الفصل 41
كما توقعت تاشا، كانت الأمطار الغزيرة تضرب النافذة بعنف. وكان ذلك الضجيج يملأ الفراغات بين لحظات الصمت على نحوٍ مناسب.
“آنستي….لقد أخطأتُ..…”
هدّأتُ تاشا التي كانت تبكي وهي تلوم نفسها لأنها لم تتمالك غضبها.
وكانت إيلين، التي كانت في قلب الحادثة الكبيرة، تقف بجانبها مترددةً ومتوترة.
“سمعتُ أنكِ لم تُصابي بأذى كبيرٍ أيضًا يا إيلين؟ هذا مطمئن. تخيّلي لو انتهى بنا الأمر جميعًا مستلقين في منزل شخصٍ آخر، ألن يكون ذلك مضحكًا للغاية؟”
ضحكتُ وحدي بخفوت، لكن ما حدث قبل قليلٍ خطر ببالي فجأة، فتبدلت ملامحي إلى الجدية على الفور.
“وبعيدًا عن ذلك، يا إيلين. لا أنوي التغاضي عن كلامكِ السابق. بغض النظر عن كوني آنسة دوقية، فأنا، بصفتي قارئةً متحمسةً للكاتبة، لا أستطيع أبدًا أن أمرر تصريحاتكِ مرور الكرام.”
“….…”
“أنتِ….هل أصبحتِ مهووسةً بالكاتبة إيفير؟”
“لا.”
ما إن أنهت إيلين ردها القاطع حتى سارعتُ إلى مقاطعتها ومواصلة الاستجواب.
“إذاً لماذا تحدثتِ عنها وكأنها مجرد شيءٍ يُمتلك؟ أم أنكِ أيضًا تنظرين إلى الكاتبة على أنها إوزةٌ ذهبية تضع بيضًا ذهبيًا اسمه الأعمال العظيمة؟”
“إوزة ذهبية؟”
“أقصد، هل تنوين جلدها وإجبارها على الكتابة حتى تجني المال منها؟”
ترددت إيلين للحظة، لكنها في النهاية أطبقت شفتيها بإحكامٍ واختارت الصمت.
‘الأمر يتعلق بالكاتبة إيفير، ومع ذلك ستلتزمين الصمت أمامي؟ هه. حقًا لا أرغب في قول هذا.’
“هدفي هو حرية الكاتبة إيفير الكاملة. لكن من خلال كلماتكِ المقتضبة، يبدو أنكِ قد تفرضين عليها نوعًا آخر من القيود. تصرفاتكِ الآن تختلف تمامًا عما اتفقنا عليه عندما أبرمنا العقد في البداية. هل تحاولين خداع أميرة الدوقية الآن؟”
كان من الطبيعي أن تتساءل تاشا عن سبب لهجتي العدائية غير المعتادة تجاه إحدى مرؤوسيّ.
فألقيتُ عليها نظرةً جانبية وأنا أخفي توتري، لكنني وجدتها تهز رأسها باستمرارٍ وكأنها توافق على كل كلمةٍ أقولها.
وبتشجيعٍ من رد فعل تاشا، أعلنتُ لإيلين،
“لنُضف بندًا جديدًا إلى عقدنا.”
ولأول مرةٍ منذ لقائها بي، بدأت إيلين تُظهر الحذر.
“سأستمع إليه أولًا ثم أقرر. وإذا كان في غير مصلحتي فسأنسحب بالكامل.”
“تريدين الانسحاب الآن بعد كل هذا؟”
تظاهرتُ بالثقة وابتسمتُ بينما أطلقتُ كلماتي القسرية.
“استفيقي. آنسة دوقية لوار، ليفيريتا لوار لا تتفاوض معكِ الآن، بل تهددكِ.”
“وبماذا تنوين تهديدي؟”
خرجت الكلمات الخشنة من بين شفتي إيلين الرفيعتين.
“ما الذي يمكن لآنسة الدوقية أن تفعله أصلًا بلصةٍ قذرة مثلي.…؟”
“إذا رأيتكِ تتحدثين عن امتلاك الكاتبة أو تحاولين احتكارها والتعلق بها، فسأقطع جميع أصابع قدميكِ الكبيرة.”
فقدان إصبع قدمٍ كبير يجعل الحفاظ على توازن الجسم أصعب ويجعل المشي أكثر إزعاجًا، لكنه ليس شيئًا يمنع الإنسان من العيش.
لكن ماذا عن لصّةٍ تعتمد حياتها على خفة الحركة؟
وفوق ذلك….
“أليس هذا أهون من اقتلاع العينين عند إفشاء الأسرار؟ حسنًا، يا إيلين، المواطنة العامة التي هاجرت بشكلٍ غير قانوني من مملكة ديهاتي والمجرمة المطلوبة للعدالة. ماذا تنوين أن تفعلي الآن؟”
في هذه المرحلة، لا بد أن إيلين أدركت أن تهديدي بقطع أصابع القدم لم يكن مجرد كلامٍ فارغ.
