الفصل 43
وعندما طلبت منها بهدوءٍ أن تشرح السبب، تمتمت إيلين وقد ارتسمت على وجهها ملامح تفكيرٍ جاد.
“لا أعلم كيف ستتلقين الأمر يا آنسة لوار.”
وكان واضحًا أنها تبذل أقصى درجات اللباقة في شرح الأمر لشخصٍ عادي، كما يفعل شخصٌ متمرسٌ مع مبتدئ.
“….أماكن كهذه هي الأخطر. إنها تجعل الناس يتراخون ويشعرون بالأمان. وكأنها طاولة قمارٍ أُعدت بعنايةٍ للإيقاع بالضحايا عمدًا.”
“طاولة قمار؟”
“على الأقل داخل هذا القصر، كانت الحراسة متساهلةً أكثر مما ينبغي. أما الخارج فلم أتحقق منه بعد. كان الأمر وكأن….عند الفجر. شعرتُ أن أحدهم كان يعلم أنني سأتجول هنا.”
اتجهت نظرات إيلين الحادة نحوي. وقد استطعتُ تخمين ما لم تقله.
‘قصرٌ لا يبدو غريبًا أن تتجول فيه غريبةٌ مثلي وحدها عند الفجر.’
وكان من الصعب تجاهل المعنى الكامن خلف تلك الكلمات المحذوفة.
هل كان الماركيز….شين ذلك الرجل، يتوقع الأمر؟
كنا، من دون قصد، نتقصى شؤون بعضنا البعض ونحاول معرفة المزيد عن حياة الآخر وعلاقاته.
حسنًا، لنفترض أن شين توقع أنني سأتجول في هذا القصر. لكن لماذا….ترك الأمر يحدث؟
“أنا لا أريد أن أجد نفسي عالقةً بين الآنسة لوار و’ذلك الشخص’. لكن بدلًا من ذلك.…”
قالت إيلين كلماتٍ تحمل معنى عميقًا وهي تُخرج شيئًا من بين أغراضها.
وعندما فتحتُ الورقة، اتسعت عيناي دهشة.
في هذا الوقت القصير فقط، تمكنت من فهم مخطط القصر بهذا التفصيل ورسم خريطةٍ لكل طابق.
“لقد فتشتُ كل زاويةٍ تثير الشبهات وحددتها. ومن بينها، يبقى المكان الأكثر إثارةً للريبة بلا منازع.…”
سحبت إيلين إحدى الأوراق التي كنتُ أتصفحها، ثم أشارت بإصبعها إلى مكانٍ معين و أكملت بحزم،
“السجن الواقع تحت الأرض في هذا القصر. إذا كان الهدف مجرد احتجاز شخصٍ دون أي اعتبارٍ لسلامته أو صحته.”
“وماذا لو كانوا يعاملونه معاملةً مقبولةً إلى حدٍ ما؟”
“في تلك الحالة….هنا. يوجد الطابقان الرابع والخامس، وهما بعيدان عن متناول الخدم.”
كان قصر أوريلينو الكبير مبنيًا على شكل حرف “L”.
وبحسب ما اكتشفته إيلين، لم يكن هناك نبيلٌ يقيم فيه بصورةٍ دائمة سوى سيد الأسرة شين دي أوريلنو، ولذلك تُركت الغرف الفائضة مغلقةً بعد تغطية أثاثها بالأقمشة.
وكان نطاق حركة الخدم اليومية يقتصر فعليًا على الطابق الثالث، وحتى هناك كانت أغلب الغرف تستخدم كمخازن.
أما الطابق الثاني من الجناح الشرقي المتصل بالردهة الرئيسية، بما في ذلك الغرفة التي أقيم فيها الآن، فكان مخصصًا بالكامل للضيوف.
وفي الطابق الأول أسفلنا مباشرة تقع قاعة الطعام، بالقرب من المطبخ الموجود عند زاوية المبنى المنعطفة.
أما الجناح الغربي فكانت فيه غرفة عمل شين ومكتبته وغرفة نومه في الطابق الثاني، بينما توجد صالة الاستقبال في الطابق الأول.
ثم هناك الطابق السفلي المثير للمشكلة. إذ يوجد في مكانٍ لا يلفت الانتباه بسهولةٍ مدخلٌ يؤدي إلى السجن تحت الأرض.
وفجأةً طرق أحد خدم عائلة الماركيز الباب، فقفزتُ من مكاني تقريبًا من شدة المفاجأة، وسارعتُ إلى طي الخريطة التي رسمتها إيلين وإعادتها إليها.
ثم بدأ الخدم يجلبون تباعًا فساتين جديدة قالوا أن الماركيز أعدها لي.
