مساحة للحكاية، ووقت لك← كاتبتي المفضلة محتجزة في قصر الماركيز
الفصل 58نحو 8 دقائق قراءة
مساحتك الخاصة

أدوات القراءة

حجم النصاختر الحجم الأنسب لعينيك
18
معاينة مباشرة للخط

لكل صفحة حكاية، ولكل قارئ عالمه.

لون يناسب لحظتك

أي أجواء تفضّل للحكاية؟

مظاهر هادئة للنهار والليل، أو ألوان تختارها بنفسك.

الفصل 58

تجمد لساني من شدة الارتباك ولم أستطع النطق بكلمة.

 

وعلى عكسي، كان شين يتحدث عن الماضي بهدوءٍ شديد لدرجةٍ جعلتني أشك في أنه يقول الحقيقة أصلًا.

 

“عندما كنتُ صغيرًا وأتجرأ على معارضة سيد عائلة أوريلنو السابق، كان يربيني عبر الاستماع إلى صرخاتٍ مروعة لتكون عبرةً لي.…كان يقول أن الصرخات قد تصبح أعلى تبعًا لتصرفاتي، وبهذه الطريقة كان يربيني كما يريد.”

 

“….…”

 

“أنتِ تعلمين من هو سيد عائلة أوريلنو السابق، أليس كذلك؟”

 

بالطبع أعلم.

 

لم أستطع الإجابة، واكتفيتُ بابتلاع ريقي بصعوبة.

 

ولعل شين سمع ذلك، إذ أطلق ضحكةً خافتة. أما أنا فلم أستطع أن أبتسم على الإطلاق.

 

لأنني فهمتُ أخيرًا سبب إصابته بفرط التنفس.

 

“لقد كان شخصًا حقيرًا.”

 

كان شعورًا غريبًا أن أشتم سيد عائلةٍ سابق لا يخصني، لكن أليس هذا هو الواقع؟

 

عضضتُ على أسناني بقوةٍ و تحدّثتُ وأنا أتفحص المكان الذي كان مسرحًا للتعذيب والإساءة،

 

“لهذا السبب….لا بد أن النزول إلى هذا القبو وحده كان صعبًا عليكَ. كيف عرفتَ أصلًا أنني هنا؟”

 

انتشر اعترافه بصوتٍ منخفض داخل السجن البارد.

 

“كيف يمكنني ألا أقلق بينما أنتِ موجودةٌ داخل هذا القصر؟”

 

ثم كشف شين المزيد من ماضيه على حين غرة.

 

“هذه أول مرةٍ أضع قدمي في هذا القبو منذ عشر سنوات.”

 

“يبدو أنكَ معجبٌ بي إلى درجةٍ دفعتكَ لدخول هذا السجن البغيض الذي يثير الاشمئزاز.”

 

ساد صمتٌ يحمل معنى الموافقة.

 

لم أتخيل يومًا أن هذا الرجل سيلاحقني بإصرارٍ إلى حد إلقاء نفسه وسط صدمته النفسية.

 

غارقةً في مشاعر معقدة، لم أفعل سوى التحديق في الشمعة التي كانت قطرات الشمع تنساب منها بهدوء.

 

ثم غيّر شين الموضوع.

 

“لم تعودي تطلبين مني أن أخبركِ المزيد عن الكاتبة إيفير.”

 

“لأنكَ لن تخبرني على أي حال.”

 

إنها ورقةٌ يجب أن يحتفظ بها ليتمكن من إبقائي إلى جانبه.

 

“إذًا كنتَ قريباً من الكاتبة إلى هذه الدرجة.”

 

لم يأتِ أي ردٍ على همسي الهادئ.

 

والآن فقط بدأتُ أفهم لماذا لم أجد شيئًا رغم كل التحريات التي أجريتها.

 

إن كان الأمر مرتبطًا بكايلرون دي أوريلنو، الماركيز السابق، فلا بد أنها أسرارٌ لا يستطيع أي طرفٍ ثالث التحدث عنها بسهولة.

 

“هاه….لنخرج أولًا.”

 

تنهد شين بعمقٍ وكأن روحه كلها خرجت مع الزفرة، ثم نهض واقفًا، فشعرتُ بفراغٍ غريب في حجري الخالي.

 

“لا أستطيع أن أسمح ببقاء الآنسة ريتا في مكانٍ كهذا طويلًا. لهذا جئتُ مسرعًا.”

 

نفض الغبار عن ركبتيه ومد يده نحوي.

 

ولأنه أدرك ما يدور في خاطري وأنا أحدق في تلك اليد المهذبة دون أن أمد يدي، ابتسم بمرارة،

 

“لن أتصرف بوقاحةٍ أبدًا قبل أن تسمحي لي بذلك. وحتى لو كنتِ وقحةً معي، فسأبقى هادئًا ككلبٍ وُضع في عنقه طوق.”