كنتُ أستطيع تخيل المشهد دون أن أنظر. تاشا متجمدةٌ في مكانها، شاحبة الوجه، وفمها مفتوحٌ على اتساعه.
وكان واضحًا أيضًا أن إيلين بدأت تتساءل إن كانت قد قابلت الشخص الخطأ، وأن جرس الإنذار المزروع في برج مراقبة الأزمات داخل رأسها قد بدأ يقرع بجنون.
كانت جميع عضلاتها متصلبةٌ وكأنها فقدت القدرة على الحركة. وكان ذلك وحده كافيًا ليؤكد صدق كلامي.
أما إيلين، التي غمرتها الصدمة تمامًا، فلم تستطع سوى تحريك شفتيها بصعوبةٍ وكأنها تعصر أوتارها الصوتية انتزاعًا للكلمات، ثم سألتني،
“حتى هذا الأمر أيضًا….كيف عرفتِه يا آنسة لوار.…؟”
“وهل يجب عليّ أن أشرح لكِ كل شيءٍ بالتفصيل؟”
هل هناك حاجةٌ فعلًا لأن أخبرها أن هذه هي اللحظة المناسبة تمامًا لاستخدام المعلومات الشخصية التي أعرفها عنها مسبقًا بصفتي شخصًا انتقل إلى هذا العالم؟
كما توقعت. خفضت إيلين صوتها وتمتمت كما كنتُ أتوقع.
“….أنتِ تعرفين عني الكثير جدًا. إذًا لا بد أنكِ تعلمين أيضًا أنه إذا شعرتُ بالخوف وقررتُ الهرب حقًا، فلن تتمكني من العثور عليّ بسهولة.”
“صحيح. لكنكِ، بعد أن سمعتِ كل هذا مني، هل تظنين أنكِ ستستطيعين الهرب فعلًا؟”
كان هناك شخصٌ ظللتُ أتذكره طوال الوقت وأنا أهدد إيلين. شين حين كان يحدق في فيفيان بعينين باردتين وكأنه قادرٌ على تجميد أزهار الربيع نفسها.
متقمصةً شين في ذلك الوقت، أزلتُ حتى تلك الابتسامة الساخرة الخفيفة، و واصلتُ إبلاغها بنبرةٍ تهديدية.
“أخبريني لماذا أنتِ مهووسةٌ بالكاتبة إيفير.”
“لستُ مهووسةً بها.”
“إذا أخبرتِني، فسأشتري لكِ باستمرارٍ أعمالًا فنيةً مناسبةً لغسل الأموال.”
سقطت قطرة عرقٍ بارد من طرف ذقن إيلين. ورأيتُ قبضتها المشدودة ترتجف ارتجافًا طفيفًا.
“هل يزعجكِ أن النبلاء يبددون أموالهم؟ افعلي ما تشائين. هذا ليس تهديدًا.”
“آنستي، أسلوب كلامكِ مبتذلٌ جدًا!”
حتى في هذا الموقف، لم تنسَ تاشا أن تنتقد طريقتي الخفيفة في الكلام.
أعمالٌ فنية مناسبة لغسل الأموال. وبالمصادفة، سيحين وقتٌ مناسب للحصول على مثل هذه الأعمال قريبًا.
قريبًا، وخلال المعرض الفني الملكي الذي سيقام في سولتمور، سيدعو كيبيرن ماريسيلا إلى موعدٍ غرامي متذرعًا برغبته في تحسين مزاجها.
لكن ماريسيلا ستلغي الموعد بسبب معاناتها من مشكلة “التقمص” تلك.
وفي ذلك المعرض، سيشتري كيبيرن لوحةً لأحد الفنانين ويهديها إلى ماريسيلا.
بطل روايتنا لم يفعل أكثر من ذلك.
أما سبب شهرة ذلك الفنان لاحقًا فكان أن الناس تناقلوا أخباره لأنه الفنان الذي تقتني القديسة ماريسيلا من المعبد العظيم إحدى لوحاته المفضلة.
هل أخطط لاستغلال ذلك المستقبل، فأدعم الفنان مسبقًا ثم أشتري جميع أعماله؟
بالتأكيد لا. لا ينبغي لي أن أصنع أي سببٍ يربطني بكيبيرن. فالفنان الذي أستهدفه مختلفٌ تمامًا.
“آنستي، يبدو أن الماركيز قادم! هناك ضجةٌ في الخارج.”
انتبهتُ فجأةً من شرودي عندما سمعتُ همس تاشا المستعجل.
ثم أعلنتُ لإيلين ما تبقى لديّ.
