الفصل 48
اقتربت مني سوزان مسرعةً بعدما شهدت ذلك المشهد بأعجوبة، وأمسكت بذراعي وهمست في أذني،
“هل تصالحتِ مع تلك الشابة التي تشاجرت معكِ بشجاعةٍ بسبب شيل إيفير تحديدًا؟”
“آه….لا، الأمر ليس كذلك.”
“حقًا، تلك الفتاة مسكينةٌ أيضًا.”
“لماذا؟”
كان ما روته سوزان بعدها موضوعًا غير متوقعٍ بالنسبة لي، فأنا أصلًا لا أهتم بمشكلات العائلات الأخرى.
أب مستهترٌ عاش حياةً عبثية. شجرة عائلةٍ معقدة. إخوةٌ وأخوات غير أشقاء من كل جهة.
كانت عائلة كلينوت تتماسك بالكاد، مستندةً إلى مجد أسلافها المؤسسين للدولة، بينما يحاول ذلك المجد ستر أفعال الكونت المشينة.
لهذا السبب إذاً….
منذ اليوم الذي تشاجرتُ فيه مع غريتا وشدت شعري، كانت كلمة “الشجاعة” التي تكررها سوزان تحمل معنى مختلفًا قليلًا عما كنتُ أظنه.
“أينما ذهبتِ، تجدين الناس يتحدثون علنًا عن فضائح عائلتها. لكنها تتحمل وتصبر أمام الجميع حفاظًا على سمعة والدتها التي تعيش حياةً أشبه بالموت.”
كان الحفل يقترب من نهايته. وبدأنا أنا وعمتي سوزان نتراجع تدريجيًا استعدادًا للعودة إلى المسكن الخاص.
“على أي حال، أنتِ حقًا لا تهتمين بشيءٍ خارج نطاق الكاتبة إيفير! ظننتُ أنكِ تعرفين كل ذلك وتتظاهرين بالجهل.”
ارتفع طرف شفتي بابتسامةٍ مريرة. فقد فهمتُ أخيرًا لماذا قالت لي غريتا كلينوت تلك الكلمات.
‘حتى ليفيريتا الأصلية، ولا أنا الحالية، لا نعرف السبب الحقيقي لطلاق دوق و دوقة لوار.’
كانت الدوقة السابقة قد تطلقت عندما كانت ليفيريتا الأصلية صغيرةً وغادرت عائلة لوار ثم تزوجت من جديد.
وفي البداية كانت ترسل رسالةً أو اثنتين كلما تبدل فصل من فصول السنة. ثم انقطعت الرسائل تمامًا.
تذكرت ما كتبته ليفيريتا الأصلية في يومياتها،
[أشعر أحيانًا وكأنه لا يوجد شخصٌ واحدٌ يقف إلى جانبي.]
ولم يكن من المناسب الآن أن أسأل عمتي سوزان عن سبب طلاق الدوق والدوقة. فحتى عامة الناس لا يعرفون التفاصيل الحقيقية.
أما سوزان، التي لم تكن لتخمن ما يدور في رأسي حتى في أحلامها، فقد واصلت الحديث بحماسٍ بينما كنا ننتظر العربة.
“وصل الأمر إلى حد الهوس فعلًا. لو رأتكِ شيل إيفير هكذا لأصابتها القشعريرة.”
“عمتي! لا تصفي مشاعري الصادقة بهذا الشكل المريب!”
أما ما حدث مع فيفيان فسأتحدث عنه لاحقًا عندما نعود إلى المسكن.
وبينما كنتُ أضغط على أسناني وأنظر حولي، أدركتُ فجأةً أمرًا كنتُ قد نسيته مؤقتًا.
لم أرَ فلورا بريين، قريبة شين البعيدة، ولو مرةً واحدة.
ولم أرَ ذلك الشعر الذهبي الجميل أيضًا.
شين دي أوريلنو….لم يحضر الحفل في النهاية.
***
‘يمكث بالقرب من العاصمة ولا يحضر مأدبةً ملكية؟’
هل هو مريض؟ هل حدث له شيء؟
وفي اليوم الذي وصل فيه والدي رسميًا إلى العاصمة، بدأت المخاوف تتصاعد داخل قلبي أخيرًا.
“….لم تنسي أن وقت هذا الأب الثمين يمضي الآن، أليس كذلك؟”
‘آه.’
تخلصتُ بسرعةٍ من شرودي وأعدتُ تركيزي إلى والدي الجالس أمامي.