حسنًا، هذا مقبول. لكن ما الذي يفترض بي فعله عندما يحضرون أكثر من عشرة فساتين من دور أزياء مشهورة؟
هذا مبالغٌ فيه إلى درجةٍ تشعرني بالحرج.
“كل هذه….لي أنا؟”
“إذا لم تكن الملابس على ذوقكِ، فأخبرينا بدار الأزياء التي تتعاملين معها عادة. سنرسل خادمًا ليشتري لكِ ما تريدينه.”
ليست هذه هي المشكلة أصلًا.
وقبل أن أستطيع الاعتراض، وجدتُ نفسي أُسحب من قبل رئيسة الخادمات والخادمات الأخريات اللواتي بدين في غاية الحماس، وبدأن يعتنين بمظهري بكل إخلاص.
“يا إلهي، ما أنعم بشرتكِ!”
“آنستنا جميلةٌ بطبيعتها، لذلك يناسبها كل ما ترتديه أو تضعه أو تزين به شعرها.”
وسط ضحكاتهن المرحة، اندمجت تاشا هي الأخرى في الأجواء وبدأت تمدحني بشكلٍ طبيعي.
أما أنا فكدتُ أموت من شدة الإحراج، وتمكنتُ بالكاد من تحمل ذلك الموقف.
ولأنني أكره المبالغة في التزين، فقد لاحظتُ تلقائيًا مدى العناية التي بُذلت في اختيار ملابس أقل زخرفةٍ نسبيًا.
لكن أن يكون الفستان تجسيدًا مثاليًا لعبارة “البساطة الباهظة الثمن”، فهذا أمرٌ غريبٌ حقًا.
‘إذا كان يملك كل هذه الأموال، فلماذا لا يعتني بحديقة القصر؟’
من المستحيل أن يكون ذلك الرجل المشغول قد اختار ملابسي بنفسه، فلا بد أنه أوكل المهمة إلى شخصٍ آخر.
لكن كيف أمكنهم إرسال ملابس تناسبني بهذه الدقة؟ أما مقاس الخصر فربما قدّره تقريبًا من خلال ما شعر به عند لمسه.
وعادت إلى ذهني بوضوحٍ ذكرى تلك اللحظة عندما دفعتُ شين.
حينها، بينما كان يتلقى دفعي بلطفٍ ويسقط على السجادة، كانت أصابعه الطويلة تطوق خصري بإحكام.
حتى الآن، شعرتُ وكأن أثر تلك اللمسة ما زال محفورًا على خصري كختمٍ لا يزول، ولهذا ظلّ الأمر يزعجني بلا سبب.
وعندما أخبرتني رئيسة الخادمات أن الماركيز منشغلٌ بالعمل وسيتناول طعامه على انفراد، أخبرتها أنني سأكتفي بتناول الإفطار هنا.
وبعد أن أنهيتُ فطورًا فاخرًا أُعد بعناية، غادر جميع خدم عائلة أوريلنو الغرفة.
ثم جاء الطبيب الذي بقي في القصر حتى اليوم التالي ليتابع فحصي للمرة الأخيرة، وبعد ذلك زارتني فلورا بريين وهي تحمل باقةً من الزهور قطفَتها من الدفيئة لأنها كانت قلقةً على صحتي.
“أنا….كنتُ قلقةً على صحة الآنسة، لذلك أحضرتُ بعض الزهور من الدفيئة.”
انظروا إلى هذا الوجه اللطيف الذي لا ينسجم إطلاقًا مع أجواء هذا القصر المخيفة.
“ألا تشعرين بالبرد؟ هنا، أضيفوا قليلًا من الفحم.”
وهذا القلب الدافئ الذي يقلق إن كنتُ أعاني من البرد بينما أنا مصابة، فيتفقد الجمر في الموقد!
“الماركيز أوريلنو دائم الانشغال. لذلك كنتُ أخشى أن تكوني تقضين فترة نقاهتكِ هنا وحيدةً وتشعرين بالوحدة.…”
وعيناها البنيتان الفاتحتان اللتان تراقبان رد فعلي بخجلٍ بينما تعبث أصابعها الصغيرة ببعضها!
“لستُ بارعةً في الحديث، لكنني أظن أنني أستطيع مساعدتكِ على تمضية الوقت. آه! أو ربما أحضر لكِ بعض الكتب؟”
طوال حياتي، لم أرَ حولي سوى والدي الدوق البارد، وفيفيان الوقحة، إضافةً إلى نبلاء يقتربون مني بعينين لامعتين فقط بسبب مكانتي كآنسة دوقية.
ولهذا، عندما رأيتُ هذه الآنسة الطيبة التي تشبه أشعة الشمس رغم بساطتها، تأثر قلبي بعد فترةٍ طويلة.
