الفصل 7
بتشجيعٍ من تاشا، نهضتُ مترنحة واتجهتُ إلى غرفتي.
بعد أن أنهيتُ حمامي، تمددتُ على السرير بينما كانت تاشا تدهن ساقي بمرهمٍ يحتوي على النعناع وتدلّكهما، فتحمّلتُ ذلك الألم بصعوبة.
“الآنسة ليفيريتا، سأطفئ الضوء.”
“آه….شكرًا لكِ دائمًا يا تاشا.”
أُغلق الباب المزيت جيدًا دون أن يصدر أي صوت.
وقبل أن يختفي ضوء الشمعدان الذي كانت تحمله تاشا عبر شق الباب، لمحتُ على الطاولة الجانبية شكل حزمة الهدايا التي كنتُ أنوي تقديمها للكاتبة إيفير إذا التقيتُ بها.
لمرةٍ واحدة فقط، نُشرت مقابلةٌ قصيرة مع الكاتبة إيفير في مجلةٍ أسبوعية. كانت حقًا كقطرة ماءٍ في زمن الجفاف.
وفي تلك المقابلة، ذكرت أنها عندما تعجز عن الكتابة وتشعر بالإرهاق، تحب أن تستعيد مزاجها بكأسٍ من نبيذ العنب خفيف الحلاوة بعد الاستحمام.
حين قرأتُ ذلك، سارعتُ فورًا لاقتناء زجاجةٍ من أفضل نبيذ معتّق عمره 26 عامًا استطعتُ الحصول عليه. كنتُ أحتفظ بها لأهديها لها يومًا ما إن التقيتُ بها، وربما تكون هذه هي الفرصة.
‘من يدري؟ قد ألتقي الكاتبة صدفةً في المسرح!’
خوفًا من أن أنسى إحضارها في اليوم نفسه، طلبتُ من تاشا مسبقًا أن تجلبها من المخزن وتضعها بعنايةٍ في مكانٍ مظلل بجانب رف الكتب.
حتى لو لم أتمكن من تسليمها، فلا بأس. مجرد التحضير لهذه الهدية من أجلها كان بحد ذاته أمرًا ممتعًا وثمينًا.
وبينما كانت مشاعري التي أفسدها ذلك الماركيز تتلاشى، بدأ الحماس يتفجر داخلي من جديد.
‘يا إلهي، أنا أفقد صوابي! ليس وكأنني مصابةٌ بهوس!’
كان قلبي يخفق في منتصف الليل من شدة الحماس، كأنني ابتلعتُ خمس جرعاتٍ من القهوة دفعةً واحدة.
لم أستطع النوم، فقفزتُ من السرير وركضتُ ثلاث دوراتٍ خفيفة في الغرفة، ثم ارتميتُ على السرير ممددةً كخشبة.
كنتُ أتنفس بلهاثٍ من فرط الحماس.
‘الآن وقد فكرتُ بالأمر….لم أشرب القهوة ولو مرةً منذ أن تقمصتُ هذه الحياة.’
استحضار الماضي جعلني أشعر بحنينٍ غريب.
بالنسبة لي، التي عشتُ أرتشف القهوة كأنها إكسير الحياة وأغرق في العمل، كان التقمص داخل رواية يحمل معنى مختلفًا.
كنتُ أعمل ليلًا، وأعمل ليلًا مجددًا، وأذهب للعمل في عطلة نهاية الأسبوع، ثم أعود للعمل ليلًا….حتى شُخّصتُ بخطر الإصابة باضطراب نظم القلب.
بل وفي ذلك اليوم، بعد نوبة عملٍ إضافية، صدمتني سيارةٌ تجاوزت الإشارة ومُتُّ عبثًا.
وهكذا، بعدما كنتً أقرأ الروايات كهوايةٍ في أوقات الفراغ، انتهى بي المطاف متقمصةً داخل إحداها—بداية حياةٍ ثانية.
ربما لأنني أصبحتُ المتقمصة، شعرتُ أن روح ليفيريتا الأصلية قد غادرت إلى العالم الآخر.
وفي هذه الحالة، بما أنني دخلتُ جسدًا فارغًا من بُعدٍ آخر، أليس من الطبيعي أن أعيش؟
بل إن ليفيريتا كانت بصحةٍ ممتازة. صحيحٌ أنها كانت خجولة، لكنها لم تكن تعاني من أي مرضٍ مزمن، وبصرها جيد، وأسنانها سليمة، وملامحها جميلةٌ وناعمة.
