الفصل 5
أليست امرأةً مجنونة؟
“أخبِرها أنني سأكون راعيةً لها كي لا تُهدر موهبتها وهي تعيش مع رجلٍ كهذا. وعلى عكس الماركيز، سأقدّم لها دعماً كاملاً مادياً ومعنوياً، بل ويمكنني، إن لزم الأمر، أن أجعل زوجها يختفي من أمام ناظريها.”
هاه. “على عكس الماركيز”؟ إنها تفتعل الشجار صراحةً.
بضغطٍ خفيف، استمرت أطراف أصابع ليفيريتا لوار في ملامسة القماش المشدود فوق صدره الصلب.
كانت المرأة، الأقصر من شين بنحو رأسين، ترفع نظرها إليه بنظرةٍ لا تخلو من شراسة.
في تلك اللحظة، انغرست فيه بهدوءٍ تهمةٌ صامتة: أهذا ما تسميه راعياً؟
‘يبدو أن الآنسة كلينوت تملك شجاعةً لا يُستهان بها.’
أطلق شين ضحكةً مكتومة في داخله.
بأي جرأةٍ حمقاء تجرأت تلك الآنسة على شدّ شعر ابنة الدوق لوار الوحيدة، إحدى أقوى العائلات الدوقية في مملكة آيزار؟
سيكون من الممتع تخيّل متى وكيف ستتلقى عائلة كلينوت درساً قاسياً. لكن قبل ذلك، ألن تكون عائلة الماركيز أوريلرنو هي أول من يتلقى الضربة؟
مستحيل. هل ستكونين أنتِ، يا ابنة الدوق، آخر طائشٍ يأتي ليحكم على حياتي؟
ارتسمت ابتسامةٌ ساخرة على شفتي شين، غير قادرٍ على إخفاء سخف الموقف.
“هل تدركين حقاً ما تقولينه الآن، يا آنسة لوار؟”
شبك شين يديه خلف ظهره، ثم انحنى قليلاً نحو تلك الآنسة الجاهلة وسأل بنبرةٍ مستفزة،
“وماذا لو كانت الكاتبة شيل إيفير تحب زوجها وطفلها؟ ماذا لو أحبّتهما بجنونٍ لدرجة أنها تقبل بالتخلي عن الكتابة؟ ماذا ستفعلين حينها؟”
لنرَ كيف سترد. تلك الفتاة الصغيرة، الغارقة في روايات الحب، التي تندفع بلا حساب….إلى أي حدٍ ستذهب—
“وماذا عساني أفعل؟ سأنتظر.”
“….…”
“إن كان ذلك الحب العميق سيدفعها للتخلي عن موهبتها بإرادتها، فسيكون مؤسفاً، لكن لا مفر من الانتظار. في مثل هذه الحالات، حتى لو لحق بها الناس حاملين الطعام لإقناعها، فلن تعود إلى رشدها.”
ولِمَ يحملون الطعام أصلاً؟
ارتفع حاجبا شين قليلاً دون أن يظهر ذلك بوضوح، إذ كانت العبارة غريبةً عليه.
“ثم، عندما يأتي يومٌ تمسك فيه بالقلم مجدداً وتطلب مساعدتي، سأساعدها بكل سرور.”
كان صوتها الواثق، الذي همست به بحيث لا يسمعه سواه، يقلب مشاعر شين رأساً على عقب منذ البداية حتى النهاية.
“أريد أن أبقى كظلٍ إلى جانب كاتبةٍ موهوبة، كي لا تستسلم. وحتى لو استمر توقفها عن النشر حتى أموت، فسيبقى وعدي كما هو.”
“….لماذا تفعلين كل هذا؟”
لم يستطع شين إلا أن يسأل بهدوء.
هل تتخيلين حتى أنكِ تقولين هذا الاعتراف، الذي يكاد يكون هوساً، للكاتبة نفسها؟ مقرف.
كان حباً لا ينوي تقبّله، ولا يحتاجه أصلاً.
يجب أن يسحقه تماماً.
عند سؤاله الهادئ، خفّ الغضب الواضح على وجه ليفيريتا لوار قليلاً، وظهر عليه شيءٌ من الحيرة.
“هذا النوع من الرعاية للفنانين أمرٌ شائعٌ جداً. أليس هذا شيئاً يمكن معرفته دون الحاجة إلى الزواج حتى؟ آه.”
