الفصل 56
كانت ألواح الأرضية الخشبية القديمة في الممر تطلق صريرًا حادًا يشبه الصراخ كلما وطئتُ موضعًا خاطئًا.
ورغم أن هذا الطابق المخصص للضيوف كان خاليًا تمامًا باستثناء سوزان وخادمين من آل لوار، فإن إيقاظهم لن يجلب أي فائدة.
أما تاشا فقد طلبتُ منها مسبقًا أن تأتي للبحث عني إذا لم أعد قبل الفجر بقليل. وتذكرتُ وجهها القلق وهي تخشى أن يقع أي حادثٍ في أي لحظة.
حفرتُ ذلك الوجه في ذاكرتي، ثم بدأتُ أنا وإيلين ننزل بحذرٍ نحو الدرج المركزي في منزل غيرنا، متسللتين كفأرتين صغيرتين.
“إنه هناك.”
ولحسن الحظ، لم نصادف أحدًا طوال الطريق حتى وصلنا إلى بهو الطابق الأول.
أشارت إيلين إلى ممرين خلف صورةٍ ضخمة لأحد أسلاف الماركيز أوريلنو معلقةً على الجدار المركزي للبهو.
“اذهبي إلى اليسار يا آنسة. إذا تابعتِ السير مباشرةً فستجدين مدخلًا يؤدي إلى الطابق السفلي.”
“شكرًا لكِ. تابعي مهمتكِ بحذر، واحرصي ألا تصابي بأذى.”
أومأت إيلين برأسها بخفةٍ وكأنها تتمنى لي التوفيق، ثم اختفت بسرعةٍ داخل الظلام. كانت هذه المرة متجهةً لتفقد مقر الفرسان المغلق.
ولحسن الحظ لم تكن السماء تمطر كما حدث في المرة السابقة. بل إنها كانت ترتدي حذاءً أيضًا لأنها ستتحرك في الخارج.
‘أما أنا، فلأقم بما جئتُ من أجله.’
ابتلعتُ ريقي بصعوبة، ثم دفعتُ قدميّ المنتعلتين للنعال نحو الممر.
كانت الصورة العملاقة المعلقة في وسط البهو مخيفةً على نحوٍ غريب. بدا لي وكأن الماركيز السابق، بشعره الأشقر المشابه لشعر شين، يحدق بي من داخل الإطار.
فشعرتُ بقشعريرةٍ تسري في جسدي.
‘أعتذر….لكن لا بد أن أفتش هذا القصر.’
تنهدتُ بخفة، ثم وجّهتُ ضوء الشمعة الخافت نحو الممر الأيسر المقصود.
كان الظلام كثيفًا لدرجة أن المكان بدا وكأنه فم وحشٍ عملاق مفتوحٌ ينتظر ابتلاعي.
فابتلعتُ ريقي مرة أخرى.
حسنًا….لنرَ ما الذي سأجده وأنا أفتش منزل شخصٍ آخر.
***
كنتُ أمشي ببطءٍ شديد، محاوِلةً كتم صوت خطواتي قدر الإمكان.
ورغم أن قصر دوقية لوار الرئيسي كان هو الآخر عريقًا ويخفي آثار الزمن في زواياه، فإنه لم يكن مخيفًا إلى هذا الحد بسبب وجود الخدم والحراس في كل مكان.
أما هنا….فقد كان الهدوء مطبقًا لدرجةٍ جعلتني أتساءل إن كان جميع الخدم قد ذهبوا للنوم، أو حتى إن كان هناك حراسٌ أصلًا.
كان الصمت كثيفًا إلى درجة أنه لا يمكن سماع حتى وقع أقدام فأرٍ صغير.
‘الآن فهمتُ لماذا قالت إيلين ذلك.’
في هذه اللحظة، بدا وكأنني الشخص الوحيد المستيقظ داخل الطوابق الثلاثة الأولى التي يقضي فيها معظم أفراد عائلة الماركيز حياتهم اليومية.
وكلما تقدمتُ في ذلك الممر الخانق الخالي من النوافذ، مسترشدةً بضوء شمعةٍ صغيرة واحدة، ازداد العرق المتدفق من يديّ كالسيل.
وفجأة تذكرتُ أمرًا كنتُ قد نسيته. هذا القصر التعيس شهد في الماضي مذبحةً دامية.
‘ماذا لو ظهر شبح؟’
كان التفكير في ذلك أمرًا طبيعيًا.
وفي اللحظة نفسها، شعرتُ وكأن الخوف قد غمرني حتى أطراف شعري.
أرجوكَ، لا تظهر!
‘لكن إن ظهر فعلًا، فعليّ أن أسأله أين الكاتبة إيفير، لذا تماسكي!’
