الفصل 65
ظهر توقيعٌ يشبه إلى حدٍ كبير التوقيع الحالي للكاتبة شيل إيفير، إلى درجةٍ قد تجعل المرء يظنه توقيعها الحقيقي للوهلة الأولى….
“في ذلك الوقت لم أكن قد اخترتُ اسماً أدبياً بعد، لذلك استخدمتُ جزءاً من الاسم الحقيقي للكاتبة. انظري هنا، أليست الأحرف في المنتصف مختلفة؟”
وبالفعل كانت مختلفة.
“ومع ذلك، فإن أسلوب الخط يشبه كثيراً توقيع الكاتبة الحالي.”
صحيح.
“….…”
شعرتُ وكأنني شخصٌ معزولٌ في أعماق الكون، منفصلةً عن العالم تماماً وعاجزةً عن استيعاب ما يحدث.
لطالما تخيلتُ بسعادةٍ أن أعثر مصادفةً على إحدى مسودات الكاتبة القديمة. و راودتني تلك الأحلام مراتٍ عديدة.
لكن أن يكون هذا عملاً غير رسميٍ سبق ظهورها الأدبي؟
أنا….أنا الآن لا أختلف عمن التقط حجراً كريماً خاماً من بين الحصى بالصدفة؟
“و-و أنتَ أحرقتَ مثل هذا الكتاب؟!”
“لو رأت الكاتبة هذا الكتاب، لأرادت أن تُحرق جميع نسخه.”
تحرق؟ عند سماعي تلك الكلمة استعدتُ وعيي فجأة.
“ولماذا تخبرني بذلك الآن؟! كان عليكَ أن تخبرني قبل أن تحرقه!”
“لو فعلتُ ذلك، لما وقفتِ مكتوفة اليدين تشاهدين ما أفعله.”
“إذاً كان عليك ألا تخبرني أصلاً!”
بدأت الدموع تتجمع في عيني تلقائياً.
لم أعد قادرةً على التحكم في حكمي الذي تشوش قبل أن تتشوش رؤيتي.
ونسيتُ حتى الوعد الذي قطعته مع شين، والتصقتُ بصدره كعلقة، أبذل كل ما أملك من قوةٍ لأنتزع الكتاب منه.
لكن النتيجة كانت متوقعة، فقد كان جهداً عبثياً.
رفع شين الكتاب التالف عالياً بيدٍ واحدة، ومهما قفزتُ بأقصى ما أستطيع فلم تكن قدراتي الجسدية كافيةً لانتزاعه.
ومن الأساس، كان فارق الطول بيني وبينه شاسعاً إلى درجةٍ لا يمكن مجاراتها.
“ألا يمكنك إعادته لي؟ مهما يكن، أنا من اشترته. وكيف أعرف أن قولكَ أن الكاتبة أرادت حرقه ليس كذبة؟”
“يحزنني كثيراً أنكِ لا تستطيعين الوثوق بي حتى النهاية، لكن لا حيلة لي. بالنسبة للكاتبة، هذا الكتاب حرفياً ماضٍ مخزٍ إلى درجةٍ لا تستطيع حتى التحدث عنه أمام الآخرين.”
“أ-ألا يمكنني الاحتفاظ حتى بهذه البقايا؟”
“مستحيل.”
قال شين ذلك بحزمٍ بارد، حزم جعلني أنكمش في مكاني للحظة.
هل سبق أن رفض بهذه القسوة من قبل؟ كان إنكاره أشد من ذلك اليوم الذي طردني فيه.
وأمام ذلك الشعور البارد، هدأتُ بالكاد، ثم أرخيتُ كتفي وأسندتُ جبيني إلى صدر شين ووقفتُ أشهق بالبكاء.
‘لقد قال أن الكاتبة لا تريد أن تُري هذا الكتاب للآخرين.’
وبصفتي قارئةً تعشق الكاتبة إيفير، لم يكن بإمكاني الإصرار على رؤية كتاب كهذا.
لكن لأن من قال ذلك هو شين بالذات، لم أستطع الوثوق به تماماً.
إن كان شين يكذب….فلماذا يريد التخلص من كتاب الكاتبة؟
‘ألأنه بلا قيمةٍ تجارية؟’
حتى لو كان كتاباً محظوراً حقاً، فإن الطلب عليه لو بلغ عنان السماء، لكان بالإمكان إنتاجه سراً وبيعه. ففي النهاية سيجني ثروةً طائلة.
‘لكن الأستاذ قال قبل قليلٍ أنه ليس كتاباً محظوراً.’
