الفصل 35
فتحتُ نافذة العربة أكثر قليلًا واستقبل وجهي نسيمٌ منعش.
‘آه….الآن فقط عرفتُ مصدر تلك الرائحة العالقة في حضنه.’
كان هواء الصباح في غابة أشجار التنوب المنتشرة على سفوح الجبال المنخفضة الواقعة عند الحدود بين المملكتين نقيًا وصافيًا. وبفضله هدأ قليلًا خوفي من مستقبلٍ لا أعرف ما الذي يخبئه لي.
كانت العربة الرباعية التابعة لدوقية لوار تندفع بلا ترددٍ على الطريق الذي ما زالت قطرات الندى تغطيه.
‘إذًا، لقد سلكتَ هذا الطريق لتأتي إلى الملحق الريفي لعائلة لوار.’
وعلى عكس الطرق التي يقطنها الأثرياء، كان هذا الطريق يتطلب مغادرة شوارع العاصمة سولتمور والتوغل شمالًا غربيًا داخل الجبال.
وكلما تقدمنا قلّت آثار البشر، حتى لم يعد يُرى في النهاية سوى غابةٍ لا تنتهي.
لقد كانت بيئةً منغلقة بكل معنى الكلمة.
حسنًا، فهي عائلة ماركيزٍ حدودي، فلا بد أنهم عاشوا في مثل هذا المكان جيلًا بعد جيل.
‘إن الجهد الذي يبذله ليركب العربة منذ الصباح الباكر ويأتي لإزعاجي مثيرٌ للإعجاب حقًا.’
كان الجدار الحجري والمدخل المقوس خلف الخندق المائي المشكّل من مجرى طبيعيٍ للنهر متهالكين في أماكن عدة، حتى بدا وكأنهما قد ينهاران في أي لحظة.
فهل يمكنهما أصلًا صد الأعداء؟
بل إن البوابة الحديدية داخل المدخل كانت متآكلةً بالصدأ إلى درجةٍ يمكن ملاحظتها من بعيد.
“وماذا لو سقطت البوابة فجأةً فوق أحد المارين وتسببت في حادث؟”
“أليسوا أثرياء؟ هل يهتمون أصلًا بصيانة المكان؟”
كان ينبغي أن ألاحظ غرابة الأمر منذ تلك اللحظة.
أنا وتاشا والخبيرة الجديدة التي وظفناها، إيلين، كنا في العربة التي تشق طريقها فوق تلةٍ منخفضة، وعندما وقع نظرنا على المظهر الخارجي للقصر شككنا في أعيننا.
كان قصر الماركيز أوريلنو يحمل بوضوح ٍآثار سنواتٍ طويلة تركت أمجاده القديمة تتلاشى بلا اكتراث.
كان قصرًا ضخمًا إلى درجة أن عدّ نوافذه من الخارج وحده قد يستهلك يومًا كاملًا.
صحيحٌ أن الملحق الريفي لعائلة لوار كبيرٌ أيضًا، لكن هذا القصر المشيد عند نهاية سهلٍ شاسع ومتخذًا من الجبال حصنًا له كان خارج نطاق المقارنة تمامًا.
ولو كان لديهم بستانيٌ لوجب طرده دون أجرٍ بتهمة الإهمال الوظيفي.
فالحديقة التي كانت يومًا ما مصممةً لإبراز جمال القصر الأمامي بدت وكأنها موجودةٌ فحسب، غير آبهةٍ بقدوم الربيع أو عدمه.
حتى أكثر النبلاء زهدًا وبُعدًا عن الموضة ما كانوا ليتركوا قصرهم بهذا الشكل.
“لا بد أنهم كانوا يكتفون بكنس خيوط العنكبوت سريعًا بالمكنسة ويعيشون هكذا.”
لقد كان المكان أشبه ببيت الأشباح داخل مدينة ملاهٍ.
“يا إلهي، ما هذا؟”
تمتمت إيلين التي كانت تطلّ من النافذة بخفة، وقد عجزت عن كتمان دهشتها. أما تاشا الجالسة بجانبها فغطت فمها بيدٍ واحدة وهي تحدق في المشهد بذهولٍ صامت.
“كنتُ أظن أن قلعة دوقية لوار متقشفةٌ نوعًا ما، لكن قصر أوريلنو….أسوأ بكثير!”
والدي الدوق لوار المهووس بالعمل. قد ينسجم مع الماركيز أوريلنو على نحوٍ غير متوقع.