وبينما كنتُ أتبع مصدر البرودة المخيفة، وصلتُ أخيرًا إلى الباب الحديدي الثقيل الذي حدثتني عنه إيلين طوال الشتاء.
وكما أخبرتني، كان القفل مفتوحًا. قالت أنها تسللت أثناء استعداد الجميع للنوم وفتحته سرًا.
وتذكرتُ نصيحتها بأن أعيد إغلاقه عند الخروج ليبدو كل شيءٍ كما كان. لذلك نزعتُ القفل بحذرٍ و وضعته جانبًا.
حسنًا.
من هنا يبدأ الأمر الحقيقي.
نزلتُ الدرج الحجري الحلزوني البارد حتى النهاية، رغم أنني كنتُ أرتجف طوال الطريق.
استقبلتني رائحة الحديد الصدئة ورائحة الدم الخفيفة وظلامٌ أشد كثافة.
ولا أعلم بأي عقليةٍ وجدتُ نفسي أنزل إلى زنزانةٍ تحت أرضية منزل شخصٍ آخر، ثم أمد يدي المرتجفة بعنفٍ داخل القضبان الحديدية لأتحقق مما إذا كان هناك أحد.
حتى أن قطرات الشمع كانت تتناثر من شدة ارتجاف يدي.
“أيتها الكاتبة….هل أنتِ هنا؟”
ناديتُ بصوتٍ خافت. لكن لم يصلني أي رد.
هل يعقل أن الكاتبة تعرضت لسوء معاملةٍ شديد، وأُجبرت على الكتابة حتى انهارت من الإرهاق؟
أو أنها على وشك الموت جوعًا فلا تستطيع الرد؟
لا. لن أتحمل رؤية شيءٍ كهذا أبدًا.
سأفتش كل مكان!
وفي لحظة، تغلّب الغضب على الخوف. فبدأتُ أفتش جميع زنازن السجن السفلي، ذلك المكان القادر على احتجاز عشرين رجلًا بالغًا بسهولة.
“…….”
لكن لم يكن هناك أحد.
وعندما وصلتُ إلى آخر زنزانة مهجورةٌ تراكم عليها الغبار بسبب الإهمال، انهارت كل الأعصاب التي كانت تشد جسدي. فسقطتُ جالسةً على الأرض.
‘يا للراحة!’
على الأقل الكاتبة ليست هنا!
لا توجد أي آثارٍ تدل على إقامة أحد.
لا بقع دماء. ولا جثث.
في الحقيقة، كان هناك سببٌ آخر وراء هذا القلق الذي ملأ قلبي.
إنها الشائعات المتعلقة بشين. تلك الشائعات التي أخبرتني بها تاشا. الشائعات التي تزعم أنه مولعٌ برؤية الدماء، وأنه يحتجز الناس ويعذبهم.
ورغم أنني كنتُ أعلم أنها مجرد إشاعاتٍ بلا دليل….فإن إدراكي الآن أن جزءًا مني صدقها ولو قليلًا جعلني أشعر بحرجٍ شديد.
‘وفي النهاية….أنا أيضًا شخص ينجرف بسهولةٍ خلف ما يسمعه.’
كيف كان شعور شين وهو محاطٌ بأشخاصٍ يصدقون مثل هذه الشائعات ويرددونها؟
وكيف كان يتعامل مع الآخرين عندما يضطر للخروج إلى المجتمع؟
لا بد أنه كان وحيدًا إلى حدٍ مرعب.
وفي تلك اللحظة، وصل إلى أذني أخيرًا صوت خطواتٍ تهبط الدرج الحجري.
قفزتُ مذعورةً بقدميّ وأطفأت الشمعة فورًا.
‘لا بأس، فما زالت علبة الثقاب معي.’
وللاحتياط، تسللتُ عبر باب القضبان المفتوح قليلًا واختبأتُ داخل إحدى الزنزانات….
لكن….
طَق-
صدر صوتٌ ميكانيكيٌ صغير وواضح يدل على انغلاق القفل.
وحمل ذلك الصوت معه شعورًا هائلًا بالشؤم.
يبدو أنني عندما دفعتُ الباب وأغلقته بشكلٍ عفوي، فتحركت آلية القفل.
في البداية لم أفكر إلا في شيءٍ واحد، ‘يجب ألا أُكتشف.’ لذلك انكمشتُ في زاوية الزنزانة وحبست أنفاسي.
خطوة-
خطوة-
كان الصوت يقترب عبر الدرج الحجري أسرع مما توقعتُ.
ثم ظهر نورٌ أزرق باهت.
هل يعقل أنه شبح؟ يا إلهي.
أيتها الكاتبة إيفير، أظن أنني سأسبقكِ إلى العالم الآخر. سأموت بسكتةٍ قلبية قبل أن أجدكِ.
أمسكتُ القضبان الحديدية بكلتا يديّ المتعرقتين وأغلقتُ عينيّ بإحكام.
