الفصل 54
“لن أقبلها.”
خرج الرفض من فمي غريزيًا وكأنه رد فعلٍ دفاعي.
وفي لحظةٍ وجيزة، تصلبت ملامح شين قليلًا.
وبما أن حياتي بعد الانتقال إلى هذا العالم بدأت تتعرض للخطر، أعلنتُ رفضي دون ترددٍ أو نقاش.
“أنا لم أقل يومًا أنني سأقبل مشاعركَ يا شين. ومع ذلك أعددتَ مثل هذه الجوهرة لتكسب بها قلبي؟ هل تريدني أن أحمل عبء الضغط هذا حول عنقي؟”
تظاهرت عمتي بأنها تميل نحوي قليلًا، ثم قرصت ذراعي بخفة.
كانت توبخني بصمت، وكأنها تقول: كيف ترفضين بهذه القسوة هديةً من رجلٍ يحبكِ، بل ومن رجلٍ نال إعجاب عمتكِ سوزان أيضًا؟
أعرف ذلك يا عمتي. لكن هذه القلادة بالنسبة لي ليست سوى نحسٍ ولعنة!
ماذا لو سرقتُ الهدية التي كان من المفترض أن تحصل عليها بطلة الرواية الأصلية، ثم انقلبت الأحداث كلها بشكلٍ غريب؟
بل إن هذه القلادة تحديدًا هي التي وقعت الأميرة لاريسا، المتقمصة لشخصية ماريسيلا، في حبها من النظرة الأولى!
‘وماذا لو قابلتُ ماريسيلا بالصدفة وأنا أرتديها؟!’
كانت سلامة الكاتبة مهمة، لكن حياتي الحالية أصبحت في خطرٍ قبل ذلك.
هل ينبغي لي أن أهرب من هذا القصر فورًا؟
لا أعرف كيف فهم شين ترددي وعجزي عن التصرف. فقد ظل يحدق بي قليلًا، ثم أغلق صندوق القلادة بهدوء.
“يبدو أنني لم أراعِ موقف الآنسة ريتا كما ينبغي. لقد كنتُ قليل الاعتبار.”
وضع الصندوق على الطاولة دون أن يصدر صوتًا، ثم مد يده بخفةٍ وأمسك بيدي بينما لا يزال جاثيًا على ركبةٍ واحدة.
“لكنني، بوصفي رجلًا يحب الآنسة ريتا، أردتُ أن أهديكِ جوهرةً تحمل شيئًا من أنانيتي، حتى لا يجرؤ أي شخصٍ يطمع في جمالكِ على الاقتراب منكِ. ومع ذلك، أعلم أن هذا أيضًا كان مجرد رغبةٍ أنانية مني تجاهلت مشاعركِ.”
نظر إليّ شين بعينين تحملان مسحةً من الشفقة، ثم همس بصوتٍ ناعم يشبه نسيم الربيع، يذكّرني بالبارون تشيرن.
“في هذه الحالة، هل تسمحين لي على الأقل بأن أهديكِ قلادةً أبسط بمناسبة ميلادكِ؟”
وفي اللحظة نفسها، قبضت سوزان على ذراعي بقوةٍ خفية تحمل معنى واضحًا: لا ترفضي هذه المرة.
إذا رفضتُ حتى هذا، فسوف أتعرض لتأنيبٍ شديد. فالرفض المتكرر بدأ يتجاوز حدود اللباقة فعلًا.
“حـ….حسنًا.”
وافقتُ وأنا أشعر بمرارةٍ تملأ فمي.
فارتسمت على وجه شين ابتسامةٌ بيضاء ناصعة، كأن زهرة نرجس قد تفتّحت للتو. وبدا سعيدًا من أعماق قلبه.
“وأريد منكِ أيضًا أن تصنعي لي غلافًا لكتاب.”
خرج الطلب المفاجئ والبسيط لدرجة أنني شككتُ في سمعي.
“غلاف كتاب ماذا؟”
“رأيتُ الكتاب الذي أعطيته لفلورا. سمعتُ أنكِ منحتِها حتى غلاف الكتاب الذي صنعته بنفسكِ.”
“صحيح.”
“لقد شعرتُ بالغيرة من فلورا. أريد واحدًا أنا أيضًا. غلاف كتابٍ صنعته الآنسة ريتا بنفسها.”
“هذا كل شيء؟”
“نعم.”
كان يجيب بابتسامةٍ مشرقة جعلت الرفض مستحيلًا.
في الأصل، ما دام الأمر لا يتعلق بتلك القلادة المشؤومة، فكل شيءٍ آخر مقبولٌ بالنسبة لي. لذلك أومأتُ برأسي بسرعة.