وما أردته أنا في هذه الحياة هو….ألا أفعل شيئًا. أن أرتاح فقط.
أن أستغل لقب والدي الدوق لأتجنب العمل قدر الإمكان. أن أعيش بلا همّ، أتنفس وألهو.
كنتُ قد قررتُ أن أعتمد على ثروة عائلتي في حياتي الثانية، وعلى مظهري وصحتي، لأعيش حياة كسلٍ تام.
لكن يا للمفاجأة! المشكلة ظهرت من مكانٍ غير متوقعٍ تمامًا.
ما إن خطر ببالي الدوق لوار، الذي بدا وكأنه يحاول تغيير مسار القصة الأصلية، حتى هدأ حماسي بصعوبة.
‘أهو مجرد شعور؟’
العيش في عالمٍ غريب، متظاهرةً بأنني واحدةٌ منهم، كأنني كائنٌ دخيل يرتدي قشرةً بشرية….لم يكن صعبًا كما توقعتُ.
يُقال أن كل أماكن عيش البشر متشابهة. وبالنسبة لي، القادمة من بلدٍ شرقي صقلته حياة العمل الجحيمية، لم يكن تقبّل حياةٍ كفرد من عائلةٍ دوقية أمرًا عسيرًا.
بعد أن دفعتني فيفيان إلى البركة وكدتُ أفقد حياتي، تمسكتُ بفكرة فقدان الذاكرة واضطررتُ لتعلم الآداب من الصفر—وكان ذلك أصعب ما واجهته.
لكن حتى هذا بدا كأنه مجرد استعدادٍ لامتحانٍ صعب، فاعتدتُ عليه سريعًا.
‘كنتُ أظن أنه بعد كل ذلك سأتمكن من العيش بترف!’
لكن أمنيتي لم تتحقق. ففي وقتٍ ما، بدأ الدوق لوار يمنحني تعليم الوريثة سرًا، دون أن يلاحظ الآخرون.
لماذا بحق؟
‘أبي، لا يمكن أنكَ أصبتَ بالخرف من كثرة الاطلاع على سندات الأراضي في هذا العمر.’
حين وجدتُ يوميات ليفيريتا في أول يومٍ لي، كانت مكتوبةِ بوضوحٍ أنه لم يُبدِ أي اهتمامٍ بها، سواءً في معاملته لها أو في موضوع الوريث أو غيره!
لكن دوق لوار أحكم السرية لدرجة لا يعرفها إلا المقربون، بل وأراني عدة دفاتر حساباتٍ تخص ممتلكات العائلة.
أليس من حقي، بصفتي متقمصةً لشخصيةٍ ثانوية، أن أعيش قليلًا بلا همّ في عالمٍ لا يهتم حتى بالدقة الأصلية؟ أم أن كل النبيلات يعشن هكذا؟
كنتُ أريد أن أختلط بفتياتٍ من عمري لأفهم ذلك بنفسي، ولهذا رغبتُ بالبقاء في العاصمة حتى بعد انتهاء حفل الظهور.
بالطبع، لم أصل بعد إلى مرحلة تكوين صداقات، بل بالكاد انتهى الأمر إلى مشاحنات.
كنتُ قد كذبت كذبةً صريحة، مدعيةً أنني أريد توسيع معارفي واكتساب ثقافةٍ من خلال لقاء نبيلاتٍ أخريات، لكن والدي منحني مصروفًا سخيًا دون أن ينبس بكلمة.
وحين تذكرتُ وجهه الخالي من التعبير، شعرتُ بإحساسٍ غريب يتسلل إليّ.
كانت ليفيرتا الأصلية، بطبعها الخجول، تخشى والدها كثيرًا—ذلك الرجل الذي لا يختلف عن غريب، ببروده ولا مبالاته التي تصل حد القسوة.
وفي خضم ذلك، كانت دوقة العائلة، التي كان يمكنها التوسط بين الأب وابنته، قد طُلّقت وغادرت القصر منذ زمن.
لعل هذا ما جعل تعابير والدي الباردة تتبدل قليلًا كلما طلبتُ منه مصروفي بثقة، أو تصرفتُ أمامه بعفويةٍ دون تردد.
بل إنّه قبل بضعة أيام فقط، أرسل رسالةً على غير عادته، ينصحني فيها بأن “أفكر في الزواج بهدوءٍ وعلى مهل”.
