الفصل 59
كنتُ أعلم جيدًا من ميلي إنسينت، منظمة هذا النادي القرائي، أن هناك نبلاء آخرين غيري يشاركون في هذه اللقاءات.
لكن بما أن الجميع كانوا يستخدمون أسماء مستعارة ليستمتعوا بهوايتهم معًا، فلم أرغب في أن أكون الوحيدة التي تكشف بلا مبالاةٍ عن كونها آنسة دوقية.
ولهذا السبب، عندما رأتني سوزان لأول مرةٍ متنكرةٌ كعامية، اكتفت بالنظر إليّ بنظرة استسلام وكأنها تقول: ما دمتِ سعيدة فلا بأس.
أما تاشا فقد ترجتني على الأقل أن أحمل معي منديلًا فاخرًا، لكن بما أنني قررتُ التنكر، أردت الالتزام بالفكرة حتى النهاية.
كان المقهى الذي تُقام فيه الاجتماعات مبنى من طابقين، وكانت غرفة الطابق الثاني تُحجز مسبقًا، لذا كنتُ أذكر اسم منظمة اللقاء عند المنضدة لأتلقى الإرشاد إلى الغرفة.
في أعلى المبنى المبني من الطوب الأحمر عند زاوية التقاطع، كانت توجد دوارة رياحٍ حديدية على شكل شمس، صدئت بفعل الرياح والأمطار.
ونوافذ خشبية دافئة الألوان تُفتح وتُغلق.
وأمام الطابق الأول كانت هناك طاولتان أو ثلاث، ليجلس الزبائن قليلًا ويطالعوا الصحف….لكنها اختفت.
كل ذلك اختفى.
المكان الذي كان يجب أن يوجد فيه المقهى كان فارغًا تمامًا، بينما كان العمال يزيلون ما تبقى من الأنقاض.
ما هذا بحق؟
من شدة الصدمة، فتحتُ فمي على اتساعه وتمسكتُ بحزام حقيبة تاشا بقوةٍ بينما أتقدم مترنحةً نحو المكان.
وفي تلك اللحظة لمحتُ صاحب المقهى يقف على الجانب الآخر من الشارع يراقب المشهد، فركضتُ نحوه وسألته،
“مرحبًا! لقد كان لدي حجزٌ اليوم لغرفة الطابق الثاني باسم السيدة ميلي إنسينت.”
نظر إليّ الرجل النحيل متوسط العمر بوجهٍ مشرق على نحوٍ غريب رغم أن مبناه قد تهدم بالكامل، ثم أشار إلى مكان المقهى السابق،
“ذلك المقهى انهار، ولم نعد نعمل بعد الآن.”
“كيف حدث هذا؟!”
اتضح أن عربة نقلٍ اندفعت فجأة واصطدمت بالمبنى، فدمرت الطابق الأول بالكامل.
لكن هل ينبغي اعتبار ذلك حظًا وسط المصيبة؟
فقد كان مالك القافلة التجارية ثريًا للغاية، ويبدو أنه لم يرغب في انتشار الأحاديث حول الحادث، لذلك دفع تعويضًا يكفي لبناء المبنى من جديدٍ وأكثر.
“رغم أن إجراءات الأمر مزعجةٌ بعض الشيء، فإنني أفكر في استغلال الفرصة والسفر إلى منتجعٍ للاستراحة.”
“هل حصلتَ على تعويضٍ بهذا الحجم فعلًا؟”
“حسنًا، أنا نفسي كنتُ مرهقًا مؤخرًا، لذا انتهى الأمر بشكلٍ جيدٍ بالنسبة لي. على أي حال، خذي هذا. الآنسة ميلي إنسينت تركت إعلانًا يفيد بتأجيل الاجتماع إلى الشهر المقبل.”
تفحصتُ الإعلان الذي سلمنيه صاحب المقهى، ثم دونتُ موعد اللقاء الجديد ومكانه في دفتر ملاحظاتي.
وبعد أن ودعته واستدرتُ للمغادرة….أُلغي الموعد، ولم يعد لدي ما أفعله.
‘كنتُ أريد رؤية الآنسة إميرالد.’
كنت أريد إعادة قراءة قصة المعجبين التي كتبتها الآنسة إميرالد. فتنهدتُ تلقائيًا.
وبما أنني تكبدت عناء التنكر، فقد بدا من المؤسف أن أعود مباشرة.
فعلى الأقل في هذه اللحظة، كنتُ أستطيع أن أنسى هويتي كأميرةٍ دوقية وأتجول بحريةٍ في الشوارع.
كما أن الفرسان المكلفين بحمايتي كانوا منتشرين في الجوار متنكرين أيضًا.
