الفصل 52
انتهى اللقاء بعدما أجاب مخبر المعلومات بأنه لا مانع لديه من تنفيذ طلبي.
وقبل أن نفترق مباشرةً….
“هل أعجبتكِ إيلين يا سيدتي؟”
سأل فجأةًً وكأنه تذكر الأمر للتو، بينما كان يرتب شعره المصفف بعنايةٍ ويرتدي قبعته السوداء العريضة الحواف.
“في الوقت الحالي نعم. أريد أن أبقيها معي بضعة أيامٍ أخرى. وهي نفسها قالت أنها ترغب بذلك.”
“تلك الفتاة تملك حاسةً ممتازةً تجاه المال. ما دمتِ تدفعين أجرها بسخاءٍ وفي موعده، فستبقى إلى جانبكِ دائماً.”
كنتُ قد سألته إن كان يعرف لصاً أميناً، قليل الكلام، بارعاً في عمله، ينجز مهامه بنظافةٍ وإتقانٍ ويتمتع بالوفاء، فكان هو من أوصى لي بإيلين.
“على أي حال، أين التقيتَ بها؟ وكيف تعرفتَ عليها؟”
“ذلك سر.”
“أيها المخبر، ألا يمكنكَ على الأقل أن تخبرني باسمكَ؟”
ذلك المخبر المخضرم في منتصف العمر لم يفصح ولو مرةً واحدة حتى عن اسمه المستعار.
بل إنني بدأتُ أشك حتى في الشامة الموجودة تحت عينه، وأتساءل إن كانت جزءاً من تنكره أيضاً.
وعلى سؤالي، ابتسم للمرة الأولى ابتسامةً خفيفة، ثم أجاب بلطفٍ ولكن بحزم،
“حتى جلالة الملك الحالي لا يمكنني إخبارُه بذلك.”
عندما يصل الأمر إلى هذا الحد، يصبح الاستفسار أكثر إزعاجاً من فائدته.
على أي حال، كنتُ راضيةً جداً عن توصياته. فانحنيتُ له انحناءةً خفيفة وأنا أحبس في صدري ذلك القلق المزعج الذي جعل قلبي يخفق، ثم ودعته وهو يغادر.
إذا كان شين هو من أخذ رسائلي، فماذا عليّ أن أفعل؟
“تاشا، ماذا ستفعلين لو سرق أحدهم شيئاً يخصكِ؟”
“سأسأله أولاً عن السبب وأطالبه بإعادته. وإن لم نصل إلى اتفاقٍ ودي، فسأبلّغ الحرس وأضعه خلف القضبان.”
أجابت تاشا الواقفة خلفي بإجابةٍ نموذجية مباشرة.
كان كلامها منطقياً تماماً. فهززتُ رأسي بهدوءٍ وأنا أفكر.
‘هل أقتحمُ مقر الماركيز مجدداً غداً؟’
تذكرتُ وجه شين الأحمر الذي لم يستطع إخفاء مشاعره خلف القناع.
ما زلتُ عاجزةً تماماً عن فهم سبب تغير موقفه المفاجئ وطرده لي بتلك الطريقة.
ومع ذلك….ألا يجدر بي أن أمنحه بعض الوقت؟
ظهر هذا الرأي الحذر في زاويةٍ من قلبي.
صحيح. لنهدأ قليلاً.
على أي حال، لقد منحني والدي مهلةً فيما يخص الزواج، أليس كذلك؟
يمكنني اقتحام المكان وقلبه رأساً على عقبٍ متى شئتُ، لذا فلأنتظر قليلاً هذه المرة.
لكن المشكلة كانت أن الكاتبة إيفير لم تكن تنوي منحي مثل هذه المهلة.
***
أصبحتُ أفكر في الماركيز أوريلنو منذ الليلة السابقة لوصول مجلة “بلانت” الأسبوعية إلى القصر.
وما إن أدركتُ ذلك حتى شعرتُ باضطرابٍ شديد.
وفي تلك اللحظة ظهرت تاشا أمامي وهي تحمل المجلة.
“آنستي! عدد بلانت الجديد وصل اليوم!”
“تاشا، أسرعي إلى هنا!”
وسرعان ما هرعت الخادمات المنتظرات أيضاً وجلسن حول الأريكة.
ومع بداية الجزء الثاني من الرواية، بدأت تفاصيل من ماضي البارون تشيرن تظهر تدريجياً.
وبينما كنا جميعاً نستمع إلى قراءة تاشا بقلوبٍ متحمسة….