تنهدت ليفيريتا لوار بخفة، ثم أكملت دون أن تخفي ازدراءها،
“كما توقعت، يبدو أن الماركيز أوريلرنو لا يرى الكاتبة شيل إيفير سوى كمنتِجةٍ لأعمالٍ تدرّ أرباحاً كبيرة. لهذا لم تتفق آراؤنا منذ البداية.”
سخر شين في داخله.
وماذا لو لم أستأنفتُ النشر حتى يوم موتي؟
حتى لو خسرتِ بسببي ذلك الرهان الأحمق مع آنسة كلينوت، واضطررتِ للاعتراف بهزيمتكِ المذلة….هل ستستمرين في حب شيل إيفير رغم ذلك؟
وإن جاء يومٌ تسمعين فيه اسم شيل إيفير، فتغمر تلك العينين المتقدتين ذكرى هزيمةٍ مؤلمة….إن ارتجفتِ كأنكِ مصابةٌ بنوبة….أو أطبقتِ فمكِ كالحجر وتظاهرتِ بأنكِ لا تعرفينها….
كل ذلك سيكون مرضياً له إلى أقصى حد.
تجاهل شين ذلك الشعور المريب الذي انتابه قبل قليل، ذلك الحدس الغامض الذي أخبره أن عليه الابتعاد عن المرأة أمامه.
وبدل ذلك، تقبّل عداء ليفيريتا لوار بكل كيانه.
***
الشخص الذي ساعدني تبيّن أنه خصمي في الجولة الثانية.
في هذا العالم، طريقة التفكير والكلام تقليديةٌ ذكورية إلى حدٍّ كبير.
لم يكن ينظر إليّ من الأعلى لمجرد طوله، بل كانت نظرة من يملك السلطة، مشبعةٌ بالغرور والتعالي.
حتى ردوده ظلت غامضة، مصحوبةٌ بابتسامةٍ ساخرة مراوغة حتى النهاية.
ذلك كان انطباعي عن شين دي أوريلرنو.
‘ومع ذلك، لا بد أنه يحظى بشعبيةٍ كبيرة بين النساء في مثل سنّي.’
اشكر حظكَ أنكَ وُلدت في مجتمعٍ طبقي، يا ماركيز شين دي أوريلرنو. ففي القرن الحادي والعشرين، يُعامَل رجالٌ مثلكَ بطريقةٍ مختلفة تماماً.
حتى لو حققتَ زواجاً ناجحاً بفضل ثروتكَ و وسامتكَ، فلن تمضي بضع سنواتٍ حتى يلتصق بك الطلاق كأنه لعنة، فتجد نفسكَ تتردد على المحاكم مراراً.
كنت أُسهب في داخلي بانتقاد الماركيز أوريلرنو بينما أستقبل عمتي سوزان.
وفي توقيتٍ مثالي، ظهرت سوزان يتقدمها أحد خدم الماركيز أوريلرنو.
ما إن رأتني معه حتى ارتجفت عيناها بشدة، ثم حين أبصرت فستاني الممزق، وشعري المبعثر، والعباءة التي ألقاها الماركيز على كتفي، أطلقت صرخةً صامتة.
يبدو أنها أساءت الفهم، وظنت أن أمراً مشيناً قد حدث بيني وبين الماركيز شين دي أوريلرنو.
أما الخادمة ليانا، التي كانت برفقة سوزان، فقد أظهرت مهارةً مذهلة حين رأتني في تلك الحالة الحرجة، فسارعت إلى ترتيب شعري على عجل كحلٍ مؤقت.
أما أنا، فلم أشعر سوى بإحساسٍ مزعجٍ بالهزيمة دون سبب، وانسحبتُ من قاعة الحفل مسحوبةً مع سوزان.
دون أن أتمكن حتى من توديع الماركيز أوريلرنو، الذي ظل واقفاً كعمودٍ يراقبني.
استقللنا العربة فوراً، وعدنا بصمتٍ تام إلى الملحق الخاص بعائلة لوار.
ومنذ داخل العربة، بدأت سوزان بإلقاء محاضرتها عليّ، واستمرت في ذلك لساعاتٍ حتى داخل الملحق.
كنتُ أتظاهر بالإنصات بهدوء، بينما أتركُ كلماتها تمرّ دون أن أحتفظ بها. فلو تفوهتُ بأي كلمة، فلن يزداد الأمر إلا سوءاً.