كان ذلك مفاجئًا حقًا. ما الذي أصاب والدي في حياتي الثانية؟
هل ينوي تزويجي لشخص يحقق أكبر منفعةٍ للعائلة؟
‘حسنًا….إن قال لي أن أؤجل الزواج، فسأؤجله قدر ما أستطيع. نعم، لا داعي للعجلة أصلًا.’
لم أكن أملك أي أحلامٍ رومانسية عن الزواج، لذا ما دام الطرف الآخر ليس شخصًا منحرف الطباع تمامًا، ويملك مظهرًا مقبولًا، وكانت عائلته تعاملني بقدرٍ مناسب من الاحترام، كنتُ مستعدةً لتقبّل واجبي بهدوء.
‘آه، ويُضاف إلى ذلك شرط ألا يشتكي من حبي للكاتبة إيفير. بهذا القدر، لا أظن أنني سأحتاج للهرب من الإزعاج.’
أترى هذا مايسمى افتقارًا للرومانسية؟ أهو زواجٌ حقًا إن فكرتُ به بهذه الطريقة؟
أن تُمنحي لقب سيدة الدار ليس سوى ترقيةٍ من موظفةٍ إلى مشرفة. إن اعتبرته انتقالًا وظيفيًا، سيصبح الأمر أسهل. لا شيء يُنتظر، ولا شيء يُخيب الأمل.
أما طريق الهروب من عائلة الزوج، فقد بدأتُ في التخطيط له منذ زمن، تحسبًا لأي طارئ. لذا فلا فائدة من القلق بشأن أمورٍ لم تحدث بعد وإضاعة نومي عليها.
هذا كل ما في الأمر.
تقلبتُ في سريري وأنا أغرق في أفكارٍ جافة كهذه.
‘رجاءً، تأقلم معي….يا والدي في حياتي الثانية.’
فأنا أيضًا أحاول بجديةٍ أن أتأقلم مع دوري كمُتقمصة.
….لذا، ألا يمكنكَ أن تتغاضى قليلًا عن مشاريعي التي أقوم بها بدافع الهوس؟
انتهت أخيرًا جداول حفل الظهور المرهقة. والآن، سأعيش شهرًا كاملًا من أجل مسرحية الكاتبة إيفير، ولأعثر على أشخاصٍ يشاركونني هذا الشغف.
رتبتُ الغطاء الذي بعثرته، وسحبته حتى ذقني، ثم أغمضتُ عيني بهدوءٍ وأنا أنظم أفكاري.
بهذا القدر، أليست حياتي بعد التقمص هادئة وسعيدةٌ بما يكفي؟
***
لكن نقطة إزعاجٍ صغيرة شابت تلك الحياة الهادئة.
كان مسرح سافرانيت أقدم وأكبر مسرحٍ خاص في مملكة آيزار، ومعروفٌ بمحافظته، لذا أثار تحويل أعمال الكاتبة شيل إيفير إلى عروضٍ مسرحية الكثير من الجدل.
‘ومع ذلك، انتهى بهم الأمر بالتسلل والجلوس واحدًا تلو الآخر، أليس كذلك؟’
بصفتي مستثمرة، حصلتُ على تذكرةٍ لمقعدٍ ممتاز في اليوم الأول من العرض. وبفضل ذلك، جلستُ في شرفة الدرجة الأولى، أطل على المقاعد الممتلئة تمامًا وأنا أضغط لساني استنكارًا.
في المقاعد التي تتطلب إنفاقًا كبيرًا، جلس نبلاءٌ واضحون، يضحكون ويتبادلون الأحاديث بمرح، بانتظار بدء العرض.
لا بد أن بينهم من يحب أعمال الكاتبة إيفير فعلًا.
لكن أغلب من يجلس هناك هم نفس الأشخاص الذين رأيتهم خلال فترة حفل الظهور—أولئك الذين شاركوا بسخريةٍ في تشويه سمعة الكاتبة والاستهزاء بها.
وفي خضم ذلك، التقت عيناي بعيني الماركيز أورليرنو الجالس في الشرفة المقابلة تمامًا لي.
قناة التلجرام: https://t.me/+PE6p5xi2s882MWJk
____________________
عداوة من اول نظرة😔💕
اشوا انه قريب يمدي يصير بينهم اي شي😂
المهم كأن ابوها بيفطس عشان كذا يعلمها؟ او انه خاف يفقدها يوم طاحت وفقدت ذاكرتها فيبي يعوضها؟ وشكله تسوندري🙂↕️
Dana
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.