فهل أذهب في جولةٍ إلى الجامعة الملكية؟
‘حسنًا. لأتخلص من هذا الشعور المعقد ولو قليلًا، فلأذهب وأمارس هوايتي المفضلة.’
وبالنسبة لي، التي لم أفعل في العاصمة سوى التردد باستمرار على مسرح سافرانيت، كانت تلك جولةً مختلفة تمامًا.
جولةٌ في الأماكن التي تشبه خلفية رواية الكاتبة إيفير الأولى “يوميات المدرسة الخاصة”، ها أنا قادمة!
وهكذا بدأتُ أسير، متأكدةً بين الحين والآخر من أن الحراس ما زالوا يتبعونني، وأسأل المارة عن الطريق في الشوارع المجهولة.
كانت المدينة غارقةً تمامًا في أجواء الصيف.
ظهرت سيداتٌ وفتيات يرتدين فساتين تكشف الأكتاف والذراعين قدر الإمكان، ويتجولن في الشوارع النظيفة بقبعات بيضاء ومظلاتٌ شمسية.
ورجالٌ خلعوا حتى ستراتهم الخفيفة ورفعوا أكمام قمصانهم إلى الساعدين، يلوحون باللافتات لجذب الزبائن.
أطفالٌ يركضون وهم يحملون الحلوى ويرتدون ملابس مغطاة بالغبار.
وباعةٌ متجولون يبيعون فواكه الموسم مثل الكمثرى الصيفية.
وضجيج العربات المارة يختلط بالصياح من كل جانب.
حتى هذا المشهد بدا جديدًا وممتعًا بالنسبة لي.
وصلتُ إلى شارع المكتبات المستعملة الثاني في سيين، بالقرب من جامعة آيزار الملكية.
وأثناء تجولي في الأزقة قليلًا، شعرتُ بحماسٍ كبير عندما رأيتُ طلابًا في مثل سني.
فأنا أيضًا كنت طالبةً مثلهم يومًا ما.
“أيتها الآنسة ذات الشعر البني الفاتح التي تبدو متفرغة.”
ناداني شخصٌ من الخلف.
“لقد أُلغيت إحدى محاضراتي فجأة، لذلك.…”
ضاعت بقية الكلمات وسط الزحام.
لكنني، بصفتي شخصًا انتقل إلى هذا العالم، أسرعتُ في خطواتي تلقائيًا مبتعدةً عن الغريب الذي يحاول استدراجي بالكلام. فلا بد أنه تاجرٌ أو دجال.
“….أنا آسف. منطقكِ القائل: “لأنه أحمق، فهذا حب”، كان صحيحًا.”
عند هذه الجملة، لم يعد من الممكن أن أجهل هوية المتحدث.
“حاولتُ أن أُجادل، لكنني خسرتُ. ولأقدم اعتذاري، أود أن أتناول الطعام معكِ وأرتكب بعض الحماقات معكِ أيضًا.”
استدرتُ ببطءٍ نحو الشخص الذي، رغم كل ما مر بيننا في وقتٍ قصير ورغم أننا رأينا أسوأ ما في بعضنا، ما زال قادرًا على جعل قلبي يخفق بقوة.
وما إن رأيتُ شين واقفًا بذلك المظهر الغريب حتى شهقتُ من الصدمة وسحبته مباشرةً إلى داخل أقرب مكتبةٍ للكتب المستعملة.
“تعجبني ردة فعلكِ العنيفة هذه، لكن المكان.…”
“لماذا أنتَ هنا بهذه الهيئة؟!”
كان شين جادًا في تنكره إلى درجةٍ توحي بأنه عقد العزم على الذوبان تمامًا بين الناس في الشارع.
ارتدى قميصًا أبيض من قماشٍ خفيفٍ يناسب الصيف، وربطة عنقٍ حمراء مفكوكة قليلًا عند العنق.
وعلى أطراف أكمام بدلته الكتانية الفاتحة التي خلعها وحملها بيده، لطخاتٌ من الحبر الأسود.
وكانت حقيبة مستنداتٍ مستطيلة معلقة بحزام جلدي على كتفه، تحمل في زاويتها العلوية ختم الجامعة الملكية.
كما انتعل حذاءً يبدو عليه آثار الاستعمال من اهتراء كعبيه، ووضع على رأسه قبعةً منخفضة الحافة سحبها إلى الأسفل.
وفي تلك اللحظة مر شابان خارج النافذة، بديا كطالبين من الجامعة الملكية ويرتديان ملابس مشابهة لملابسه، فارتجفتُ من الدهشة.
