الفصل 37
ما هذا؟ مستحيل. لا، لا يمكن أن يكون كذلك.
كان السائل الأحمر الذي يتساقط ببطءٍ من طرف أنف الماركيز المستقيم ينهمر فجأةً كأن أحدهم فتح صنبور ماء.
وبوصفي ضيفةً جاءت في زيارةٍ لا أكثر، كدتُ أفقد صوابي.
هل يُعقل أن ينزف هذا القدر من الدم لمجرد أن أعلى رأسي اصطدم بخفةٍ بمنطقة ذقنه؟
إنه موقفٌ مثاليٌ تمامًا ليُساء فهمه على أنني مارستُ العنف ضد سيد أسرةٍ نبيلة.
بل تصرفٌ فاضح يكفي لأن ينشر جانب الماركيز الشائعات بشأنه.
أما الماركيز، فقد بدا متجمدًا في مكانه من شدة الصدمة، وهو يحدق بوجهٍ شارد إلى الدم المتدفق الذي كان يبلل يديه.
***
إذا فكرتم بالأمر، فقد كان رد فعلٍ طبيعيًا.
فمن الطبيعي أن يُفزعه منظر ليفيريتا وهي تندفع نحوه فور أن أخرج الرسالة التي كتبها متظاهرًا بأنه شيل إيفور.
حين يمتلئ مجال رؤيتك فجأةً بوجه الشخص الذي يشغل تفكيرك طوال اليوم، فمن المستحيل ألا يرتجف قلبك.
بدءًا من العينين الزرقاوين الفاتحتين الصافيتين اللتين انعكس عليهما ضوء الشمس المتسلل عبر النافذة، مرورًا بأنفها، وصولًا إلى شفتيها اللتين بدتا ناعمتين.
ظلّ شين عاجزًا عن إبعاد نظره عن الشفتين المقتربتين أكثر فأكثر، حتى تجمد كقطعةٍ من الجليد.
‘حتى لو هاجمتِ أضعف نقاطي وأنا في أكثر حالاتي عجزًا، فسأغض الطرف إن كان الفاعل هو أنتِ دون سواكِ.’
وقد صُدم شين دي أوريلينو بنفسه من هذه الفكرة. هو الذي أمضى حياته كلها متحملًا العيش تحت التهديد.
ليفيريتا التي اخترقت دفاعاته بدقةٍ في اللحظة التي كان فيها أضعف ما يكون.
لكن تلك “القاتلة” نفسها كانت في الواقع مرتبكةً بشدةٍ بعد أن رأت الطاولة وقد انقلبت إلى فوضى، وقد انكمشت معنوياتها وهي تعتذر.
“آسفة….آسفة حقًا. كنتُ خائفةً أن يأخذ الماركيز الرسالة على سبيل المزاح كما فعل في المرة السابقة.…”
‘كما توقعتُ. إذًا لهذا تصرفتِ بهذه الطريقة المفاجئة.’
وفي الحقيقة، لم يكن بوسعه حتى أن يلومها، لأن كلامها صحيح.
لا يمكن أن ينزف هذا القدر من الدم لمجرد اصطدامٍ خفيف عند الذقن. إذًا لم يبقَ سوى تفسيرٍ واحد.
‘هل هو الإرهاق المفرط؟’
في الآونة الأخيرة، كانت حياة شين اليومية مزدحمةً على نحوٍ لا يُصدق. فمحاولته كسب ودّ ليفيريتا جعلته يفعل أشياء لم يعتد عليها من قبل، حتى لم يعد اليوم يكفيه.
‘لولاكِ، لما عدتُ للكتابة أصلًا.’
كان على أولئك الذين يعيشون بفضل اسم شين إيفير، وعلى قرائه المتحمسين، أن يشكروا ليفيريتا.
أما المرأة التي أجبرته على حمل القلم مجددًا، فكانت على غير عادتها تتصبب عرقًا باردًا من شدة القلق.
و ما إن رأى الدم حتى بدأ الغثيان يعتصر معدته.
لقد رآه حتى السأم طوال حياته، ومع ذلك لم يستطع أبدًا أن يعتاد تلك الرائحة المعدنية العنيفة التي كانت تحاول مرةً أخرى أن تستدعي ماضيه….
“أيها الماركيز أوريلينو، لا بأس.”
توقفت تلك الذكريات عند الحزم الذي حملته لمسة يدٍ صغيرة وناعمة.
“إنه مجرد نزيف أنف.”
‘هل أنتِ من النوع الذي يهدأ عندما يرى شخصًا آخر في موقفٍ أكثر إرباكًا منه؟’
فعلى عكس نبرتها الحازمة التي أوحت بأن الأمر لا يستحق القلق، كانت اليد التي تمسك أنفه بالمنديل بقوةٍ مناسبة….حنونةً للغاية….
شعر شين بحرارةٍ تتصاعد إلى أطراف أذنيه وسط مشاعره المعقدة.