“قال جيمي وهو يلوح بجزرة. ‘لقد اشتريتها لأنكِ كنتِ تتحدثين عن الجزر طوال الوقت، فماذا لو رفضتُ أكلها؟’.…”
ما هذا؟ هل هي مجرد مصادفة؟
لكن وكأن الرواية أرادت أن تؤكد أن الأمر ليس وهماً مني، ظهرت الجملة المتعلقة بالجزر مرة أخرى.
“كان جيمي يلوح بالجزر الذي اشتراه بسعرٍ رخيصٍ بينما يوبخ الخادم.…”
نهضتُ من مكاني لا إرادياً.
“آنستي، ما الأمر؟”
“الجزر.”
“ماذا؟”
“لقد لوّح بالجزر.”
بل ولوّح به مرتين. هذا ليس صدفةً أبداً!
لقد حدث شيءٌ أشبه بالمزحة. فالرسالة التي كتبتها عفوياً وصلت إلى الكاتبة، و وجدت الجملة التي أخفيتها فيها على سبيل المزاح، ثم جعلت إحدى الشخصيات في الرواية تحمل جزرةً بالفعل.
في ذلك الوقت القصير….لا أعرف كيف حدث الأمر، لكن شيئاً ما وقع بالتأكيد.
‘هذا غير معقول. هل كانت الكاتبة حقاً تقرأ رسائل المعجبين؟ لكن لماذا قال شين أنها لا تفعل؟ لقد قال بوضوحٍ أن الكاتبة تعتبر تلك الرسائل عائقاً أمام عملها الأدبي….’
تذكرتُ ما قاله مخبر المعلومات عن أن شين بدأ ينتقي بعض الرسائل ويأخذها معه.
فهل اكتشف مصادفةً وجود رسائلي بينها وأخذها ليعرضها على الكاتبة؟
‘وإذا افترضنا أن ذلك الرجل الكئيب يفتح الرسائل ويقرأها في الطريق، فما نسبة حدوث ذلك؟’
إذا استندتُ إلى حقيقة أن الكاتبة جعلت إحدى الشخصيات تلوح بجزرة….فالنسبة تقارب تسعةً من عشرة.
كنتُ قبل لحظاتٍ مكتئبةٌ كدجاجةٍ منهكة، لكن الغضب اشتعل في داخلي فجأة.
هذا غير معقول. قد أتفهم لو كان محتالاً يخطط لاستغلالي أنا، أميرة الدوقية الثرية التي تملك كل شيء، لكن تهديد الكاتبة إيفير؟ هذا أمرٌ لا يمكن التسامح معه!
“تاشا.”
“نعم؟”
“هيا نحزم الأمتعة.”
انتظرني فقط. غداً سأذهب لأمسكك من ياقة ثيابكَ.
فبصفتي معجبةً مخلصة، لا أستطيع تحمل هذا أبداً!
نظرت الخادمات إليّ بحيرة بعدما كنتُ أقرأ الرواية الأسبوعية بهدوءٍ ثم انقلبت حالتي فجأة، لكن عندما رأينني أشتعل غضباً لم يجرؤن على قول شيء، وبدأن بجمع الأمتعة بصمت.
“الآنسة ريتا، ما الذي يجري؟ أنتِ لا تنوين قتل أحد، أليس كذلك؟”
سألتني المربية كيليّنا بحذرٍ وهي تمسك يدي بإحكام وعلامات القلق باديةٌ على وجهها.
“أخشى أن يكون هذا ما ستفعلينه فعلاً بطباعكِ هذه الأيام.”
“آه، هل انكشف أمري؟”
“ماذا؟”
“إذا كان السبب وجيهاً بما يكفي لقتل شخصٍ ما، فأبي سيتكفل بإخفاء الجثة دون أن يترك حتى شعرةً واحدة خلفها.”
شهقت تاشا عند سماع كلامي البارد وصاحت،
“لن أسمح أبداً بأن أرى الآنسة تقتل أحداً ما دمتُ حية! إذا كان لا بد من ذلك فسأقوم أنا بالأمر!”
***
دخلتُ إلى غرفة الطعام لتناول الإفطار وناديتُ عمتي بصوتٍ منخفض بينما كانتُ تقرأ الجريدة.
“عمتي سوزان.”
“هم؟ يا إلهي، أفزعتِني! لا تقولي أن خاطباً جاء منذ الصباح الباكر؟”
“لا.”
“إذاً لماذا تبدين غاضبةً هكذا؟”
“سأذهب غداً إلى مقر الماركيز أوريلنو.”
“أوه، رائع. سأذهب معكِ.”
كان ذلك رداً مفعماً بالحيوية لم أتوقعه.