“لكن طلبي منكِ ألا تتعلقي بالكاتبة هو تهديدٌ صريح. لا مجال للرفض. إذا هربتِ قبل أن نعود إلى الملحق ونضيف البند رسميًا إلى العقد، فسأطاردكِ حتى نهاية العالم وأقبض عليكِ.”
لم يكن لدي وقتٌ لتفحص تعبيرات إيلين المعقدة. فمجرد التفكير في ذلك الوسيم المذنب الذي يشغل ذهني وهو يقترب في الواقع جعل قلبي يرتبك بلا سبب.
“آنسة ريتا. هل يمكنني الدخول؟”
دوى صوت طرقٍ خفيفٍ على الباب مرتين، ثم انتشر صوتٌ رجوليٌ هادئٌ وعذب يستأذن الضيفة بالدخول.
“حتى لو رفضتُ، ستدخل على أي حال.”
لم أكن أنوي قول ذلك، لكن الكلمات المتذمرة خرجت من فمي تلقائيًا. لشعرت بحكةٍ غريبة في أذني كأن حشرةً دخلت إليها.
انفتح الباب، ودخل الماركيز بخطواتٍ واسعة بساقيه الطويلتين الممدودتين. وتبعته الخادمات وهن يدفعن عربةً تحمل صينية.
يبدو أنها وجبة عشاءٍ خفيفة.
“أنا آسفة. يبدو أنني أصبتُ في رأسي أكثر مما ظننتُ. وانتهى بي الأمر إلى مخاطبة الماركيز اللطيف بكلامٍ غير لائق.”
اعتذرتُ فورًا. لكن الماركيز، وكأن الأمر لا يعنيه على الإطلاق، جلس على الكرسي بجوار السرير الذي أستلقي عليه وطلب شيئًا آخر.
“لماذا تنادينني بالماركيز؟”
“لأن من يحمل لقب ماركيز يُدعى ماركيزًا.…”
“لكنكِ ناديتِني شين من قبل.”
أنا؟
“الآن لأن رأسي مصابٌ قليلًا، تحاول التلاعب بي وإقناعي بفقدان الذاكرة، لا….بل تختلق أشياء لم تحدث أصلًا.”
تجمدت ملامح ماركيز أوريلينو قليلًا.
لكن، بخلاف عادته حين كان يمازحني، كان هناك خيطٌ رفيعٌ من الوحدة ظاهرًا على وجهه.
ودون أن أشعر، سارعتُ إلى محاولة تخفيف تعبيره.
“همم. إذا كنتَ وحدكَ تناديني براحة، فذلك لا يبدو منصفًا. هل أناديكَ بالطريقة نفسها إذًا؟”
لا أعرف حتى أنا لماذا أفعل هذا. فقط، شعرتُ أن عليّ ألا أترك الأمر هكذا.
“شـ….شين….لماذا أتيتَ؟”
عندها فقط ارتخت ملامحه المتجهمة، وتفتحت عند زاوية شفتيه ابتسامةٌ رقيقة كزهرةٍ متفتحة.
وفي الوقت نفسه، لم يتمكن الأشخاص الذين كانوا يحضرون الطعام خلف الماركيز أوريلينو، أو بالأحرى خلف شين، من إخفاء ابتساماتهم الخافتة.
‘لا يمكن أنهم افترضوا مسبقًا أنني شريكة الماركيز المستقبلية ويستمتعون بهذا المشهد، أليس كذلك؟’
بدت رئيسة الخادمات والخادمات جميعًا، كما ورد في المعلومات التي أعرفها، في أعمارٍ متقدمة نسبيًا.
وكان من الواضح أن وصفهن بالأشخاص المخلصين الذين خدموا هذه العائلة طويلًا هو الوصف الأنسب.
‘أما الخادمة الأصغر سنًا نسبيًا، فقد قيل أنهم جلبوها على عجلٍ بسبب نقص الأيدي العاملة وحاجتهم إلى من يقوم بالأعمال البسيطة.’
ظللتُ أحدق في الماركيز شاردة الذهن، ثم استفقتُ فجأة.
“انتظر، انتظر لحظة! سأتناول الطعام بنفسي!”
قناة التلجرام: https://t.me/+PE6p5xi2s882MWJk
____________________
بنفسي؟ لايكون يلقمها؟😭 ايه ونعم الزوج
ايلين مدري وش تبي بس ما احسها تجيب المصايب عاد
اما ريتا يوم قالت مابي ارتبط بكيبرن! واو وقفة تصفيق للحلوه ذكيه فنانه رايعه عاقله فاهمه 👏🏻
المهم شين في قمة سعادته صح انها نست انها نادته باسمه بس عنها تناديه بعد هعهعهعهعهعهعهعهعهع
Dana
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.