ولسببٍ ما، شعر أنه ليس ضعيفًا حتى وهو يترك نفسه بين يدي ليفيريتا. وأن إظهار ضعفه ليس أمرًا سيئًا.
‘لأنكِ تهتمين بي.’
رفع عينيه اللتين كانتا تنظران إلى الأسفل، فرأى على وجه ليفيريتا تعبيرًا قلقًا لم يره منها من قبل.
امتدت أصابعها بحذرٍ لتتحسس جبهته، وانتقلت إليه دفعةٌ دافئة من حرارتها.
“حرارتكَ مرتفعةٌ اليوم أيضًا. هل أنتَ مشغولٌ جدًا هذه الأيام لدرجة أنكَ لا ترتاح؟”
“….…”
“وهل تنام أصلًا؟”
في تلك الأثناء، كانت نظراتهما قد اقتربت حتى باتت المسافة بينهما تكفي للشعور بأنفاس الآخر.
كان وجهها الأبيض كالزنبقة يرتدي وشاحًا من ضوء الشمس، ويتموج أمامه كالسراب. فشعر شين بمعدته تضطرب بحرارة.
هل أصابه فقر الدم بسبب النزيف المفاجئ؟ فلم يستطع التقاط أنفاسه، كما لو أنه أصيب بضربة شمس.
وفي الوقت نفسه، تذكر لعبةً كان يلعبها في طفولته مع شقيقته فيرونا.
وفجأة….أصبح فضوليًا لمعرفة المستقبل الذي قد يجمعه بليفيريتا.
راودته رغبةٌ طفولية في أن يقطف بتلات زهرة كاثرين الصغيرة التي تحبها ليفيريتا واحدةً تلو الأخرى، وهو يتمتم: تحبني، لا تحبني، تحبني….
ويريد أن يجرّب تلك العرافة الساذجة بالزهور. إلى أن تظهر النتيجة التي يتمناها.
‘أريد فقط أن أتمسك بأملٍ صغيرٍ وسط هذا الواقع القاسي.’
حتى لو سُحقت تلك الزهرة تحت الأقدام، فلن تعرف ليفيريتا شيئًا. فالألم سيكون له وحده، لشين وحده.
مال شين برأسه قليلًا وألصق جبهته برأس ليفيريتا المستسلمة دون حذر.
وفي تلك اللحظة التي بدا فيها الزمن كله وكأنه توقف، لم يكن هناك أي متطفلٍ ليقاطعهما.
‘ماذا لو احتقرتِني يومًا وغادرتِ؟ لكن لا يمكنني التراجع الآن. أنا.…عندها لن أستطيع التوقف أكثر من ذلك.…’
ازدادت رائحة الدم المعدنية كثافة. تلك الرائحة التي كانت تذكره بماضيه العنيف بدأت تُغطّى بذكرياتٍ أخرى.
“……لدي شرطٌ مقابل أنكِ جعلتِ سيد أسرةٍ نبيلة ينزف.”
على عكس ما توقعه شين، الذي ظن أنها ستشعر باليأس وتقول: “كنتُ أعلم أنكَ ستطلب شيئًا كهذا”، اكتفت ليفيريتا بالتحديق إليه.
ماذا كانت تقصد؟
حين رأى التعبير الذي صار يزداد غموضًا على وجهها، شعر بالاضطراب في صدره يتفاقم أكثر فأكثر.
لكن إن لم يكن الآن، فلن تتاح له فرصةٌ مثالية كهذه ليتشبث بها ويطلب منها ما يريد.
“اسمحي لي أن أناديكِ ريتا.”
***
بعد أن عالجتُ الموقف على عجل، أخذتُ أهز الجرس بقوةٍ واستدعيتُ الخدم. وطلبتُ من الخادمات المذهولات أن يحضرن ماءً باردًا ونظيفًا ومناشف.
لكن الماركيز قال شيئًا غير متوقع تمامًا.
سألني إن كان يستطيع أن يناديني باسم “ريتا”، كما تفعل عمتي سوزان.
رسمتُ بيننا خطًا واضحًا ببرودٍ وأخبرته أننا لسنا أصدقاء. لكن الماركيز بدا وكأنه اتخذ قراره مسبقًا، فراح يحدق إليّ بعينين صافيتين ويؤنب ضميري عمدًا.
“إذا لم يكن التسبب بنزيف أنفٍ بين شخصين بسبب شجارٍ بالأيدي دليلًا على القرب، فما هو إذًا؟”
“….…”
“أنا أجد حتى تصرفات الآنسة المفاجئة هذه لطيفة….فهل سيشعر الدوق لوار بالأمر نفسه إن أخبرته؟”
“حسنًا، توقف عند هذا الحد.”
في تلك اللحظة اندفعت الخادمات إلى الداخل وبدأن الاعتناء بحالة الماركيز.
عندها وقعت عيناي على الرسالة المبللة. فأطلقتُ صرخةً صامتة وأنا أتفقدها متأخرة.