وفي لحظةٍ ما، حسم أستاذ الجامعة الملكية في آيزار الأمر نهائياً، بعد أن كانت مشاعري تميل تدريجياً إلى أحد الجانبين.
ربما كان شين يحاول التخلص من هذا الكتاب تنفيذاً لرغبة الكاتبة وحسب.
“….حسناً. أنا آسفةٌ لأنني تصرفتُ بوقاحة.”
مسحتُ دموعي بظاهر يدي وابتعدتُ عن شين.
وما إن ابتعدتُ عنه حتى أشعل عود ثقابٍ بسرعة، وكأنه الكاتبة إيفير نفسها التي لا تطيق حتى النظر إلى ذلك الكتاب.
ألقى الكتاب على الأرض بينما كانت النيران الزرقاء تلتهمه، ثم اقترب مني ومسح دموعي بأطراف أصابعه.
“لماذا تبكين؟”
“لأنني أشعر بالأسف. أظن أنني كنت سأحب حتى ذلك العالم الطفولي الذي صنعته الكاتبة في هذا العمل، ولذلك يؤلمني أن تضيع مني فرصة قراءته. لكن ماذا يمكنني أن أفعل؟ الكاتبة نفسها تكرهه.”
شعرتُ بالحرج لسببٍ ما، فاستنشقتُ بقوةٍ ومسحتُ أنفي، ثم ابتعدتُ قليلاً عن لمسة شين.
وبينما كنتُ أحدق بصمتٍ في النيران الزرقاء الباهرة فوق الأرض الترابية المتسخة، وهي تحول ذلك الجرح المؤلم في مسيرة الكاتبة إلى رماد….
ألقى شين، الذي كان يقف خلفي، سؤالاً مفاجئاً.
“لو كنتُ أنا الكاتبة إيفير، فهل ستحبينني إذاً؟”
“ها أنتَ تعود لتقول هراءً غريباً.”
“أجيبيني.”
“هاه….لو كان الأمر كذلك، فسيكون فظيعاً حقاً. من نواحٍ كثيرة.”
شعرتُ وكأن شين يقطع عليّ لحظة انغماسي في مشاعري، لذلك ألقيتُ تلك الكلمات بلا تفكير.
لكن حين أدرتُ رأسي بصعوبةٍ ونظرتُ إليه، وأنا ما زلتُ عاجزة عن نفض رماد التعلق العالق في قلبي….كان يحمل على وجهه أكبر قدرٍ من الخيبة والأسى رأيته عليه منذ عرفته.
خفض شين رأسه قليلاً ثم مر بجانبي. ولم يتمكن من إخفاء خيط اليأس الذي ارتسم في عينيه المظللتين.
خيبة؟ لا بد أنني أتخيل.
وما الذي قد يجعلكَ تشعر بالخيبة أصلاً؟
***
الآن لم يتبقَّ الكثير من الوقت الذي نستطيع فيه التغاضي عن وقاحة بعضنا بعضاً.
لم يعد هناك مجالٌ لاختيار الوسائل أو التردد.
حتى الأمور التي تعمدتُ استبعادها طوال هذا الوقت، حان موعد الإقدام عليها.
كان عليّ أن أبدأ بنفسي في التقرب من خدم شين دي أوريلنو ومعارفه المقربين واستجوابهم.
في البداية، كان خدم القصر أشخاصاً أقسموا الولاء لعائلة الماركيز أوريلنو، رغم أن نبتةً فاسدة منهم كادت تدمر حتى أساسات أسرة الفرسان العريقة.
وبالدقة، كان قسمهم موجهاً إلى أوريلنو باستثناء كيرون دي أوريلنو، المتسبب الرئيسي في كل ذلك.
على أي حال. لم يخطر ببالي قط أن أولئك الأوفياء، الذين صمدوا خلال تلك الحقبة المضرجة بالدماء وراهنوا حتى بأرواحهم على عائلةٍ تحطم شرفها، سيفشون لي أنا الغريبة أسرار سيدهم الخاصة بسهولة.
وكان زعيم شبكة معلومات وير يدرك ذلك جيداً، لذلك كان يتقصى أخبار شين بطرقٍ ملتوية.
“لم يعد هناك وقتٌ لهذا.”
عندما أحرق شين العمل الأول للكاتبة في ذلك الزقاق القذر….كنا نقف معاً نراقب النيران التي تخبو بصمت.
وفي النهاية، كنتُ أنا من فتحت الحديث أولاً.