لكن دهشتي من التناقض الصارخ بين ملامح الماركيز الأنيقة الحادة وطبيعته الحساسة من جهة، ومظهر القصر من جهةٍ أخرى، لم تدم طويلًا.
استجمعت رباطة جأشي وأنا أتذكر تصرف الحراس الذين صادفتهم قبل قليل.
فعلى الرغم من زيارتي المفاجئة، فقد سمحوا للعربة بالمرور فورًا وكأنهم كانوا يعلمون بكل شيءٍ مسبقًا.
اهدئي. لديّ ما يجب علي فعله.
‘يجب أن أحضر الرسالة التي كتبتها لي الكاتبة.’
أشعر بالأسف تجاه والدي في هذه الحياة، لكنني من النوع الذي يؤمن بأن التمسك بالكبرياء وحده لا يُطعم خبزًا.
هل هذا تصرفٌ صبياني؟
لقد سألتُ نفسي هذا السؤال مرارًا وتكرارًا. وفي كل مرةٍ كانت النتيجة واحدةً لا غير.
وإن كان تصرفًا صبيانيًا، فماذا في ذلك؟
‘أي شخصٍ سيرى أن شين دي أوريلنو مريب.’
كان هناك احتمالان للمؤامرة.
أولًا، أن يكون الماركيز قد فعل شيئًا للكاتبة.
ثانيًا، أن يكون قد استدرجني إلى القصر بحجة الكاتبة، ثم يحتجزني ويتزوجني ليستولي على الدوقية.
سأتحقق من كل هذه الشكوك بنفسي.
ولا بأس إن لم أصطحب أي فارسٍ مرافق. ففي الحقيقة….
“آنستي، رغم أن هذا القصر يبدو مخيفًا، فإنه ليس خبيثًا كما توقعتُ.”
همست تاشا لي بصوتٍ خافت وكأن الأمر فاجأها.
في الواقع، لم تكن تاشا هيغنر مجرد الابنة الكبرى لعائلةٍ من المزارعين المستأجرين.
كان هناك سببٌ آخر يجعلني، وأنا ابنة دوق، أتنقل عادةً برفقة ثلاثة أو أربعة فرسانٍ مرافقين وتاشا وحدها كخادمةٍ شخصية.
وفي تلك اللحظة ألقت تاشا نظرةً سريعة على محيطها ثم أبدت رأيها.
“أظن أنني أستطيع طرح أولئك الحراس أرضًا بسهولة.”
“حقًا؟”
“هذا المستوى يكفي تمامًا. حقًا، أعتقد أن الدوق لوار قد يجد نفسه منسجمًا مع الماركيز أوريلنو أكثر مما نتوقع إذا التقيا! يبدو أنه اختار فقط الحراس العمليين والأكفاء دون أي مبالغة.”
ما إن أدلت تاشا برأيها الصريح، وكانت تشاركني الفكرة نفسها، حتى رمقتها إيلين بنظرةٍ مشككة وكأنها لا تستطيع تصديق ما سمعته.
وذلك مفهوم. فأنا أيضًا لم أصدق الأمر قبل أن أرى تاشا بعيني وهي تتعارك بالأيدي مع أحد الفرسان في قلعة الدوق لوار.
بعد أن سقطتُ في بركة قصر عائلة فيفيان ونجوتُ من الموت بأعجوبة، تم استبدال جميع خادماتي الشخصيات.
وبالنسبة لي، كان ذلك أفضل. فمع أن الخدم السابقين لم يتنمروا على ليفيريتا الأصلية أو يحتقروها، إلا أن قلةً منهم فقط كانت تعتني بها حقًا.
كما أنني لم أكن أحب اصطحاب عددٍ كبيرٍ من الأشخاص معي أينما ذهبتُ.
حينها أحضر لي والدي خادمةً ذات موهبةٍ خاصة تدعى تاشا هيغنر وعيّنها إلى جانبي.
ولم تكن سرعة البديهة أو براعتها في إنجاز الأعمال أعظم مواهب تاشا ولا أبرز نقاط قوتها.
فإن حاول شين دي أوريلنو العبث معي، فلن ينتهي الأمر عند مجرد تلقيه ضربًا مبرحًا.
“يبدو أن لدي الكثير من العمل لأقوم به.”
بعد انتهاء تاشا من حديثها، أضافت إيلين بهدوءٍ وبنبرتها الرصينة المعتادة،
“هذا المكان واسعٌ لدرجة أن من حقي المطالبة بمكافأةٍ إضافية لاحقًا من الآنسة. أشعر أن معصمي سيسقط من كثرة العمل.”
لم أكن بحاجةