط الضعف التي يمكن استغلالها.
وبمعنى آخر….كان بالنسبة لي الهدف الأسهل بين الجميع.
وبناءً على ما أخبرتني به فلورا، فإن ماكسيميليان يزور مكتب شين مرةً كل يومين تقريباً، لذلك اكتفيتُ بالانتظار.
ومع بقاء سبعة أيامٍ فقط على انتهاء الفترة المتفق عليها بيني وبين الكاتبة إيفير وشين….وصل ماكسيميليان جورجيو إلى القصر لمقابلة شين.
وترصدتُ اللحظة التي سيخرج فيها من المكتب. فبحسب فلورا، كان الاثنان مقربين إلى درجة أن شين لا يخرج عادةً لتوديعه.
وكما توقعتُ. بينما كنتُ أتظاهر بالتنزه في الحديقة مترقبةً خروجه، رأيتُ الإشارة التي أرسلتها فلورا من نافذة غرفتها في الطابق الثاني.
وما إن وصلت الإشارة حتى لمحته يخرج مسرعاً من باب القصر.
الآن!
حان وقت إلقاء الطعم!
“يا إلهي، مرحباً.”
حين ظهرتُ فجأةً أمامه، كاد يقطب حاجبيه، لكنه أخفى انزعاجه بخبرةٍ وسرعة، ثم قدم اعتذاراً رسمياً بارداً.
ابتسمتُ بأكبر قدرٍ ممكن من الرقي وقدمتُ نفسي للمالك الحقيقي للاسم الذي انتحله شين ذات يوم.
“أنا ليفيريتا لُوار من عائلة الدوق لُوار. أقيم هنا لمساعدة صديقتي المقربة فلورا بريين على التأقلم مع المجتمع الراقي في آيزار.”
ألم يسمع من شين أن آنسة لُوار تقيم في هذا القصر؟
بدا أن الأمر فاجأه، فأزال قبعته وانحنى تحيةً بشكلٍ متكلفٍ قليلاً.
“يا للمفاجأة. لقد ارتكبتُ إساءةً دون قصد. كان يجدر بي أن أحييكِ أولاً.…”
“لا بأس. في الحقيقة، لدي سؤالٌ أود طرحه، ولهذا أوقفتُ شخصاً مشغولاً مثلكَ رغم أنني أعلم أن ذلك وقاحةٌ مني.”
بدأ ماكسيميليان يضيق عينيه وهو يراقبني بلطفٍ مصطنع.
طبعاً يشك بي. وأنا أعرف جيداً أنكَ أجريتَ تحرياتٍ عني عبر شين. فمن غيركَ سيتولى ذلك وأنتَ أقرب مساعديه؟
وفوق ذلك، لا بد أن أعصابكَ متوترةٌ للغاية بسبب قضية التدقيق الضريبي الأخيرة.
أما أنا، صاحبة البلاغ نفسها، فقد بذلتُ قصارى جهدي لأرسم ابتسامةً بريئة لا تؤذي أحداً.
وفي الوقت نفسه، بدأ طرف حذائه يتحرك بطريقةٍ غير طبيعية، وكأنه استشعر الخطر.
كنتُ أعلم أن هذا سيحدث! لذلك أخرجتُ بهدوءٍ من خلف ظهري ظرفاً يحتوي على رشوةٍ ولوحتُ به كأنه مروحة.
“هذه رشوةٌ لأكسب ود صديق شين العزيز. تذكرتان لحفل أنجيلي الموسيقي. طرأت لي التزاماتٌ ولن أستطيع الحضور، لذا سأهديهما لكَ.”
“يا إلهي….وإذا قلتُ إنني لا أحتاج إليهما، فماذا سأفعل بإحراج هذه الآنسة النبيلة؟”
خرجت نواياه الحقيقية الملفقة بسرعةٍ أكبر مما توقعتُ.
في الواقع، كان قد حصل على التذكرتين منذ زمن. لكنني كنتَ أعرف أنه لم يتمكن من تأمين تذاكر لأطفال الآنسة موني فيليد الذين يحاول كسب ودهم.
وخصوصاً أن الابن الأكبر كان يخشاه، وكان بحاجةٍ إلى فرصةٍ ليراه كثيراً ويتقرب منه.
“ما الأمر الذي تود الآنسة الاستفسار عنه؟”
“أريد أن أسأل عن المرأة التي يقابلها شين هذه الأيام.”
“ماذا؟ المرأة التي يقابلها ماركيز أوريلنو؟ لا توجد امرأةٌ كهذه.”
عضضتُ داخل فمي بقوةٍ حتى امتلأت عيناي بالدموع، ثم ارتسمت على وجهي ملامح الحزن.
“هذا مستحيل. لقد اعترف لي شين بحبه، لكنني أشعر أن هناك امرأةً أخرى في قلبه.”
“ماذا؟!”
“في الحقيقة، راودني الشك في أن شين ربما يكون ذئباً يطمع في عائلة الدوق لُوار، لذلك أجريتُ بعض التحريات عنه. وعندها اكتشفتَ أنه يقابل سيدةً ما سراً.”
أصبح تعبير ماكسيميليان يقول بوضوحٍ أنه يسمع شيئاً لم يكن يجب عليه سماعه.
“ويبدو أيضاً أن لديها طفلاً حديث الولادة.”
“ماذا قلتِ؟!”
يبدو أنه لا يعلم شيئاً حقاً. وإلا لما بدا مصدوماً إلى هذا الحد.
ومع ذلك، واصلتُ تمثيلي بكل قوتي وأنا أرسم على وجهي ملامح البطلة المأساوية.
“هل الرجل الذي همس لي بكلمات الحب هو حقاً رجلٌ مستهترٌ لديه طفلٌ غير مسجلٍ في السجلات الرسمية؟ إن كان ذلك صحيحاً، فسأحمل هذا القلب المكسور وأركض إلى نهر منديلتا لأُغرق نفسي فيه!”
عند تهديدي المبطن، انهار القناع الذي كان ماكسيميليان يرتديه تماماً.
أما عيناه اللتان عجزتا عن إخفاء ارتباكهما، فقد اتجهتا إلى ما خلفي، ثم اتسعتا فجأةً وكأنه رأى شيئاً صادماً.
و استدرتُ بخفةٍ لأرى ما الذي أثار ردة فعله تلك، لكن لم يكن هناك شيء.
“يا آنستي، سأختصر الكلام.”
قال ذلك بسرعةٍ وكأنه مطارد.
“ذلك الوغد لا يلتقي بأي أرملةٍ سراً، ومن الأساس ليس من النوع الذي يعبث مع النساء بلا مبالاة. المرأة الوحيدة التي تشغل كل تفكير الماركيز أوريلنو تقف أمامي الآن.”
ثم توقف فجأة، وقطب وجهه بشدة، وأغمض عينيه رافعاً رأسه وكأنه يشتكي من مصيره.
“هاه….يا لهذا الإرهاق! دائماً يجعلني أنا من يتولى التنظيف خلفه! آنستي، ذلك الوغد صادقٌ تماماً في مشاعره تجاهكِ. وإن كان يخفي امرأةً أخرى، فسأمسك بيده وأغمسها بنفسي في موقد النار!”
ولماذا يضع يد شين في النار بدلاً من يده هو؟
فسارعتُ إلى طرح سؤالٍ آخر.
“هل توجد امرأةٌ تكتب وتقضي وقتاً كثيراً حول شين؟”
“امرأةٌ تكتب؟”
ظن على ما يبدو أنني ما زلتُ أتحدث عن المرأة التي أشتبه بها، لذلك أجاب بسهولةٍ غير متوقعة.
“إن كانت هناك امرأةٌ كهذه فلن تكون في هذا القصر، بل في دار نشر إيموس. أرسلي من يبحث هناك. أوريلنو هو رئيس دار النشر، لكنه لا يهتم حتى بالمؤلفين العاملين لديه، لذلك أنا من أتنقل طوال الوقت بين المطبعة والدار نيابةً عنه.”
“لكنه قال أنه صار يأخذ بنفسه مخطوطات الكاتبة شيل إيفير هذه الأيام، فهل يمكن أن….”
“آه، ذلك الأوريلنو الذي يبدو وكأنه وقع في الحب مؤخراً؟ الشيء الوحيد الذي يعشقه ليس شخصاً بل كتابات الكاتبة إيفير. حسناً، باستثنائكِ أنتِ طبعاً.”
هل كان يكذب عليّ؟
لو كان كذلك لما جاءت إجاباته بهذه السلاسة.
“إذاً….هل يكتب شين بنفسه؟”
“ماذا؟”
أطلق ماكسيميليان زفرةً وكأنه سمع أكثر سؤالٍ سخيفٍ في حياته، ثم أجاب بسرعة.
“لا أفهم حتى سبب طرحكِ لهذا السؤال. أوريلنو الذي أعرفه شخصٌ ذهب إلى الحرب بدلاً من والده الميت، وقضى عمره يحاول إنقاذ عائلته المنهارة. لم يكن لديه الوقت ليجلس ويزين العبارات أو يكتب النصوص.”
شعرتُ أن نبرة ماكسيميليان أصبحت أكثر خشونةً من قبل، فارتجفت أطراف أصابعي دون وعي.
كنتُ أعلم مسبقاً، عبر رئيس شبكة المعلومات التابعة لوير، أن شين شارك في حرب السنوات العشر بصفته نبيلاً.
وقيل أنه ما إن أنهى دراسته الداخلية حتى سُحب إلى مقر عائلته، ثم أُلقي في ساحة الحرب مع فرسان أوريلنو الذين بدأوا يتعرضون لرقابة القصر الملكي بدلاً من كيرون دي أوريلنو، الذي كان ماركيز العائلة آنذاك.
وفي مرحلةٍ ما، بدأ ماكسيميليان يهز قدمه بعصبيةٍ متزايدة. يبدو أنه كان مستعجلاً بسبب جدول أعماله.
حسناً، حان وقت إنهاء الحديث.
“مع ذلك، خطه جميل.”
قلتُ ذلك مازحة، لكن ماكسيميليان أجاب بلا اهتمام.
“ذلك لأنه يملك عدة خطوطٍ مختلفة. كانت مهارةً مفيدة جداً عندما كنا نزور تصاريح الخروج وما شابه.”
وقبل أن أتمكن من طرح سؤالٍ آخر، انطلق صوتٌ كئيبٌ إلى جوارنا فجمدنا في أماكننا.
“عن ماذا تتحدثان هنا بالضبط؟”
استدرتُ بسرعة. وكان شين يقف إلى جانبنا مباشرة، لا أعلم متى وصل، وينظر إليّ من الأعلى بابتسامةٍ لطيفة.
“آه….يبدو أن آنستي مهتمةٌ بكَ كثيراً.”
وما إن أنهى ماكسيميليان كلامه حتى ركض بأقصى سرعةٍ نحو العربة التي كانت تنتظره، وكأن حياته تعتمد على ذلك.
ومع ذلك، لم ينسَ أن يأخذ بطاقة الدعوة التي دسستها له خفيةً خلف ظهري.
أما شين، الذي كان يبتسم لي كزهرةٍ متفتحةٍ قبل لحظة، فقد اختفت ابتسامته فور أن أدار رأسه. وتحول وجهه إلى تعبيرٍ مخيف وهو يطارد ماكسيميليان بخطواته الطويلة.
بدا تماماً كصيادٍ يلاحق فريسةً واهنة القوى.
أما أنا، فبعد أن دعوتُ في سري أن ينجو ماكسيميليان من العواقب بعدما أطلق لسانه دفاعاً عن الحب، هربتُ راكضةً إلى داخل القصر.
_______________________
ضحكت شكله شافه من ارل عشان كذا توتر😭😭😭😭😭😭😭 اهخ يابطني شين على طول راح يلحقه لايكون قال شي منا ولا منا😭
الا صدق ماكسيميليان ذاه مايدري ان شين هو ايفير؟ اتمنى اوصل لمرحلة الغموض ذي صايره لو يقولي احد وين بيتكم اقول ورا مدرسة العيال في الحارة
المهم ريتا كأنها شكت ان شين هو ايفير؟ بس ماش للحين مهووسه عطي ذا المسكين وجه😂
Dana
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.