فلورا بريين. كانت ابنة إحدى العائلات التجارية الثرية جدًا في مملكة كروني، وهي العائلة التي تزوجت منها شقيقة الماركيز.
وقد همست لي تاشا بالأمس أنها على الأرجح أُحضرت إلى هنا ليتم تزويجها للابن الأكبر لعائلة آيزار النبيلة.
في الحقيقة، لم أكن مهتمةً بفلورا بريين أصلًا. فمن يتزوج من لا يعنيني بشيء.
لكن عندما التقيتها شخصيًا، اختلف الأمر.
“آنسة بريين، هل تحبين الكاتبة شيل إيفير؟”
سألتها مباشرةً دون تفكير. فأجابتني بتعبيرٍ محرجٍ قليلًا،
“شاهدتُ المسرحية، لكنني لم أقرأ الرواية الأصلية ولو مرةً واحدة.”
كيف يمكن لشخصٍ ألا يقرأ ذلك الكتاب الشهير؟
بصفتي معجبةً متحمسة، شعرتُ بصدمةٍ حقيقية، لكنني تماسكتُ وسألتها،
“لماذا؟ ألم يثر فضولكِ؟”
“هذا جزءٌ من السبب، لكنني في الحقيقة لم أملك الوقت الكافي.”
فبعد وصولها من الخارج، لم تحصل حتى على فرصةٍ للتأقلم مع آيزار، إذ دخلت المجتمع الراقي مباشرة. ومنذ ذلك الحين وهي تنتقل من مناسبةٍ اجتماعية إلى أخرى دون توقف.
والأهم من ذلك….أنه لا توجد أي نسخةٍ من كتب شيل إيفير في هذا القصر.
‘مستحيل! شين دي أوريلنو راعٍ رسمي للكاتبة، ومع ذلك لا يملك حتى كتابًا واحدًا لها؟!’
أما أنا فأحتفظ بعدة نسخٍ من نص مسرحية “كيتلين”!
‘لا أصدق أن هذا القصر الضخم لا يحتوي على كتابٍ واحد لكاتبتنا!’
فسارعتُ إلى استدعاء تاشا وأخذت منها الكتاب الذي أحمله معي دائمًا للكاتبة إيفير.
كانت النسخة الأولى من “كيتلين”، مزينةً بغلافٍ صنعته بيدي.
كتابٌ أحمله معي تحسبًا ليومٍ قد ألتقي فيه الكاتبة شخصيًا وأحصل على توقيعها.
“تفضلي. سأهديه لكِ يا آنسة بريين.”
وبينما كانت فلورا بريين تتلقى الكتاب المغلف بدهشة، اتسعت عيناها البنيتان الفاتحتان إعجابًا.
“يا إلهي….هل صنعتِ هذا الغلاف بنفسكِ يا آنسة لوار؟”
لقد شعرتُ منذ انتقالي إلى هذا العالم أن مهاراتي اليدوية أصبحت أفضل بشكلٍ غريب.
ربما لأنني ورثتُ موهبة ليفيريتا الأصلية.
“نعم، أنا من صنعه.”
“إنه تطريزٌ جميلٌ جدًا! لم أرَ من قبل زخارف زهورٍ كهذه.…”
كان الحديث مع فلورا بريين يمنحني راحةً مختلفةً تمامًا عن تلك التي أشعر بها عند الحديث مع الماركيز.
وقبل أن نشعر، كنا قد أمضينا وقتًا أطول مما توقعنا في الحديث.
وفي النهاية اعتذرت فلورا بريين، قائلةً أنها احتجزت مريضةً لفترةٍ طويلة أكثر من اللازم، ثم غادرت غرفة الضيوف وهي تبدو آسفةً حقًا.
‘لا بأس. إذا قرأت ذلك الكتاب وأصبحت معجبةً متحمسةً مثلي، فقد نصبح صديقتين مقربتين يومًا ما.’
وبينما أتخيل ذلك المستقبل بسرور، كنتُ أسير في الممر خارج غرفة الضيوف.
كانت أشعة الشمس قبيل الظهيرة مشرقةً وصافية. وعندما ألقيتُ نظرةً عابرة من النافذة المطلة على الجهة الخلفية للقصر، لمحتُ شخصًا لم أتوقع رؤيته.
وفي اللحظة نفسها، بدأ قلبي ينبض بقوة.
قناة التلجرام: https://t.me/+PE6p5xi2s882MWJk
___________________
شين✨ ابشرك قلبها قام يدق لا شافتك هاهاععههههاهاهاهاهاهاهاهااااااااااااا
بس يمه شكله صدق يدري؟ واكثر واحد مستانس بعد يضحك مخليها تسوي الي تبي🤏🏻
المهم حبيت ذي بريين كيوت يعني يارب الي متزوج اخت شين حبيب معها☹️
Dana
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.