كانت الرسالة قد ابتلت بالكامل وتلطخ الحبر فيها حتى اختفى كل شيء.
‘أيتها الكاتبة….أعتقد أنه من الأفضل أن أخرج وأموت فحسب.’
لقد بقيت الرسالة طويلًا وسط ذلك الموقف المحرج، حتى أصبح من المستحيل معرفة محتواها.
حتى داخل العربة في طريق العودة إلى المنزل….
وحتى بعد وصولي إلى الملحق….
وحتى قبل أن أنام….ظل مشهد الرسالة المبللة بماء الشاي البارد يطاردني، فكنتُ أضرب صدري ندمًا.
توسلتُ إليه أن يعطيني رسالةً أخرى بدلًا منها. لكن الماركيز رفض رفضًا قاطعًا.
وقال بحزم إن الخطأ خطئي أنا، فلماذا أعاتبه هو؟
ثم همس متعمدًا بصوتٍ ناعمٍ وكأنه يريد أن يسمعه جميع الخدم،
“لنلتقِ مجددًا في المرة القادمة، ريتا.”
تدحرجتُ فوق السرير بعنف. فلم يكتفِ الأمر بأنني صنعتُ ذكرى محرجة ستلاحقني مدى الحياة، بل أضعتُ أيضًا رسالة الكاتبة الثمينة.
‘يجب أن أنسى هذا الإحراج بأي طريقةٍ كانت!’
ولحسن الحظ، كان التوقيت مناسبًا. فكما أخبرتُهما مسبقًا، جاءتا تاشا و إيلين إلى غرفتي متجنبتين أنظار الآخرين.
“آنستي، سندخل.”
قالت تاشا ذلك وهي تطرق الباب بهدوءٍ قدر الإمكان. وبعد أن أذنتُ لهما، دخلتا دون أن يصدر عنهما أي صوت.
كنتُ أقف في وسط غرفة النوم مرتديةً ملابس النوم، وورائي ضوء الشموع الخافت، ثم أعلنتُ بوجهٍ جاد،
“لقد استدعيتكما لأنني أخيرًا بدأتُ أهدأ قليلًا بعد الصدمة النفسية الناتجة عن جعلي وجه سيد أسرةٍ نبيلة ينزف.”
“هذا مُريح. ظننتُ أنني سأُطرد دون أن أتقاضى أجري.”
رأيتُ بوضوحٍ تاشا وهي تعقد حاجبيها فور سماع كلام إيلين.
في ملحق لوار، كانت تاشا الشخص الوحيد الذي يعرف حقيقة إيلين.
و في عربة العودة من منزل الماركيز بالأمس….وأثناء جلوسي أضرب صدري ندمًا من شدة الإحراج غير قادرةٍ على الاستماع إلى أحد….دخلتا تاشا و إيلين في شجارٍ صغير.
لم يكن الشجار بحد ذاته أمرًا مهمًا. فمن الأساس بدا أن شخصيتيهما لا تنسجمان إطلاقًا.
تاشا، التي عاشت تتلقى تدريباتٍ قاسية على يد والدها القاتل المأجور، كانت تمتلك معايير ثابتة في الحكم على البشر. وإذا تجاوز شخصٌ ما ذلك الحد، كانت تقطع علاقتها به دون تردد.
أما إيلين، التي بدت وكأنها وُلدت في هذه الحياة لتعيش بحريةٍ مطلقة، فكانت من النوع الذي يتجاوز تلك الحدود التي رسمتها تاشا بطريقةٍ مبهمة.
فعلى عكس تاشا التي كانت تؤمن إيمانًا راسخًا بأن الخادم يجب أن يخدم النبيل الذي وظفه حتى موته،
كانت إيلين ترى أن النبيل الذي لا يدفع الأجر في موعده يستحق أن يُقتل بغض النظر عن لقبه، وأن المال المستحق يجب انتزاعه منه بالقوة إن لزم الأمر.
وكان موقفها باختصار،
“في النهاية، الجميع يعملون من أجل المال. فإذا كان النبيل لا يدفع أجرنا، فهل يُعتبر إنسانًا أصلًا؟ حتى أفراد العائلة المالكة سيتلقون طعنةً في ظهورهم إذا فعلوا ذلك.”
قناة التلجرام: https://t.me/+PE6p5xi2s882MWJk
____________________
معلينا من ايلين المهم صايره احب وجهة نظر شين من يوم وقع يجنننننن وش ذا الحلاوهههههه
يومه يقولها ريتا بعد ياااااااااااااااااااااوكككك
اهم شي انه قدر يناديها ريتا بعد مافقعت خشمه و هددها بأبوها😭
المهم ريتا بكبرها تو ماوقعت وراك مشوار شين انت تستطيع
بس حتى وهي ماوقعت حنونه معه☹️🤏🏻 (عشان مايدري ابوها)
Dana
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.