“ما المقصود بهذه الهيئة؟ أي شخصٍ سيرى أنكِ منسجمةٌ معي تمامًا.”
قال شين ذلك وهو يعدل الوشاح الأزرق الداكن المزدان بالدانتيل والملفوف حول رأسي.
أنا، التي ارتديتُ ملابس بسيطة لامرأةٍ من عامة الشعب بمساعدة تاشا. وشين، الذي بدا أنيقًا ببدلةٍ مرتبة تشبه ملابس طلاب الجامعة الملكية.
وكما قال، كنا مجرد شابٍ وفتاة يندمجان وسط زحام سكان المدينة المنشغلين.
في الحقيقة، بدا شين الآن أقرب إلى عمره الحقيقي من المعتاد. فغالبًا ما كان يكشف جبهته الأنيقة، أما الآن فقد انسدل شعره بحريةٍ فوقها، مما جعله يبدو أصغر سنًا.
لحظة….ألا يمكن أن تكون مثل هذه التنكرات أحد الأسباب الشائعات التي تقول أنه لا يخرج كثيرًا؟
ضيقتُ عينيّ دون أن أخفي شكوكي وسألته،
“أيها الطالـب. ماذا تفعل هنا؟”
“التقينا صدفة.”
“وأنتَ ترتدي هذا الزي الغريب؟”
تنهد شين وهو يحدق بي، ثم أسند كتفه إلى رف الكتب وعقد ذراعيه.
“غريب؟ هذا تنكرٌ له أسبابه.”
“وما هي أسبابه؟”
“تنكرٌ لألتقي بالفتاة التي أحبها مصادفةً وأكسب رضاها.”
“هل التظاهر بأنكَ طالبٌ جامعي سيجعلني أُعجب بكَ؟”
لم تكد الفكرة تخطر ببالي حتى نظرتُ إليه باشمئزازٍ واضح،
“أظن أنني أوضحتُ لكَ أنني لا أميل عمدًا إلى الرجال الأصغر سنًا.”
“أعرف ذلك جيدًا. لكن أليس من حقي أن أُظهر لكِ جهودي لأترك انطباعًا جيدًا عندما تسنح الفرصة؟”
“ومع ذلك، لن يجعلكَ هذا أصغر سنًا.”
ثم اقترب شين وهمس عند أذني،
“الآن لستُ شين، بل “ماكسيميليان”.”
لكنه اسم سكرتيركَ!
غطيتُ أذني بيدي وأنا أحدق فيه بصمتٍ بعدما داعبتها أنفاسه.
وتجاهل شين نظراتي الحادة تمامًا، وأخذ يمرر أطراف أصابعه الطويلة فوق الكتب المكدسة كالجبال داخل المكتبة المستعملة وهو يتمتم بلا مبالاة،
“أتمنى لو أنكِ واقعةٌ في حبي بقدر تعلقكِ بالكاتبة إيفير.”
“أنتَ تحلم حلمًا مستحيلًا.”
قطعتُ هراءه بحزمٍ وانتقلتُ مباشرةً إلى الرف المجاور.
نعم. إنه حلمٌ مستحيل.
‘أن يعلّق شخصٌ مثلكَ آمالًا كهذه على امرأةٍ قررت أن تنبش وراء أسراركَ بكل ما أوتيت من قوة.…’
حتى لو شعرتُ بانجذابٍ عاطفيٍ نحوكَ، فكيف يمكن لعلاقةٍ بيننا أن تتطور في ظل احتمال تورطكَ بشكلٍ إجرامي مع الكاتبة إيفير؟
‘في الواقع، هناك أشياء كثيرة لا يستطيع الحب حلها.’
وبينما كانت هذه الأفكار المريرة تدور في رأسي، تظاهرتُ بالانشغال بكتبٍ مغبرة مصطفة على الرفوف.
بل إنني بالأمس، فور عودتي من قصر الماركيز و وصولي إلى الملحق التابع لدوقية لوار، استدعيتُ سكرتيري داميان.
ثم أبلغتُ دائرة الضرائب الملكية سرًا بأن لدي شكوكًا حول ما إذا كانت دار نشر إيموس والمطبعة المسجلتان باسم شين تدفعان الضرائب المستحقة عليهما كما ينبغي.
_____________________
بلغت عليه😭 لو انهارت الماركيزيه اعرفوا البلا من ورا ريتا و شين الي يدري وساكت لأنه مستانس
بس صدق وش جابه فجأه ادري اني مستانسه على جيته الحين كأنهم طالعين سوا وموعد وكذا بس ليه طالبب!
المهم يله امسك يدعا وتمشوا سوا🔫
Dana
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.