وصل والدي بعد وقتٍ طويلٍ من انتهاء موعد الغداء.
ثلاث عربات كاملة رافقته. وخرج جميع العاملين في مسكن عائلة لوار الخاص لاستقبال سيدهم.
وما إن رأته سوزان حتى بدأت تتذمر قائلةً أنها شعرت وكأن الصيف كله شارف على الانتهاء وهي تنتظره.
وفي كل مرةٍ أرى هذا الجانب منها، أشك فعلًا أنها شقيقة والدي بالدم.
كيف يمكن لصخرةٍ صامتة مثله أن يكون شقيقاً لطائرٍ مفعمٍ بالحيوية مثلها؟
بل إن عدد الأشخاص القادرين أصلًا على المزاح مع الدوق لوار بهذه الأريحية في هذا العالم لا يتجاوز أصابع اليد.
رفض والدي اقتراحها بقضاء بعض الوقت للراحة والتحدث بهدوءٍ رفضًا قاطعًا.
ثم جرّ جسده المتعب واستدعاني إلى المكتب الذي كان قد جهّزه مسبقًا.
“سأذهب قريبًا لمقابلة جلالة الملك. وآمل أنكِ لم ترتكبي أي تصرفٍ يسيء إلى هيبة دوقية لوار في الحفل البارحة.”
“بالطبع لا. ابنة مَن أكون برأيكَ؟”
أجبتُ بسرعةٍ بنبرةٍ تملؤها التفاخر.
ولو أردتُ تشبيه الموقف….فهذا المكتب الذي أجلس فيه الآن أشبه بقاعة اجتماعٍ مخصصة لعرض نتائج الربع الأول من السنة وتقديم تقريرٍ عن تقدم أعمال الربع الثاني.
أما الحوافز فكانت بيد والدي.
زيادة قيمة ابنته في نظره، وبعض المصروف الإضافي.
وربما ارتفاعٌ طفيف في احتمالية وراثتي لشوهين أو إحدى الأراضي المجاورة لها.
باختصار….كان هذا اجتماعًا بالغ الأهمية.
“كنتُ فقط أفكر من أين أبدأ الحديث.”
“إذاً ابدئي بشرح سبب اعتقادكِ أن الموكب سيضل طريقه.”
أشار والدي بطرف ذقنه الحاد إشارةً خفيفة، وأرسل إليّ من خلف نظارته نظرةً واضحة تقول: “ادخلي في صلب الموضوع.”
فشددتُ عزيمتي وبدأتُ بالموضوع الأول.
“مسرح سافرانيت يشهد هذه الأيام أكبر نجاحٍ في تاريخه منذ تأسيسه. فالمسرحية التي انتهى عرضها مؤخرًا، “كيتلين”، حققت شعبيةً هائلة. وبفضل ذلك توافد معظم نبلاء العاصمة إلى المسرح لمشاهدتها.”
“يبدو أنكِ مارستِ قدرًا لا بأس به من النشاط الاجتماعي منذ وصولكِ إلى العاصمة.”
كان ذلك أشبه بانتقادٍ مبطنٍ لا أكثر.
أي أنه يلومني لأنني كنتُ أتنقل بين المسرح ذهابًا وإيابًا بدل حضور المزيد من التجمعات الاجتماعية.
إذًا، كان يعلم بالأمر بالفعل.
“بالطبع. ومن خلال العلاقات التي كونتها في المسرح، سمعت الكثير من الأمور التي لم أكن لأعرفها لو بقيتُ في ريديل فقط.”
ظلّ والدي ينظر إليّ بصمت، ثم أخرج شيئًا من حامل الرسائل الموضوع فوق المكتب.
كانت رسالتي نفسها، تلك التي جعلت داميان يتفاجأ ويسأل إن كانت حزمةً من الوثائق.
وتظاهر والدي بإعادة قراءتها.
“حين تصل القديسة قريبًا إلى مويسين، اجعل الأرض موقعًا مقدسًا بعد أن تنال البركة، ثم استقبل الزوار.…”
ثم أطلق ضحكةً قصيرة.
“ها….هاها.”
كدتُ أشك في أذني. فهذه أول مرةٍ أرى ضحكةً تخرج من فم والدي الجامد الذي تحيط بشاربه المرتب أطراف شفتيه.
“وتقولين أيضًا: إذا رفعت عائلة الدوق لوار اسم المعبد عاليًا، فستحصل على شيءٍ لا تملكه عائلتنا.…”
ثم رفع نظره إليّ.