كنتُ قد أعددتُ مسبقاً عذراً مثالياً، وهو مساعدتي لفلورا في التعرف إلى الحياة الثقافية في آيزار، لذلك أخبرته أنني سأنتقل في صباح اليوم التالي إلى القصر الكبير لعائلة أوريلنو وأمكث هناك عدة أيام.
وفي الحقيقة، كنتُ أنوي فعلاً الذهاب معها إلى المعرض، لذا لم يكن الأمر كذباً.
أما العمة سوزان فقد استرضيتها منذ وقتٍ طويل. وبالصدفة كانت لديها هي أيضاً التزاماتٌ بصفتها زوجة الفيكونت أدينا، لذلك لم تكن ستتمكن من الاهتمام بي لبضعة أيام.
اكتفى شين بهز رأسه وقبل خطتي بصمت.
وخلال ذلك، لم يبقَ من العمل الأول للكاتبة سوى بقايا محترقةٍ متناثرة على أرض الزقاق المتسخة.
لماذا بدا وجه شين، مع أنه ليس الكاتبة، وكأنه يجمع بين الارتياح والأسف في آن واحد؟
ظللتُ أفكر في معنى تلك النظرة حتى عجزتُ عن النوم.
تبقى ثمانية أيام. وبسبب الأرق، استيقظتُ مع الفجر واستعددتُ مبكراً.
وفي ذلك الصباح وصلتني رسالة. كانت رسالةً من إليو بيدلي، الممثل العظيم المستقبلي الخاص بي.
وأخيراً وصلني أول خطابٍ منه منذ التحاقه بالأكاديمية.
ولأن الوقت كان ضيقاً، أخذتُ الرسالة معي وصعدتُ إلى العربة.
كنتُ أنوي قراءتها أثناء الطريق، لكن بسبب السهر أخذتُ أغفو مراراً، وحين انتبهتُ وجدتُ نفسي قد وصلتُ بالفعل إلى القصر الكبير لعائلة أوريلنو.
وقبل أن أصل حتى إلى مدخل القصر، ركضت فلورا نحوي حافية القدمين متقدمةً على الخدم لاستقبالي.
“آنسة ريتا، أهلاً بكِ! أخبرني الماركيز أمس أنكِ ستمكثين عدة أيامٍ من أجلي، ولا تتصورين كم كان قلبي يخفق عندما سمعتُ ذلك!”
حالما رأيتُ ابتسامة فلورا المشرقة نسيتُ الرسالة التي أحضرتها تماماً.
‘معذرةً يا إليو. أظن أنني أخيراً على وشك أن أحصل على صديقةٍ تشاركني هوسي.’
انحنى الخادم الذي أصبح مألوفاً لي بعد عدة لقاءات، مبتسماً بود.
“مرحباً بعودتكِ، آنسة دوقية لُوار. سنتولى نقل أمتعتكِ.”
حتى خدم عائلة أوريلنو باتوا يرحبون بي الآن وكأن وجودي أمرٌ طبيعي.
وكانت الخادمات اللواتي يمازحنني قائلات أنهن اشتقن لرؤيتي، مع محافظتهن على مسافةٍ مناسبة من الاحترام، يسعدنني أيضاً.
ولم أتذكر رسالة إليو التي نسيتها مؤقتاً إلا بعد أن تناولتُ الطعام مع فلورا في قاعة الطعام الخالية من شين، بينما كنتُ أقضي فترة ما بعد الظهر بهدوءٍ في انتظار انتهاء فلورا من درس آداب آيزار مع معلمتها الخاصة.
أما الخدم الذين أحضرتهم معي من الملحق الخاص بعائلة لُوار فكانا اثنين فقط: تاشا و إيلين.
كانت إيلين، التي لم تجد شيئاً مريباً في مقر الفرسان خلال المرة السابقة، قد قررت استغلال الفرصة هذه المرة للبحث بهدوءٍ عما إذا كانت هناك مساحةٌ سرية داخل القصر.
وتركتها تفعل ما تشاء، ثم خرجتُ إلى الحديقة ومعي تاشا وإحدى خادمات عائلة أوريلنو، وأنا أحمل رسالة إليو في يدي.
قناة التلجرام: https://t.me/+PE6p5xi2s882MWJk
_______________________
خير وين شين يستقبلها غش
بعد يوم تعنزت على صدره تبكي غريبه ماضمها هذا مب شين حقنا الي كل ما لقى له فرصه استغلها😭
اما فلورا اذا تعبت وقت الطلعه لحد يستغرب ذي عين شين✨
Dana
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.