الفصل 44
في الغابة القريبة من الحديقة الخلفية المهملة للقصر، وتحديدًا تحت شجرة بلوطٍ ضخمة وكثيفة بشكلٍ لافت، وقع بصري على خصلات شعرٍ ذهبية تتلألأ.
“تاشا، لدي شيءٌ يجب أن أسترده من صاحب المنزل هناك.”
“اتبعيني. سأدلكِ على الطريق.”
بادرت إحدى خادمات عائلة أوريلنو الواقفة بجانبي إلى التقدم بسرعة.
وبينما كنتُ أتبعها نحو الباب الخلفي للقصر، أخذت تروي لي بعض القصص المتعلقة بالمكان.
“كان هذا مكانًا يستخدمه سيدي كثيرًا منذ طفولته. كان يستلقي على الأرجوحة المعلقة بين الأغصان ويستريح هناك.”
“حسناً. لديّ ما أتحدث به مع الماركيز، لذا اتركونا وحدنا قليلًا.”
“يكفي أن تتابعي الطريق الصاعد نحو الجبل مباشرة.”
وبعد أن أبعدتُ الخادمة متوسطة العمر، التي كانت تعاملني بلطفٍ شديد، وتاشا عني، أمسكتُ بطرف فستاني وعبرت عتبة الباب الخلفي للقصر.
كانت رائحة التراب الرطب الذي بللته أمطار الفجر تملأ المكان، بينما كانت أشعة الشمس تدفئه تدريجيًا.
وكانت خطواتي المتجهة نحو ذلك الرجل خفيفةً على نحوٍ غريب، حتى شعرتُ وكأنني أسير داخل حلم يقظة.
كان الطريق الجبلي الممهد بوضوحٍ بأقدام البشر، لا بالأدوات، منخفض الانحدار، فلم يكن صعوده متعبًا.
وكلما بدأتُ أرى ذلك الملجأ الصغير المختبئ في الظل البارد بعيدًا عن شمس أوائل الصيف، ازداد نبض قلبي.
تسللتُ ببطء، ممسكةً بطرف فستاني، واقتربتُ من الماركيز.
كان شعره الذهبي المنسدل بحريةٍ يتمايل مع النسيم الهابط من الجبل.
أما أشعة الشمس المتسللة بين أوراق البلوط فلم تكن قويةً بما يكفي لإيقاظ شخصٍ غارقٍ في نومٍ هادئ.
وكانت ذراعه اليمنى المتدلية خارج الأرجوحة، إلى جانب الأوراق المبعثرة حوله على امتداد جسده الطويل، كافيةً لتوضح مدى انشغال شين دي أوريلنو بالعمل.
ومهما كان سبب مجيئي هو البحث عن معلوماتٍ تتعلق بالكاتبة، فلم تكن لدي أي رغبةٍ في التطفل على وثائق أعمال عائلة غيري.
لذلك جمعتُ بهدوءٍ الأوراق المتناثرة التي قد تكون مهمة. ثم حبستُ حتى صوت أنفاسي وجلستُ القرفصاء إلى جوار الأرجوحة التي يستلقي عليها الماركيز.
كانت تلك أول مرةٍ أرى فيها هذا الوجه الملائكي وهو بهذا القدر من انعدام الحذر.
وفجأة، وكأنه يهاجم شرودي، انساب صوت شين الجميل من بين شفتيه المفتوحتين قليلًا كأنه زفرة بطيئة.
“….ولماذا لا توقظينني بقبلةٍ بدلًا من ذلك؟”
و من شدة الصدمة لم أستطع حتى الصراخ.
شعرت ببرودةٍ تجتاح صدري وكأن قلبي توقف عن النبض.
بينما ظل شين مغمض العينين، وارتجفت رموشه اللامعة قليلًا قبل أن ترتسم على شفتيه ابتسامةٌ خفيفة.
“أليست هذه هي اللحظة التي تسرق فيها البطلة قبلةً خفية، فيقع الأبطال في الحب، كما يحدث دائمًا في الروايات الرخيصة التي تقرئينها يا آنسة ريتا؟”
ورغم أنني كنتُ جالسةً أحدق فيه بذهولٍ دون أن أنطق بكلمة، بدا وكأنه يعرف ذلك حتى من دون أن يفتح عينيه، فاستغل الفرصة ليبدأ مزاحه المعتاد.
“إذا أصبحنا حبيبين بهذه الطريقة، فسأقتطع جزءًا من أراضي أوريلنو وأمنحه لكِ.”
