الفصل 42
كان شين يبتسم ابتسامةً لطيفة وهو يدفع الملعقة نحو فمي.
“لستُ شخصًا عديم المراعاة إلى درجة أن أجعل آنسةً مصابة في معصمها تمسك الملعقة بنفسها.”
“أنا أستخدم يدي اليمنى. و المصاب هو معصمي الأيسر.”
“أعرف ذلك أيضًا.”
كاد ذلك الثعلب الماكر، الذي يهمس بصوتٍ منخفض، أن يصيبني بالجنون.
وعندما أعلنتُ بحزمٍ أنني لن أتناول الطعام إذا استمر على هذا النحو، استجاب شين بسهولةٍ أكبر مما توقعتُ و وضع الملعقة جانبًا.
أنهيتُ وجبتي بصعوبةٍ وأنا أتحمل نظراته اللطيفة والمليئة بالتعلق في الوقت نفسه، بينما أخبرني بأنه لا مانع لديه من بقائي هنا ما شئتُ، وأنه أرسل شخصًا إلى العمة سوزان الموجودة في ملحق لوار لإبلاغها بما حدث.
كان يتصرف ويتحدث بوقارٍ وثقةٍ لا يمكن لأحدٍ أن يعيبها، وكأنه السيد المثالي لهذا القصر.
حتى بدا صوته الذي كان يصرخ بلهفةٍ وهو يبحث عني داخل العربة المنقلبة وكأنه يعود لشخصٍ آخر تمامًا.
لم أستطع سوى التحديق في شين بذهول، وهو يُظهر جانبًا مختلفًا تمامًا عن ذلك الذي رأيته عندما كنا نتحدث في صالة استقبال ملحق لوار.
“إذًا سأستأذن الآن، حتى ترتاح الآنسة ريتا.”
أرفق شين تحيته المسائية العادية واللطيفة بابتسامةٍ دافئة بعينيه، ثم اختفى سريعًا خلف الباب.
وأثناء مساعدتي من قبل تاشا على تبديل ملابسي إلى ملابس النوم، غرقتُ في مشاعر معقدة أخرى.
‘كيف أحضروا هذه في مثل هذا الطقس الماطر؟’
كانت ملابس النوم المصنوعة من قماشٍ فاخرٍ والمناسبة تمامًا لمقاسي أبعد ما تكون عن ملابس الضيوف العادية.
وفي الوقت نفسه، لم تكن بطولٍ يناسب قريبة الماركيز الصغيرة التي تقيم في القصر.
بل حتى الحذاء المنزلي كانا مناسبين لقدميّ على نحوٍ مذهل. لا يمكن أنهم أعدوها مسبقًا.
كما أن خدم عائلة أوريلينو جهزوا كل شيءٍ بعنايةٍ لتاشا وإيلين أيضًا.
وكانت تعابيرهم مشرقةً على نحوٍ غريب.
وخاصةً عندما يتعاملون معي مباشرة، كانت وجوههم تتألق بشكلٍ لافت.
وبعد أن غادر الجميع، تذكرتُ فجأةً العمة سوزان التي لا بد أنها تلقت خبرًا عاجلًا يفيد بأنني تعرضتُ لحادثٍ بسيط.
ماذا أفعل؟ لا بد أن العمة سوزان تلقت الخبر وهي تكاد تكتم سخريةً ساخرة، معتقدةً أنني أُمثل كالعادة!
‘كم ستكون صدمتها كبيرة عندما تدرك أن ذلك الخبر الذي بدا كمزحةٍ من مزحات كذبة أبريل كان حقيقيًا بالفعل!’
أغمضتُ عينيّ بقوةٍ بينما كانت مؤخرة رأسي المتورمة تنبض بالألم.
فالشخص الذي أرسل الخبر لن يتمكن من العودة إلا في اليوم التالي بسبب الأمطار الغزيرة التي تمنع ركوب الخيل. ولم يكن هناك أي وسيلةٍ لمعرفة رد فعل العمة سوزان الآن.
وتبع ذلك أفكارٌ أخرى تلقائيًا.
‘لا بد أن حفل الاحتفال بآخر عرضٍ لمسرحية ‹كيتلين› قد بدأ الآن.’
كان الحفل يُقام في قصر مصمم الأزياء ريفر روان، ولم يُدعَ إليه سوى العاملين في المسرحية.
وبالنظر إلى شخصية ريفر التي تعشق كل ما هو مبهر، فلا شك أنه سيكون حفلًا فخمًا إلى حد الجنون.
وسيحضر جميع عشاق الترف في المملكة تقريبًا.
في الحقيقة، لم يكن الحفل هو ما يشغلني. الأهم من ذلك كله أنني لم أكن في المسرح الذي قُدم فيه العرض الأخير.