“حسنًا. أخبريني، ما ذلك الشيء؟”
أنتُ تعرف الجواب أصلًا.
لكنني أجبتُ بما يريد سماعه.
“سنحصل على احترام التابعين.”
“هاه!”
إذًا هذه هي النظرة التي تقول: كيف تجرؤين على استغلال قداسة المعبد العظيم وإرياس؟
“سيكون ذلك أفضل من بيع تلك الأرض بثمنٍ بخس لشراء خيولٍ جديدة للفرسان. بل إن خيول الفرسان ستأتيكم مجانًا.”
“ومن أين ستأتي؟”
“من المعبد. سيرسلونها تعبيرًا عن الامتنان ورغبةً في توطيد العلاقات. الأمر واضح. فلا بد لهم من تقديم شيءٍ لعائلة الدوق لوار التي ستتولى إدارة الأرض المقدسة.”
وبدا الاهتمام واضحًا في عيني والدي الآن.
لم يسبق له أن نظر إليّ بهذه النظرة من قبل. وكان ذلك تطورًا مذهلًا في علاقتنا.
“في الحقيقة، لم أصدق كلامكِ وحاولتُ بيع الأرض حتى وصل موكب القديسة العظيم إلى مشارف ريديل.”
“كنتُ متأكدةً من أنهم سيتوقفون في مويسين المجاورة لريديل. فهذا أقصر طريق.”
“وأي أحمقٍ قد يختار المرور بذلك المكان الوعر؟”
“أولئك القادمين من العاصمة والمعبد الذين لا يعرفون شيئًا.”
خلال حرب السنوات العشر تعرض الجزء الشرقي من مويسين لقصفٍ عنيف لدرجة أن تضاريس المنطقة نفسها تغيرت.
حتى الوادي المؤدي إلى مويسين انهار بالكامل.
اختفت القرى والطرق القديمة، وأصبح المكان مربكًا حتى للسكان الذين عاشوا فيه سنواتٍ طويلة. أما الرعاة فقد غادروه منذ زمن.
ولهذا ضل القادمون من العاصمة طريقهم، لأنهم لم يكونوا يعرفون حقيقة الوضع هناك.
“كل ما فعلناه أننا أرسلنا فرسان الإنقاذ قبل غيرنا من العائلات. لكن من كان يتوقع أن القديسة ماريسيلا ستشكر رحمة الدوقية بمنح تلك الأرض القاحلة بركتها؟”
تمتم والدي وهو يطرق سطح المكتب بأصابعه كعادته.
“صحيح. أهل العاصمة يعتمدون على الشائعات أكثر مما توقعتُ. ولا يهتمون كثيرًا بما يجري في المناطق النائية.”
وافقتُ على كلامه بهدوءٍ وأنا أراقب ردود أفعاله.
كان والدي يعرف كل ما أفعله. لكن معرفته لم تكن سوى أخبارٍ ينقلها إليه الأشخاص الذين يراقبونني.
أما الحقيقة….فهي أنه لا يعلم أبدًا أن روح ابنته الأصلية قد رحلت، وأن روحًا من عالمٍ آخر استقرت داخل جسد طفلته الوحيدة.
وها أنا….الابنة التي تخطط لانتزاع قطعةٍ من أراضيه من بين يديه.
استغلّتُ هذه الابنة العاقة الفرصة أخيرًا لتنفيذ خطتها السرية.
“أبي، أريد أن أواصل سد ما ينقص عائلة لوار في المستقبل.”
ثم دفعت أمامه بهدوءٍ شيكًا كنتُ قد أعددته مسبقًا.
“هذا جزءٌ من الأرباح التي استعدتها من استثماري في مسرحية “كيتلين” بمسرح سافرانيت. استثمرتُ جزءًا من المصروف الذي أعطيتني إياه عندما أرسلتني إلى العاصمة، وتمكنتُ من زيادته حتى بلغ أربعةً وعشرين غلين.”
وبمعنى آخر….لقد أصبح المبلغ كبيرًا إلى درجةٍ تكفي للحديث عن شراء عقاراتٍ في قلب العاصمة.
________________________
ريتا غنيههه تبين اخت بالتبني؟
ابي اشوف علاقة سوزان واخوها الحجر ذاه من قريب😂
المهم حتنى ابي اعرف امها ليه تطلقت و وين راحت وليه مخليه ريتا؟ يعني معقوله ماعندها مشاعر لبنتها الاولى؟ ريتا تحزن
Dana
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.