الفصل 64
دخلتُ شارعًا نائيًا وأنا ألهث وأتنفس بصعوبة.
وعندها فقط شعرتُ بشيءٍ من الاطمئنان، فاستدرتُ نحو شين وأنا أنوي أن أمطره بسيلٍ من التوبيخ.
لكن رؤيته واقفًا دون أن يلهث أو يتصبب منه عرقٌ واحد، على عكسي تمامًا، أثارت غضبي بلا سبب.
كيف يمكن لرجلٍ أن يبدو مثاليًا حتى في موقفٍ كهذا؟
حتى وهو يخلع قبعته ويمرر يده في شعره المبعثر بلا اكتراث، بدا كزهرة نرجس تنمو في الظل.
والأسوأ من ذلك أنه كان يبدو مرتاحًا ومنشرح الصدر إلى حدٍ ما، مما زاد من استيائي.
“ما هذا التعبير على وجهكَ؟”
كدتُ أختنق من الغيظ عندما رأيتُ ملامحه التي توحي بأنه لا يفهم حقًا ما أقصده.
“تبدو وكأنكَ تخلصتَ للتو من ضيقٍ كان يخنقكَ. لا تقل لي أن الجري جعلكَ تُفرغ غضبكَ من هذا الكتاب؟”
“….…”
“هيا. تكلم.”
ضممتُ الكتاب المحترق جزئيًا والمبلل بالشاي إلى صدري وحدقتُ فيه.
“اشرح ما فعلته قبل قليل.”
لكن شين ظل صامتًا.
‘أنا أعرف جيدًا أنكَ شديد الفطنة في الأمور التي لا داعي لها. لذا تكلم بسرعة.’
“هل كان حديثي المستمر عن الكاتبة إيفير يزعجكَ إلى هذا الحد؟”
“نعم.”
وأخيرًا، فتح شين فمه الثمين.
“لم أستطع استيعاب كيف تستطيع الآنسة ريتا أن تصرف نظرها عن شابٍ وسيمٍ مثلي وتنشغل بشخصٍ آخر.”
تباً.
شتمته في داخلي فورًا.
فابتسم شين ابتسامةً خفيفة، وكأنه قرأ أفكاري، ثم رفع خصلةً من شعري جانبًا.
“أنتِ تشتمينني في سركِ الآن، أليس كذلك؟”
“أنتَ تعرف ذلك جيدًا.”
“الغريب أنني أحب الأمر عندما تشتمينني.”
“هل أنتَ منحرف؟ آه، صحيح….أنتَ منحرفٌ فعلًا.”
“لكن رغم أنني أحب الآنسة ريتا وهي تعاملني بخشونة، إلا أنني أحبها أكثر حين تهتم بي….إلى درجةٍ أشعر معها أن قلبي قد ينفجر دون أن ألاحظ.”
الشخص الذي كان يخفي مشاعره بإحكامٍ قبل لحظات بدأ فجأة يهاجمني بكلماتٍ مباشرة.
“أهتم بكَ؟ متى فعلتُ أنا.…”
“قبل قليل، عندما أمسكتِ يدي وتأكدتِ إن كنتُ قد أصبتُ بحرق.”
ذلك الصوت العذب أجبرني على التراجع خطوةً إلى الخلف. ولم أنتبه إلا عندما اصطدم ظهري بالجدار.
“لقد قلقتِ من احتمال أن أكون قد تعرضتُ لحرق.”
وضع شين إحدى يديه على الجدار الخشن واقترب مني أكثر.
في زقاقٍ مظلم. حتى في هذا الممر الخالي من المارة، كانت نسمات الصيف الفاترة تهب برائحةٍ خفيفة.
وخلف خصلات شعره المبعثرة، كانت عيناه الخضراوان الفاتحتان ممتلئتين بي وحدي.
“آه!”
أطلقتُ صوتًا قصيرًا عندما شعرتُ بالكتاب ينزلق من بين ذراعي. فقد انتهز شين الفرصة وانتزعه مني، ثم تراجع وهو يبتسم ابتسامةً واسعة،
“جربتُ أن أستخدم سحر الوسامة قليلًا. ويبدو أنه نجح أخيرًا مع الآنسة ريتا. هذا يعني أن كل الجهود التي بذلتها لأكسب ودكِ بدأت تؤتي ثمارها.…”
في موقفٍ كهذا ما زال قادرًا على قول شيءٍ كهذا؟
اشتعل غضبي فورًا. فدعستُ على حذائه بقوة، ثم دفعتُ صدره الصلب بكتفيّ بعنف.
بدا وكأنه فوجئ حقًا، فتأرجح جسده الضخم قليلًا. وفي اللحظة التي فقد فيها توازنه، انتزعتُ الكتاب من يده.