وضعت عمتي الجريدة جانباً ورفعت أكمام ردائها قليلاً وهي تسأل بحماس،
“كنتُ أرغب في دعوته إلى مأدبةٍ عندما كان والدكِ في العاصمة، أليس كذلك؟ لكن والدكِ كان مشغولاً للغاية، ولم نتمكن من ترتيب اللقاء. كم كان ذلك مؤسفاً!”
“عمتي….هل كنتِ جادة؟”
“بالطبع! إنه محسنٌ ساعدكِ كثيراً. لا يمكننا أن نتظاهر بالنسيان ونتجاهل فضله.”
‘آه….’
مررتُ يدي على وجهي في محاولةٍ لتهدئة نفسي ثم أعلنتُ بحزم،
“لا يمكن. لدي مطالب أريد أن أطرحها على الماركيز هذه المرة، وأنا ذاهبةٌ لإثارة فوضى حقيقية. فوضى من النوع الذي يُصب فوقه الإسمنت ويُغلق تماماً.”
“من أين تعلمتِ هذه التعبيرات السوقية؟”
شهقت سوزان وهي تنكمش في مكانها.
“لا أعرف ما الذي تقصدينه بالضبط….لكن هل الأمر متعلقٌ بحصص الاستثمار أو شيءٍ من هذا القبيل؟”
“تقريباً. لا أريدكِ أن تشاهدي منظراً قبيحاً، لذلك سأذهب وحدي.”
“إذاً سأقدم له هدية شكرٍ أولاً، وعندما تعطينني الإشارة سأنسحب بهدوء.”
هذه المرة لم تتراجع عمتي أيضاً.
وكان كلامها منطقياً. فإذا تلقينا معروفاً من شخصٍ ثم تجاهلناه، فسيبدو ذلك غير لائقٍ بأفراد عائلة لوار.
خصوصاً أنني بالفعل تلقيتُ ضيافةً استثنائية أثناء إقامتي في مقر الماركيز.
وهكذا، في اليوم التالي، لم يكن أمامي خيارٌ سوى الذهاب إلى مقر الماركيز مع عمتي.
وبصراحة، لم أستطع تخيل شكل تعبير شين عندما يتلقى هدية شكرٍ ثم أبدأ بإثارة الفوضى بعدها مباشرة.
“بالمناسبة يا عمتي، سأخبركِ مسبقاً: لا تتفاجئي عندما ترين شكل القصر من الخارج.”
“هم؟ ولماذا تقولين ذلك؟”
“ستفهمين عندما ترينه.”
تمتمتُ مترددةً وأنا أتهرب من الشرح.
حتى عندما نظرت إليّ باستغراب وأمالت رأسها، لم أجد ما أقوله. فذلك القصر كان أشبه ببيت أشباحٍ داخل مدينة ملاهٍ….
“أين ذهب بيت الأشباح؟”
أزحتُ ستارة نافذة العربة ونظرتُ إلى الخارج، حتى أنني ظننت أن الجد ويلتون قد أخطأ الطريق وأحضرنا إلى قصر عائلةٍ أخرى.
‘ما هذا؟ كيف أصبحت الحديقة أنيقةً ومرتبةً إلى هذا الحد؟’
كانت أزهار الكوبية البنفسجية والزرقاء تتفتح في تجمعاتٍ جميلة حول التماثيل القديمة التي جرى تنظيفها بعناية، وكأنها ترحب بالصيف.
أما النافورة التي رأيتها في آخر مرةٍ مغطاةً بالطحالب والأوساخ لدرجة أن مجرد غمس القدم فيها بدا كفيلاً بإصابة المرء بمرض، فقد أصبحت نظيفةً تماماً وكأن حالتها السابقة لم تكن موجودةً قط.
وكان الرخام الممزوج بخيوطٍ حمراء خفيفة يلمع تحت الشمس، بينما تطفو فوق الماء زنابق بيضاء جميلة.
حتى تاشا، التي نزلت من العربة الخلفية مع بقية الخدم، لم تستطع إخفاء ذهولها.
ولم أجد أمامي سوى أن أقول لها بجدية،
“تاشا، أعتقد أننا في المرة الماضية وقعنا تحت تأثير وهم ساحرٍ وذهبنا إلى مكانٍ آخر تماماً.”
______________________
اجل مختفي يزين القصر عشانها😭😭😭😭😭😭😭😭😭 اهخ حتى الجزره شكلها جت بوقتها وماصدق حطها مرتين
ياناااااااااعس شكل الفصول الجايه حلوه صح ريتا طايحع في سوء فهم بس احسها تضحك مب حماره ذاك الزود
وهو حتى لو قالت له شي قام عطاها ذاك الوجه الي يحسس الواحد بالذنب😂
Dana
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.