مجرد التفكير في أنني لم أشاهد العرض الختامي جعل معدتي تؤلمني وكأنها تُعصر بقوة.
كنتُ أحسد وأغار من كل من كان هناك، حتى شعرتُ أنني سأموت من الغيظ.
‘لكن لدي سببٌ مهمٌ يجعلني أتخلى عن العرض الأخير.’
فهل سأضيع فرصة البقاء في هذا القصر بعدما حصلتُ على سببٍ قانوني ومقنعٍ لذلك؟
إذا اكتشفتُ الليلة، عبر إيلين، أي دليلٍ على أن الكاتبة تتعرض للاستغلال، فإنني….
“آه، يبدو أنني سأتمكن أخيرًا من العمل بشكلٍ صحيحٍ اليوم.”
في تلك اللحظة بالذات، ظهرت إيلين من خلف الحاجز القابل للطي بعد أن بدّلت ملابسها إلى ملابس النوم.
كانت تفرك يديها بحماسٍ وتتمتم لنفسها بتوقعٍ واضح، فبادرتها بسؤال.
“أهذا كل شيء؟”
كانت ملابس النوم التي قدمتها عائلة الماركيز لإيلين وتاشا عبارةٌ عن فستان نومٍ أسود طويل الأكمام يصل إلى الكاحلين، خفيفٍ وعملي.
“إنه الزي المثالي إذا احتجتُ إلى الادعاء بأنني خرجتُ للتنزه لأن النوم لم يأتني. إذا بالغتُ في التنكر فسأثير الشكوك فقط.”
“وماذا لو سألكِ الحراس عن تلك الأدوات؟”
كان ما تحمله إيلين عبارةٌ عن حقيبةٍ جلدية بسيطة ومسطحة، تُلف وتُربط بخيطٍ للتخزين.
أما التوتر الذي كان يسيطر عليها بعد حديثها معي فقد اختفى تمامًا.
وكعادتها في إخفاء مشاعرها بإحكام، ولكن بطريقةٍ مختلفةٍ عن شين، رفعت طرف تنورة ملابس النوم وثبتت الحقيبة بإحكامٍ في الحزام الملفوف حول فخذها، ثم أجابت بلا مبالاة،
“إذا قلتُ أن بداخلها مستلزماتٍ نسائية، فمعظم الرجال، بل جميعهم تقريبًا، سيصابون بالارتباك ولا يعرفون ماذا يفعلون. أما النساء فسيعتبرن الأمر طبيعيًا.”
عندما سمعتُ ذلك، بدا الأمر منطقيًا فعلًا. فقد كانت تلك من النوعية التي يمكن تفسيرها كيفما يشاء المرء.
حتى تاشا، التي بدلت ملابس النوم وارتدت فوقها رداءً رماديًا محاكًا من الصوف، أومأت موافقة.
ثم تذكرتُ ما كانت إيلين قد أبلغتني به بالأمس بعد وصولها لأول مرةٍ إلى قصر الماركيز أوريلينو ومراقبتها للمكان.
فبحسب خبرتها طوال حياة السرقة التي بدأت منذ أن كانت في السابعة من عمرها، فإن أي قصرٍ يمتلك فرقة فرسانٍ لا بد أن يحتوي على سجنٍ تحت الأرض، ولذلك فإن البحث هناك أولًا هو أسرع الطرق.
“كما توقعت، يومٌ واحدٌ قصيرٌ جدًا لتفتيش هذا القصر. سأبدأ بالبحث في الطابق السفلي أولًا. مع أنني لا أظن أنهم سيتركون شخصًا يحتاج إلى الكتابة محتجزًا طوال الوقت في زنزانةٍ باردة.”
رتبت إيلين ملابسها بعنايةٍ ثم وجهت إليّ سؤالًا.
“على أي حال، ماذا ستفعلين إذا اكتشف الدوق لوار أنكِ تترددين على منزل رجلٍ أعزب بلغ سن الزواج؟”
كان سؤالًا مباشرًا جدًا، لكن يبدو أن تاشا كانت تفكر بالأمر نفسه، فاكتفت بإلقاء نظرةٍ حادة نحو إيلين ثم التفتت إليّ بوجهٍ قلق.
“صحيح. حتى الدوق لوار سيغضب من الآنسة إذا لم يكن هناك سببٌ مقنعٌ لما تفعلينه.”
“لا بأس. لدي خطةٌ لكل شيء.”
“سيقصر عمري من كثرة القلق عليكِ يا آنستي.”
“لا بأس. سأشرح لأبي أمر حادث العربة جيدًا. تاشا لم ترتكب أي خطأ.”
“هذه ليست المشكلة أصلًا!”