 

“لقد ارتكبتَ ما يكفي من الوقاحة بالفعل، فما الجديد؟”

 

كانت يده التي أمسكت بيدي باردةً تمامًا.

 

“صحيح. لقد كانت هناك بعض التصرفات الوقحة.”

 

وعندما قال جملته التالية، قبضتُ على يده الكبيرة بقوة حتى كادت تتحطم.

 

“….ولماذا الجزرة تحديدًا؟”

 

“إذاً كنتَ تعرف كل شيء!”

 

ضحك شين بخفةٍ على صراخي.

 

هل يضحك رغم أنه يعلم أنني على وشك الانفجار غضبًا؟

 

“أنا أحمل أعواد ثقاب.”

 

“ولهذا السبب أمسكتُ بيدكِ مسبقًا.”

 

“اتركني!”

 

“لا أريد. سأبقى ممسكًا بها قليلًا فقط. هذا المكان مظلمٌ وباردٌ ومخيفٌ جدًا.”

 

“لا يهمني إن كنتَ خائفًا أم لا!”

 

ارتد صدى صرختي في أنحاء السجن السفلي، وكأن المكان يستغرب وجود زوارٍ بعد كل هذا الزمن.

 

“حقًا؟”

 

“…….”

 

“أتقولين شيئًا قاسيًا كهذا بعد أن سقط هذا الشاب المسكين أمامكِ قبل قليل؟”

 

“هذا موضوع، وذاك موضوعٌ آخر.”

 

عبستُ بشدةٍ وأشرتُ بإصبعي السبابة إلى صدره بينما أضغط عليه عدة مرات.

 

“اشرح لي لماذا ينبغي أن أبقيكَ حيًا وبخير.”

 

“….أخاف أنه إذا أخبرتكِ بكل شيء، فلن أراكِ مجددًا أبدًا.”

 

“هل وضع الكاتبة خطيرٌ إلى هذه الدرجة؟”

 

“لا أستطيع الإجابة. والكاتبة نفسها لا تريد ذلك.”

 

“إذاً ما قصة تلك الجزرة التي أرسلتها أمس؟”

 

“من يدري.”

 

في وقتٍ ما، شدّ شين على يدي بقوةٍ هو الآخر. وبين التوتر والغضب، انتظرتُ إجابته.

 

“….حتى أنا لا أفهم ذلك الشعور.”

 

يا إلهي، كم هذا محبط!

 

ضربتُ صدري عدة مراتٍ وأنا أشكو من ذلك الشعور الخانق، وكأن حبة بطاطا حلوة عالقةٌ في حلقي.

 

“ما الذي تقوله أصلًا؟ ألا يمكنكَ أن تتحدث بصراحة ولو مرةً واحدة؟!”

 

“لا أستطيع. بل….أنا حقًا لا أستطيع.”

 

في ذلك الوقت لم أكن أعلم أن تلك الكلمات المرتجفة التي انتزعها بصعوبةٍ من أعماق قلبه كانت صادقةً تمامًا.

 

“بما أن الأمور وصلت إلى هذا الحد، أعتقد أن عليّ أن أوكل كل شيءٍ إلى القدر.”

 

“ولماذا تتحدث عن القدر فجأة؟!”

 

“ابحثي عن الكاتب في أنحاء هذا القصر.”

 

“ماذا؟”

 

“بصفتي مالك القصر، أمنحكِ الإذن رسميًا.”

 

شعرتُ وكأنني أختنق من كثرة الأحداث التي لم أجد لها تفسيرًا.

 

أما الحرارة المتصاعدة إلى رأسي فلم تهدأ، حتى خُيّل إليّ أنني قد أصاب بالصلع من شدة التوتر.

 

“عشرة أيام. بدءًا من اليوم بعد منتصف الليل، لديكِ عشرة أيامٍ للبحث في أنحاء القصر قبل أن تغيّر الكاتبة رأيها. بعد ذلك، حتى لو صدر أمرٌ مباشر من جلالة الملك، فلن أسمح لأحدٍ بالتسلل سرًا إلى قصر أوريلنو.”

 

ولم أدرك أن شين قال ذلك دون أدنى أثرٍ للابتسام إلا عندما عدتُ متثاقلةً إلى غرفة الضيوف، ونفضتُ الغبار عن نفسي بشكلٍ عابر ثم ارتميتُ على السرير.

 

***

 

في ذلك السجن البارد، كان شخصٌ ما يصرخ مذعورًا.

 

ورأيتُ طفلًا يُجبر على الاستماع إلى تلك الصرخات. وحين اقتربتُ أكثر، أدركتُ أنه شين الصغير.

 

كان يقف هناك بشعره الأشقر المألوف ووجهه الشاحب، عاجزًا حتى عن الهرب.

 

أردتُ أن أحرق هذا القصر اللعين عن آخره.