بل يمكنني أن أصنع له عشرات الأغلفة إن أراد!
وفي الحال، بدأت العمة سوزان تتحدث بلا توقفٍ كالعاصفة. فاستغليتُ الفرصة وسحبتُ يدي بسرعةٍ من بين أصابع شين الكبيرة.
هاه….بهذا أكون قد قضيتُ على بوادر الأزمة المفاجئة.
‘يا للهول، لقد أخافني حقًا. كيف وصلت هذه القلادة إلى هنا أصلًا؟’
بينما كنتُ أمسح العرق البارد عن جبيني خفيةً عن الآخرين، لم أتمكن من فتح موضوع الكاتبة الذي جئتُ من أجله.
بل إنني، بعدما أدركتُ حقيقة مشاعري، أصبحتُ عاجزةً حتى عن النظر مباشرةً إلى شين دي أوريلنو.
الشخص الذي كنتُ أُلقي عليه النكات السخيفة دون تفكير….والشخص الذي كنتُ أكرهه بشدةٍ في الماضي….بدأ يظهر أمامي كرجلٍ جذاب.
***
ظننتُ أننا سنغادر اليوم كما جئنا، لكنني أنا والعمة سوزان انتهى بنا الأمر إلى قضاء ليلةٍ كاملة كضيفتين في منزل الماركيز أوريلنو.
وكانت هذه الخطة من تدبير عمتي المتعمد بالكامل. أو ربما كان هذا أفضل؟
رائع! انتظريني يا أستاذتي الكاتبة.
صحيحٌ أن قلبي اهتز قليلًا، لكن عزيمتي على إنقاذكِ لم تتغير.
“يا إلهي، انظري إلى الوقت. لقد تأخرنا كثيرًا، ولا أعلم إن كانت العربة ستتمكن من العثور على الطريق جيدًا.”
التقط شين فورًا المغزى الكامن خلف كلمات سوزان المتظاهرة بالقلق.
فسارع إلى تقديم الجواب الذي كانت تريده….والذي كان يريده هو أيضًا.
“بما أن الأمر انتهى إلى هذا الحد، فلتبقيا الليلة هنا كضيفتين، سيدتي.”
“هوهو، أخشى أن نكون بذلك قد أثقلنا عليكَ دون حياء.”
“امنحيني شرف استضافة الآنسة ريتا التي أحبها، والسيدة أدينا، الوصية الجميلة على ريتا، في هذا القصر.”
بعد أن اصطحبوني إلى غرفة الضيوف المخصصة لي، كنتُ مستلقيةً على الأريكة أستريح بعد أن استنزفتني الأحداث نفسيًا، حينها جاءت فلورا بريين لزيارتي.
استقبلتني فلورا بريين بوجهٍ أكثر إشراقًا مما كانت عليه في المرة السابقة.
‘يبدو أنني أصبحتُ مألوفةً لديها بالفعل.’
وبينما كنتُ أبتسم بسرورٍ لهذا الخاطر، بدا أن فلورا بريين قد عقدت العزم على إسعاد معجبةٍ مثلي.
“أنا….لقد تفهمتُ تمامًا المشاعر التي دفعت الآنسة لإهدائي هذا الكتاب! حتى أنني ألححتُ على الماركيز ليحضر لي الجزء التالي لأنني أردتُ قراءته بشدة. و بفضله انتهيتُ من قراءة السلسلة كاملة قبل وصولكِ.”
حتى هذه النقطة، كان هذا انطباعًا طبيعيًا لأي قارئ عادي.
“ثم حاولتُ قراءة أعمالٍ أخرى للكاتبة إيفير، لكنكِ وصلتِ في ذلك الوقت تمامًا. انظري! هذا منديلٌ قمت بتطريزه بعدما تخيلتُ النهاية بنفسي. في الواقع لديّ اثنان آخران أيضًا. أحضرتهم جميعًا لأهديكِ ما يعجبكِ منهم.”
يا الهي….هل يعني هذا أنني أخيرًا حصلتُ على صديقةٍ مهووسة بالروايات أستطيع الحديث معها عن شيل إيفير؟
“آنسة بريين، ما أكثر مشهدٍ أعجبكِ في الرواية؟”
سألتها بجديةٍ وأنا أضم يديّ المتعرقتين بقوة.