ثم وضعتُ يدي على صدره الصلب لأمنعه من الاقتراب أكثر و تحدّثتُ بحدة،
“إذا ساءت الأمور، فأتمنى أن تقنع ذلك الأستاذ أيضًا بسحر وسامتكَ بعدما يكتشف أنكَ تنتحل صفة طالبٍ في الجامعة الملكية. سيكون هذا ممتعًا حقًا.”
حبستً غضبي بصعوبةٍ وحاولتُ أن أتكلم بأكبر قدرٍ من الهدوء،
“من يتصرف بهذه الطريقة مع الشخص الذي يحبه؟ بأي حقٍ تحرق الكتاب الذي اشتريته أنا بهذه الوقاحة؟ حتى وريث العائلة المالكة لا يحق له أن يعاملني هكذا. اعتذر فورًا.”
لقد تجاوز هذا الرجل قبل قليلٍ كل الحدود التي أستطيع تفهمها.
“وإن لم تفعل، فبعد أن تنتهي قضية الكاتبة إيفير، لن أراكَ مجددًا أبدًا. وسأذهب إلى أبي وأشوه سمعتكَ بكل أنواع الأكاذيب الممكنة. وسأحرص على ألا يُسمح لأي شخصِ يرث لقب الماركيز أوريلنو أن يطأ أراضي عائلة لوار إلى الأبد!”
اتسعت عينا شين على نحوٍ واضح.
هل لأنه لم يتخيل ولو مرةً واحدة أن أكون حازمةً إلى هذه الدرجة؟ أم لأنه، كرجلٍ حساسٍ يهتم كثيرًا بما يفكر به الآخرون….هو الذي ترك حديقة قصره، واجهة العائلة، مهملةً على تلك الحال.
“….لا بد أنكَ تعبتَ كثيرًا وأنت تعتني بحديقة عائلة أوريلنو.”
ومن دون أن أشعر، بدأتُ أتمتم بأحد تصرفات شين التي لم أفهمها طوال هذا الوقت.
“لابد أنكَ أنفقت مالًا لا بأس به لتزيين تلك الحديقة التي قد لا تطأها قدماي مرةً أخرى أبدًا بعد بضعة أيام، فقط لأنكَ كنتَ واعيًا لوجودي رغم أن لقاءنا لم يكن سوى لقاءٍ قصير. مع أنكَ لم تفعل ذلك حتى عندما جاءت فلورا بريين، وهي قريبتكَ.”
هل أتخيل الأمر فقط؟ أم أن نبضات قلبه المتسارعة خلف قميصه الرقيق بدأت تزداد سرعةً أكثر؟
“لا بد أنكَ أرهقتَ نفسكَ وأنتَ تفعل شيئًا لم تعتد عليه. وبما أن العمة سوزان كانت موجودةً أيضًا، فلا بد أنكَ شعرتَ بشيءٍ من الرضا عن جهودكَ.”
بدأت عينا شين تهتزان بعنف، وكأنهما تسألان: كيف عرفتِ ذلك؟
ولم يقتصر الأمر على هذا، بل احمرّ وجهه بالكامل إلى درجةٍ لم تمنحه فرصةً لإخفاء ارتباكه. تمامًا كما حدث يوم تشاجرنا أمام النافورة المهملة.
“لماذا تتصرف بخجلٍ هكذا؟ يبدو أنكَ لم تدرك إلا متأخرًا أنكَ عرضتَ عليّ تلك الحديقة المهملة التي كانت أشبه بمكب نفاياتٍ ولم تكترث لها من قبل. أعتقد أنكَ حقًا تحبني.”
غطى شين وجهه بإحدى يديه وكأنه لم يعد قادرًا على الاحتمال، ثم استدار عني بسرعة.
ورأيتُ في ذلك فرصةً مناسبة فواصلتُ توبيخه بحماس،
“إذا كنتَ تحب شخصًا فعليكَ أن تهتم به! لا أن تعذبه أو تتعلق به بشكلٍ مَرضي! إذا استمررتَ هكذا فسوف ينتهي بنا الحال جميعًا ممزقين مثل هذا الكتاب، وسنتجه نحو أسوأ علاقةٍ ممكنة. ولصالح من سيكون ذلك؟!”
ما الذي أثار غضبه فجأة؟ فقد استدار شين بعنفٍ واقترب مني حتى أصبح أمام وجهي مباشرة.
وكانت ملامحه الغاضبة تحمل حزمًا غريبًا وثقيلًا لم أره من قبل.
“لصالح من؟ على أي حال، بعد انقضاء الأيام العشرة لن يبقى بيننا شيءٌ أصلًا.”