وإن متُّ….فسأصبح روحًا حارسةً لكِ وأجعل كل ما تفعلينه ينجح….
“….حقًا، لا يوجد شيءٌ لا تستطيعين فعله.”
رفعتُ رأسي فجأةً عند سماع ذلك الصوت المذهول وكأنه لا يصدق ما يراه.
كان صوتًا مليئًا بالاستسلام أكثر من الخوف.
وأمام الضوء الأزرق المنبعث من الشمعة، ظهر وجه شين بوضوح.
انزلقت يداي الملوثتان برائحة الحديد عن القضبان ببطء. ثم جلستُ على الأرض الباردة في ذهول.
“هل أنتَ شين دي أوريلنو بعد أن تحولتَ إلى شبح؟”
“على نحوٍ مدهش، ما زلتُ حيًا.”
“أفزعتني! لماذا لا تستخدم ثقابًا عاديًا مثل بقية الناس؟!”
“لأنني المستثمر في إنتاج هذا النوع من الثقاب، فجميع أفراد عائلة أوريلنو اعتادوا عليه بالفعل.”
أطلق صاحب القصر تنهيدةً طويلة وهو يمرر يده في شعره.
كان يرتدي قميص نومٍ مريحًا مع سروالٍ ونعال منزلي. بدا تمامًا كشخصٍ كان على وشك النوم قبل لحظات.
“ما الذي جاء بكَ إلى هنا؟”
“أليس هذا هي السؤال الذي ينبغي أن أطرحه على الآنسة ريتا؟”
ولأول مرة، حمل صوت شين الموجه إليّ نبرة انزعاجٍ واضحة.
“كنتُ أعلم أنكِ تفتشين القصر، لكنني لم أتوقع أنكِ ستقومين بذلك بنفسكِ.”
“عندما تقول الأمر بهذه الطريقة، لا أفهم حقًا ممَّ أنتَ غاضب.”
تمتمتُ وأنا أنهض مترنحة، و ما زلتُ أحاول تهدئة قلبي المذعور.
“يبدو كلامكَ وكأنكَ كنتَ تسمح لأتباعي بتفتيش القصر. لماذا؟”
“لأن ما يدور في رأس الآنسة ريتا لطيف.”
أجل، بالطبع. كأنني سأصدق ذلك.
فدخلتُ في صلب الموضوع مباشرة.
“هل يمكنكَ أن تصدق أنني تواصلتُ مع الكاتبة بطريقةٍ ما؟ لقد تلقيتُ إشارةً تدل على أنها ليست في وضعٍ آمن حاليًا، ولهذا جئتُ.”
حاولتُ هز الباب الحديدي. وكما توقعتُ، كان مقفلًا بإحكام.
كان الموقف غريبًا للغاية، لكنني اقتربتُ من شين عبر القضبان ونظرتُ إليه بجدية.
“أنتَ تعرف تقريبًا ما أعنيه بهذه الإشارة، أليس كذلك؟”
“لا أفهم حقًا لماذا تظنين ذلك.”
“ألم تكن تذهب إلى دار نشر إيموس وتأخذ الرسائل التي أرسلها للكاتبة بصفتي إحدى قارئاتها؟”
“الآنسة ريتا.”
رفع شين ذقنه ونظر إليّ بتعالٍ واضح.
وكان الضوء الأزرق المنعكس على وجهه يمنحه هالةً غامضة أكثر من المعتاد.
“أليس من الطبيعي أن يرغب المرء في معرفة كل شيءٍ عن الشخص الذي يحبه؟”
أردتُ أن أمسكه من ياقة ثيابه وأهزه بعنف. لكن القضبان الحديدية الصدئة أنقذت شين دي أوريلنو.
“ثم إن رسائل الآنسة ريتا كان يجب أن تصل إليّ أولًا.”
“بالطبع. لا شك أنكَ كنتَ ستقرأها قبل أن تسلمها للكاتبة.”
سخرتُ منه بوضوح، لكنه اكتفى بطرق شفتيه بإصبعه بخفة، ثم ألقى شرطًا كفيلًا بإفقاد أي إنسانٍ صوابه.
“الآنسة ريتا.”
“ماذا؟”
“إذا منحتِني قبلةً حقيقية هذه المرة.…”
توقف لحظةً قبل أن يُكمل بهدوء،
“….فسأفتح لكِ هذا الباب.”
______________________
انجن😭 مدري صدق ليه منزعج وانت مخليها تاخذ راحتها بس اقتح للبنت الباب بعدين غازل😭
المهم يضحكني وهو طول الوقت يستخدم الحوب في اي مبرر يسويه
اما ريتا صدق ياقوة قلبها وهي داخله لحالها بعد! ما الوم شين يوم وقع بسرعه😂
Dana
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.