“أنا أحب المشهد الذي تعرض فيه أركوس للتعذيب بعدما اكتُشف أنه ساعد كيتلين الأسيرة على الهرب. رغم أنه كان يعلم إلى أين ذهبت، بل وحتى أنه عرف أنها كانت متنكرةً بزي رجل، إلا أنه أغلق فمه تمامًا بدافع الحب، وسقط من منصبه المشرف كقائدٍ ليتحمل أبشع أنواع التعذيب. كان من الممكن أن يموت بسبب الحب بدلًا من الانتقام. هذا هو الحب الحقيقي!”
عادةً، عندما أتحدث بهذه الجدية، يهرب الناس مرتبكين.
الجميع يكتفون بقول: “كانت روايةً ممتعة”، ثم يعودون إلى حياتهم اليومية. أما المهووسون بالروايات فلا يستطيعون فعل ذلك.
“بل إن الوصف النفسي لأركوس أثناء التعذيب كان رائعًا جدًا. أليست موهبة الكاتبة جنونية؟ لقد وصفت الأمر وكأنها تعرّضت للتعذيب بنفسها فعلًا! ثم إنه لم يخبر كيتلين بما تعرض له، واكتفى بالقول أن شيئًا لم يحدث. شخصيةٌ كهذه تدفع الإنسان إلى الجنون!”
لكنني لم أكن الوحيدة المتحمسة. فقد كانت فلورا بريين الجالسة أمامي تنظر إليّ بعينين متلألئتين بالحماس.
“أما أنا فقد أردتُ معرفة المزيد عن النيران التي كانت تلتهم ذلك العصر خلف قصة الحب الرئيسية. وكما تعلمين، فأنا لستُ من أبناء ذلك الزمن، بل فتاةٌ صغيرة غريبة جاءت من مملكة كروني. سمعتُ أن هناك أماكن حقيقية استندت إليها الكاتبة عند بناء خلفية الرواية. هل هذا صحيح؟”
“نعم! صحيحٌ أنها لم تذكر الأمر صراحة، لكن أي شخصٍ يمكنه أن يدرك أنها استوحتها من شرق آيزار…”
واستمر حديثنا المتحمس حتى وصول العمة سوزان.
كانت تلك أول مرةٍ ترى فيها العمة فلورا بريين منذ أن استُقبلنا من قبل أفراد القصر عند وصولنا إلى منزل أوريلنو، فرحبت بها بحرارةٍ وطلبت منها أن تعرفها على حدائق القصر الكبيرة.
ماذا أفعل؟ أنا متحمسةٌ للغاية.
متحمسةٌ لدرجة أن الحديقة التي أصبحت مرتبةً ونظيفةً لم تعد تلفت انتباهي أصلًا!
‘يجب أن أجعلها تقرأ الأعمال الأخرى للكاتبة أيضًا وبأسرع وقت!’
كان قصر عائلة أوريلنو الكبير محاطًا بالجبال، لذلك كانت الشمس تغيب بسرعةٍ ويحل الظلام مبكرًا.
‘هل كانت هذه المصابيح موجودةً عندما جئتُ سابقًا؟’
لم أصدق عينيّ عندما رأيتُ مصابيح الأحجار السحرية باهظة الثمن تضيء الحديقة وسط الظلام.
ففي آيزار، كانت مصابيح الأحجار السحرية رمزًا للثراء بحد ذاته.
ما الذي حدث لهذه الحديقة خلال أسبوعٍ واحدٍ فقط؟
“على أي حال….يبدو أن الحديقة تغيرت قليلًا عما كانت عليه في زيارتي السابقة.”
“آه.”
ابتسمت فلورا ابتسامةً مشرقة عند سماع تلميحي، ثم شرحت ببراءةٍ تامة ودون أي تصنع،
“لأن الآنسة لوار جاءت للزيارة-”
“ريتا.”
كانت الآنسة التي طلبت مني أن أناديها ببساطةٍ بـ”الآنسة فلورا”، لذلك أخبرتها بدوري أنه يمكنها مناداتي بـ”ريتا” فقط.
في البداية ارتبكت وقالت أن ذلك لا يليق، لكنها سرعان ما ابتسمت بسعادةٍ وقبلت طلبي.
“هممم، منذ أن جاءت ريتا، قال الماركيز أوريلنو أن منظر المكان أصبح محرجًا أمام الآخرين، وأمر بترتيبه فورًا!”
____________________
الآخرين: ريتا
و اهلها عشان العرس😘
توقعت ترفضه بس يوجع كأنه رفضته بسرعه😭 اشوى انه تخطى يوم وافقت يهديها وحده ثانيه
وتعجبني ريتا ياناااااااس! ماتبي تتدخل في القصة بأي شي حتى قلاده👏🏻
Dana
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.