“ماذا؟”
“ازرعي فيه ما تشائين، أو اغرسي الأشجار إن أردتِ. افعلي به ما يحلو لكِ.”
هاه. هل تعرف حقًا من الذي تحاول استفزازه الآن؟
لم يكن يهمني إن كان سيمنحني أرضًا فعلًا أم لا. لكنني شعرتُ بالغيظ منه فجأة، وكل ما أردته هو أن أراه مرتبكًا لمرةٍ واحدة.
بصمت، التقطتُ ورقة بلوطٍ كانت ساقطةً قرب قدمي.
كانت الورقة دافئةً بعد أن تشبعت بحرارة الشمس. فوضعت الأوراق التي جمعتها جانبًا، ثم مددتُ يدي بسرعةٍ ولمستُ شفتي شين بورقة الشجر برفقٍ قبل أن أسحبها فورًا.
فهل كان هو الأسرع عندما فتح عينيه فجأةً وحدق بي بوجهٍ مصدومٍ لا يصدق ما حدث؟ أم كنتُ أنا الأسرع حين تظاهرتُ ببراءةٍ كاملة وكأن شيئًا لم يحدث؟
“لماذا تنظر إليّ هكذا؟”
وبدا أن شين دي أوريلنو قد أساء الفهم تمامًا، إذ ارتسمت على وجهه ملامح تقول بوضوحٍ أن هناك مشكلةً كبيرة.
“يا آنسة.”
“نعم؟”
تعمدتُ أن أبدو لطيفةً إلى أقصى حد، وارتسمت على شفتيّ ابتسامةٌ بريئة وكأنني لا أفهم شيئًا، فقط لأقلب عالم الماركيز رأسًا على عقب.
وكان من الممتع رؤية وجهه الذي أخذ يشحب تدريجيًا يبرز بشكلٍ واضحٍ وسط هذا المشهد الدافئ الذي حتى ظلاله بدت مشرقة.
“ولماذا لا تناديني الآن بريتا؟”
ومن المدهش أن استفزازي التافه أصاب هدفه.
“آنسة لوار….هل تفعلين هذا مع أي شخص؟”
وبدأ اللون يتصاعد إلى وجه شين الشاحب حتى صار محمرًا بشكلٍ فوضوي.
لم أتوقع أبدًا أن يرتبك إلى هذا الحد.
ما الذي يحدث له؟
ومع التغير المفاجئ في تعابيره، بدأتُ أنا أيضًا أشعر بالارتباك، فانطلقت الكلمات من فمي قبل أن أرتبها في رأسي.
“هاه؟ لا. لماذا تقول شيئًا وقحًا كهذا؟ أنا أفعل هذا مع شين فقط. أنتَ تعرفُ ذلك جيدًا. أنا لا أمزح بهذه الطريقة إلا معكَ.”
“ما الذي تقولينه الآن بالضبط.…”
“أنتَ….أنتَ من قال شيئًا غريبًا أولًا، أليس كذلك؟ أنا لا أقبل أي شخصٍ بالمناسبة.”
“و ما فعلتهِ قبل قليل….أليس مزحةً كما قلتِ؟”
وبدون قصد، أصبحنا كلانا نتلعثم ونتصرف كساعة حائط معطلة.
كنتُ أنا أول من استعاد هدوءه، فسارعتُ إلى إعادة ورقة البلوط إلى شفتي شين ولمستها بهما مرةً أخرى ثم وضعتها في يده كدليلٍ على ما حدث.
بعدها مباشرةً ألقيتُ رزمة الأوراق على العشب، وأمسكتً بطرف فستاني وقفزتُ واقفةً ثم هربتُ عائدةً من الطريق الذي جئتُ منه.
ركضتُ بكل قوتي حتى لا أتعثر وأسقط.
‘ما به؟ لماذا يتصرف هكذا؟ لماذا كانت ردة فعله بهذه الصورة؟ كأنه واقعٌ في حبي فعلًا.’
لا. لقد قال بالفعل أنه يحبني. شين اعترف بذلك أكثر من مرة.
ولا أعرف كيف وصلتُ راكضةً حتى نافورةٍ قديمة لم أرها من قبل.
كنتُ ألهث بقوة، وعندما نظرتُ إلى المياه الراكدة المليئة بالطحالب داخل النافورة، رأيتُ انعكاس وجهي.