وعندما سألتها بلامبالاة عن المشكلة الحقيقية، لم تجد تاشا ما تقوله سوى أن تطلق تنهيدةً طويلةً وكأنها استسلمت للأمر الواقع.
أما إيلين فاكتفت بمراقبتي أنا وتاشا بصمتٍ بينما نتجادل كعادتنا.
وكان الليل الماطر يزداد عمقًا.
وبمجرد أن أنام، ستخرج إيلين لتتفقد القصر بهدوءٍ كفأرٍ صغير يتسلل في الفجر.
“إيلين. انتبهي لنفسكِ.”
قلتُ ذلك وأنا أتثاءب.
“هااام. الكاتبة مهمة، لكن سلامتكِ مهمةٌ أيضًا. فما فائدة كسب المال إذا لم تبقي حيةً لتنفقينه؟ أراكِ صباحًا.”
وبعيدًا عن هوسها بالكاتبة إيفير، كنتُ أحب في إيلين طريقتها في تجاهل النبلاء بازدراءٍ خفيفٍ والنظر إليهم بسخريةٍ غير متكلفة.
لقد كانت نوعًا من البشر لم أصادفه ولو مرةً واحدة منذ انتقلتُ إلى هذا العالم.
فالأمر مختلفٌ عن شيوخ عائلة لوار الذين يتصرف أكثر من نصفهم وكأن الاعتراف بامرأةٍ مثلي وريثةً للدوقية أمرٌ مستحيل، أو عن فيفيان التي كانت تحاول التسلط عليّ بازدراء، أو عن الخدم مثل تاشا والمربية الذين كانوا يذكرونني باستمرارٍ بأننا نعيش في عالمين مختلفين.
كانت رغبتي الصغيرة ألا أفقد هذه العلاقة اللطيفة والممتعة مجرد طمعٍ بسيط.
‘وربما يصبح الهروب مع إيلين الحرة في النهاية طريقًا آخر للنجاة.’
وإذا جاء ذلك المستقبل المحتمل يومًا ما، وهربت شخصيةٌ ثانوية مع شخصيةٍ ثانوية أخرى، فلن يهتم أيٌ من الشخصيات المحيطة ولا حتى القراء بالأمر.
وفوق ذلك، فأنا لا أشعر بأي أسفٍ تجاه قصة الحب المجنونة بين ماريسيلا وكيبيرن.
‘فليتدبرا أمر حبهما بأنفسهما.’
هل سيأتي يومٌ أستطيع فيه أن أشرح لكِ كل شيء؟ وعندما يأتي ذلك اليوم، أي نوعٍ من العلاقة ستكون بيننا؟
لم ترد إيلين على تحيتي. و اكتفت بخفض رأسها بصمتٍ وغادرت غرفة النوم.
***
فتحتُ عينيّ فجأةً على هواءٍ بارد.
ربما لأن قصر الماركيز أوريلينو يقع قرب الجبال، فقد كان الجو باردًا قليلًا حتى في أوائل الصيف.
وخاصةً داخل القصر العتيق، حيث كانت برودةٌ خفيفة تنبعث باستمرارٍ من الجدران.
لا بد أن الخدم يبذلون جهدًا كبيرًا للحفاظ على الدفء.
وبسبب ذلك البرد الغريب لم أستطع النوم، وتقلبتُ مرارًا في فراشي.
حتى عندما خرجت إيلين بحماسٍ لتفتيش القصر، كنتُ ما أزال مستيقظةً أعد زخارف السقف مرةً بعد أخرى.
وبدأت أشعة الشمس تشق طريقها عبر الغيوم الداكنة وتتسلل من بين ستائر الدانتيل.
يبدو أن المطر الذي كان يجتاح الأرض قد توقف أخيرًا. وكانت إيلين تفتح ستائر نافذة غرفة النوم بينما كانت تاشا توقظني.
ورغم حادث العربة بالأمس وسهرها طوال الليل، لم تبدُ عليها أي علامة إرهاق.
لكن ما قالته لي إيلين حين اقتربت كان أمرًا غير متوقع.
“هذا موضوعٌ منفصلٌ تمامًا عن تهديدات الآنسة لي. أنا لا أريد التورط أكثر من هذا.”
قناة التلجرام: https://t.me/+PE6p5xi2s882MWJk
______________________
شكلها انمسكت؟ ولا مستحيل المتحمسه فجأه تنسحب
بس حبيت يوم ريتا ودها تصادقها كيوت🤏🏻
المهم لو يدري شين انها ودها تنحاش معها طردها للأبد😂
بس تجننننن ريتا مره ثانيه يوم قالت مالي دخل خل يدبرون حبهم اهخع لو امدحها كل فصل مايكفي
Dana
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.