“لكن….”
“أنا لم ألمس الآنسة ريتا يومًا بطريقةٍ غير لائقة جسديًا. كنتُ دائمًا أتصرف بعد الحصول على إذنكِ….حسنًا، باستثناء ذلك اليوم.”
هل يقصد ما حدث عند النافورة؟
“هل هددتُ سلامتكِ الشخصية يومًا؟ هل فعلتُ ذلك؟ صحيحٌ أنني استخدمتُ الكاتبة إيفير كورقة ضغط، لكنني لم أطلب منكِ شيئًا غير عقلاني بشكلٍ مباشر. أليس هذا صحيحًا؟”
التوت ملامحه حول عينيه بألمٍ واضح.
وكانت الكلمات التي خرجت منه وكأنه لم يعد قادرًا على كبتها تكشف مشاعره الحقيقية المرتجفة بوضوح.
“مجيئكِ إلى قصر أوريلنو وطلبي منكِ أن تهتمي بي؟ إعطاؤكِ الهدايا وطلبي منكِ أن تحبيني؟ حتى تلك الاعترافات….هل شعرتِ بأنها نوعٌ من التعذيب؟ هل كانت مقززةً إلى هذا الحد؟”
لقد أربكني شين وهو يُفرغ مشاعره بهذه الطريقة، فلم أستطع أن أنطق بكلمة.
كل ما استطعتُ فعله هو التحديق فيه. فنظر إليّ من علٍ، وارتسمت على شفتيه ابتسامةٌ ساخرة من نفسه.
مسح تلك الابتسامة بظاهر يده، ثم أخذ نفسًا عميقًا.
وبعد أن جلد مشاعره وكبحها بالقوة، تحدث بصوتٍ هادئ وبارد بعد أن استعاد سيطرته على نفسه.
“هناك سببٌ وجيه لإحراق هذا الكتاب الذي أصبح ملكًا للآنسة ريتا. سببٌ منطقيٌ جدًا، بل ويمكن اعتباره عملًا نبيلًا ينقذ شخصًا ما من أكثر ماضٍ أسود.”
كلمة “الماضي الأسود” هذه كانت من الكلمات التي علمته إياها أنا.
ويبدو أن شين أعجب بطريقة نطقها، لذلك كان يستخدمها أمامي بين الحين والآخر.
“أعطيني الكتاب. وعندها سأمنحك إجابةً مرضية عن الشك الذي راودكِ بشأنه قبل قليل.”
“وإلى أي درجةٍ ستكون مرضية؟”
“إلى درجةٍ تجعل قلبكِ يفيض حماسًا، أنتِ التي تعتبرين نفسكِ معجبةً مخلصة بأحد الكتّاب.”
هذا الرجل قد يخفي الحقائق المتعلقة بالكاتبة، لكنه لم يكذب عليّ قط. على الأقل حتى الآن.
فكرتُ بأقصى سرعةٍ ممكنة. فالكتاب لم يعد قابلًا للقراءة أصلًا بعد أن تلفت صفحاته الداخلية.
وكان واضحًا بمجرد النظر إليه أن ترميمه مستحيل. لذلك ربما يكون تسليمه له والحصول على الإجابة أفضل بكثير.
وبعد أن حسمتُ أمري سريعًا، أخرجتُ الكتاب البائس الذي كنتُ أخفيه خلف ظهري ومددته نحوه.
أخذ شين الكتاب ببطء، ثم أطلق زفرةً طويلة من أعماق صدره،
“هاه….هذا الكتاب هو أول عمل نُشر بشكلٍ غير رسمي للكاتبة شيل إيفير.”
ماذا يقول هذا؟
نظرتُ ببطءٍ بين شين والرواية نصف المحترقة. ثم عدتُ أنظر إليهما مجددًا.
راقب شين ملامح عدم التصديق الظاهرة على وجهي بوضوح، ثم أطلق تنهيدةً أخرى وهمس،
“لقد كانت طبعةً أولى محدودة جدًا. في ذلك الوقت كانت مجرد تجربةٍ لمعرفة ما إذا كان يمكن تحويل النص إلى كتاب. بل إن هذا كان قبل أن يُبتكر اسم “شيل إيفير” المستعار أصلًا.”
ثم فتح صفحات الكتاب وأراني توقيعًا لم أكن قد انتبهتُ إليه من قبل.
______________________
طيب اعترف اني تحمست حسبتهم بيتهاوشون يمه واو
المهم شين عصب لحظها بس انا عارفه ذاه الي خذت مشاعره فصل مستحيل يعصب عليها الفصل الجاي بيتبكبك😭😭😭😭
اهخ متى ريتا تعترف
Dana
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.