ففركتُ وجنتي المحمرتين بقوةٍ بظهر يدي. ومع ذلك، لم أستطع محو الحقيقة الصادمة التي أدركتها للمرة الأولى.
لقد بدأتُ أتساءل حقًا عن شين دي أوريلنو.
لماذا يحبني؟
“آه!”
أمسك أحدهم فجأةً بمعصمي السليم من الخلف. فصرختُ دون إرادةٍ مني من شدة المفاجأة.
ثم أمسك خصري وأدارني نحوه بعنف.
وكان ذلك الشخص شين نفسه، وما زال وجهه متوردًا بحرارة.
“الآن….الآن بعد أن جعلتِني على هذه الحال، هل ستكتفين بالهرب؟”
“ما بكَ؟ كانت مجرد مزحة!”
حبستُ أنفاسي داخل ذراعيه القويتين اللتين حاصرتاني.
كان قريبًا جدًا. هذه المرة، بدا وكأن المسافة بين شفاهنا لا تكاد تُذكر، حتى شعرتُ بدوارٍ خفيف.
“مجرد مزحة؟”
ولفت نظري التوتر الشديد في فكه وعنقه.
ثم خرج صوته منخفضًا من بين أسنانه المطبقة بإحكام.
“….غادري الآن.”
“ماذا؟”
“إنه أمرٌ بالمغادرة.”
“فجأةً هكذا؟!”
كان هذا أمرًا مباشرًا من شين بصفته صاحب هذا القصر.
“….لأنني مستاءٌ جدًا لدرجة أنني لا أستطيع التغاضي عن الأمر.”
شعرتُ أن جزءًا كبيرًا من كلامه قد حُذف.
لكن عينيه اللامعتين والممتلئتين بالمشاعر كانتا تشرحان كل شيء.
“بما أنكِ ما زلتِ قادرةً على اللعب بي بهذه الطريقة، فيبدو أنكِ بخيرٍ الآن. لذا اذهبي.”
“أم….ماذا؟! سترسلني دون حتى أن تقدم لي الطعام؟! لقد اقترب وقت الغداء!”
ولا أعرف أنا أيضًا لماذا كنتُ أتصرف هكذا. لكنني ببساطةٍ لم أرغب في أن يطردني.
“هذا ظلم! إذا أردنا التحدث بالعدل، فأنتَ أول من لعب بمشاعري يا شين!”
“لا أفهم ما الذي تتحدثين عنه.”
“كنتَ دائمًا تعبث بي وكأن الأمر مجرد لعبةٍ ممتعة بالنسبة لكَ!”
وعند سماعه ذلك، اشتد ضغط ذراع شين الملتفة حول خصري.
“ماذا؟ لا تستطيع إنكار ذلك، صحيح؟ كان الأمر مقبولًا حينها، أما الآن فأصبح مختلفًا؟ أنتَ مسموحٌ لكَ، وأنا لا؟”
وبسبب المشاعر المتدفقة داخلي، بدأت أرمي كلماتٍ أعجز حتى عن تحمل عواقبها.
أما شين، الذي تلقى سهام كلماتي كلها….فكان يبدو كصبيٍ يقف على حافة البكاء، عاجزًا عن استيعاب مشاعره المتدفقة.
ومع ذلك، بقي صوته حازمًا على عكس تعبيره.
“أعتقد أنني لم أُعد نفسي لكِ بعد. عودي مرةً أخرى لاحقًا.”
“أي إعداد؟ يبدو أنكَ أعددتَ كل شيءٍ بالفعل. هذه الملابس، والطعام، وغرفة الضيوف. حتى هذا الحذاء يناسبني وكأنكَ أخذت مقاس قدمي وأنا نائمة.”
“لا. ما زال الأمر غير كافٍ.”
وكأن قوله أنه مهتمٌ بي….وكأن قوله أنه يحبني….لم يكن خدعةً أو كذبة.
“ما زلتُ غير مستعدٍ بعد، لذا أرجوكِ….عودي في المرة القادمة.”
قناة التلجرام: https://t.me/+PE6p5xi2s882MWJk
_____________________
الفصل حلو حتى و هو طاردها بس ضحكت من حركة الورقه ضحك😭😭😭😭😭
ويوم انحاشت يعني انت داريه انها مب بوسه صدق ليه انحشتي؟ وهو لحقها بعد! مع انه متطقي انلعب عليه وصدق المسكين
المهم طلع صدق محهز لجيتها
و الحين دور ريتا توقع😘
Dana
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.