 

أردتُ أن أحطم قفل القضبان بمعول، ثم أهرب ممسكةً بيد شين الصغير وبيد عائلة الكاتبة إيفير.

 

لكنني لم أستطع. كل ما استطعتُ فعله هو الاستماع إلى تلك الصرخات المليئة بالألم معهم، عاجزةٌ تمامًا….

 

“آنستي، استيقظي!”

 

شهقتُ بقوةٍ عند سماع نداء تاشا، وقفز قلبي بعنف. و فتحت عيني بصعوبةٍ وأنا ألتقط أنفاسي.

 

“أعتقد أن الجو سيصبح حارًا جدًا ابتداءً من اليوم….آنستي، هل أنتِ بخير؟ انظري إلى هذا العرق البارد!”

 

كانت الخادمات المألوفات يفتحن الستائر على عجل ويجهزن الملابس. أما تاشا فأخذت تذكرني ببرنامج اليوم المهم بينما ما زلتُ أحاول استعادة وعيي.

 

“ما الأمر؟ هل رأيتِ كابوسًا؟”

 

“أجل….نوعًا ما.”

 

“اليوم موعد نادي القراءة. حاولي أن تتحسّني معنوياتكِ.”

 

صحيح. اليوم هو موعد المشاركة في لقاء نادي القراءة الدوري.

 

كان ينبغي أن أكون متحمسةً للغاية، لكن حديثي في زنزانة قصر أوريلنو قبل يومٍ جعل قلبي مضطربًا على نحوٍ لا يوصف.

 

لقد طرح شين شرطًا لا يُصدق.

 

‘ماذا؟ عشرة أيام؟ والكاتبة هي من اقترحت ذلك أولًا؟ لا أصدق.’

 

ألهذا السبب يشعر بالخوف؟

 

هل كان يقصد أنه خائف لأنه يعلم جيدًا أنني إذا تجاوزت الخط الذي رسمه وقابلتُ الكاتبة واكتشفتُ الحقيقة، فسأرحل؟

 

لكن ما تلك الحقيقة أصلًا؟

 

عضضتُ شفتيّ دون أن أشعر.

 

‘لا أفهم مشاعر الكاتبة أيضًا، لكنني سأبذل كل ما أستطيع للعثور على أي أثرٍ لها أولًا.’

 

بهذا العزم تراجعتُ خطوةً إلى الوراء وغادرتُ قصر الماركيز أوريلنو.

 

وجود سوزان هناك لم يكن المشكلة الوحيدة، بل إنني لم أكن أطيق البقاء في المكان نفسه مع تلك القلادة المشؤومة التي كان من المفترض أن تصل إلى ماريسيلا.

 

مجرد رؤيتي لتلك القلادة كاد يضيف راية موتٍ جديدة إلى مصيري!

 

ارتجف جسدي من القشعريرة.

 

وكما فعلتُ في المرة السابقة، ارتديتُ ملابس استعرتها من تاشا، ثم أوقفتُ العربة في مكانٍ يبعد قليلًا عن المقهى القريب من شارع المكتبات المستعملة، وهو المكان الذي أُعلن عن انعقاد اللقاء فيه.

 

فتحت تاشا باب العربة نصف فتحةٍ و تحدُثت بوجهٍ مليءٍ بالقلق،

 

“آنستي، سأبقى هنا طوال الوقت، فإذا حدث أي شيءٍ فتعالي فورًا. لقد وضعتُ عددًا كبيرًا من الحراس في الجوار، فلا تقلقي كثيرًا!”

 

“بل أنتِ لا تقلقي. لقد كان الجو رائعًا في المرة الماضية، أليس كذلك؟”

 

ابتسمتُ لها ابتسامةً مشرقة وأجبتها بنبرةٍ واثقة لأطمئنها.

 

ثم انطلقتُ مسرعةً وأنا أمسك بحزام الحقيبة الجلدية البنية الداكنة التي استعرتها منها.

 

مجرد التفكير في التحدث مع الآنسة التي أصبحت الأقرب إلى سني والأكثر ألفةً لي في تلك اللقاءات، الآنسة “إميرالد” كما كانت تسمي نفسها، كان كافيًا لطرد كل تلك الأفكار المزعجة.

 

لكن ذلك لم يدم طويلًا. فما إن وصلتُ حتى حدّقتُ في الفراغ أمامي غير مصدقةٍ عينيّ.

 

كان هناك مقهى….لكنه اختفى!

 

____________________

 

شين شاله؟ ماظني يشيل شي تحبه الا اذا كان غيران😃

 

و يومه يقول خايف تروحين لادريتي قصده انه هو شخصياً الكاتبه؟ توء توء مره خايف من الواقع

 

المهم ليه طلعت لنادي القراية حسبتها بتدور من الحين😂

 

Dana

هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.

٠٪
مساحة القرّاء

حديث الفصل

شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.