وبدلاً من ذلك، انشغلتُ بالتفكير في سبب إفصاح الماركيز أوريلرنو لي عن كونه الراعي للكاتبة شيل إيفير.
‘لماذا أخبرني بذلك؟’
لو كان للكاتبة شيل إيفير راعٍ، فمن المستحيل أن أجهل ذلك وأنا من أشد معجبيها. فالمعلومات عنها نادرةٌ كإبرةٍ مخبأة في صحراء.
وهل يظن أنني الوحيدة التي تهيم في تلك الصحراء بحثاً عنها؟
معجبوها الحقيقيون كانوا سيعثرون على الحقيقة مهما كلف الأمر. فوجود راعٍ نافذ ليس أمراً يمكن إخفاؤه، بل لا بد أن ينتشر بين الناس.
….لا بد أن يكون الأمر كذلك، أليس كذلك؟ من المستحيل أن أكون قد جهلتُ ذلك. ثمة شيءٌ مريب.
‘أليس هذا الرجل محتالاً؟’
هل يحاول خداعي ليختطفني ثم يبتزني ويسلب أموالي؟ لا، هذا لا يُطمئن. عليّ أن أتحقق من الأمر.
وبينما كنتُ، على غير عادتي، أُجهد ذهني وأتحمل هذا التفكير المرهق لأشك بشخصٍ إلى هذا الحد….خطرت لي فجأة فكرةٌ محزنة.
‘أليس السبب ببساطة أنني لا أملك علاقاتٍ في العاصمة، ولم أنضم لأي صالون أو نادٍ أدبي من قبل، لذلك لم أعرف؟’
هاه….أن أكون الابنة الوحيدة لعائلة دوق، ومع ذلك أعيش في مكانٍ لا يختلف كثيراً عن قريةٍ نائية، بل وهذه أول مرةٍ أزور فيها العاصمة.
أهذه هي معاناة المعجبين الذين يعيشون في الأقاليم؟
هناك مكانٌ يُدعى ريديل، ليس بعيداً جداً عن العاصمة، لكنه أيضاً ليس قريباً.
يمرّ به أحد أهم أنهار المملكة، وتظل أراضيه الزراعية خصبة حتى في أوقات الجفاف، حتى أنه يوفّر معظم إنتاج الحبوب في المملكة.
وتقع القلعة الرئيسية لعائلة الدوق لوار في قلب ريديل، ذلك الإقليم الشاسع الذي يفوق العاصمة نفسها مساحةً.
هل سبق أن وقفتَ وسط حقولٍ مترامية من القمح و دوّار الشمس، تمتد حتى يتلاشى الأفق؟ إنه مشهدٌ مهيب لا يُضاهى.
وعند التنقل بالعربة، يبدو الأمر كأنكَ تعبر أمواجاً متلاطمة في قاربٍ صغير.
تنهدتُ لا إرادياً وأنا أتذكر ذلك المشهد المرهق.
للانتقال من القلعة إلى العاصمة، لا بد من تخصيص أيامٍ لذلك. فحتى لو سافرتُ على صهوة جوادٍ بلا توقفٍ ليلاً ونهاراً، فالأمر يستغرق أكثر من ستة أيام.
بعد أن انتقلتُ إلى هذا العالم، حين رأيتُ على الخريطة أن معظم الأراضي الشهيرة في المملكة تقع ضمن أملاك الدوق لوار، شعرتُ بذهولٍ لا يوصف.
ربما هذا هو سبب صعوبة الوصول إلى العاصمة؟
فعلى الرغم من أن اسم عائلة لوار يُعد من بين أشهر العائلات النبيلة في مملكة آيزار، فإن سيد الأسرة الحالي ووالدي، الدوق غايوس لُوار، لم يكن مهتماً بالسياسة ولا بالثقافة.
قناة التلجرام: https://t.me/+PE6p5xi2s882MWJk
____________________
جوي ابوها رايق وسافه النبلاء والصداع تعلمي منه 🙂↕️
بعد هي شبه هاديه بس توها متهاوشه مع وحده وكانت مع شين راحت صفة الادب في اول فصل😭
المهم ابوها يحبها؟ يارب لأن شكل حتى عمتها كول
اما شين متى وكيف بيوقع لها؟ مدري حتنى بس عشان كذا فيه تصنيف أعداء لأحباء الصدق توني انتبه له😭😭😭😭
Dana
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.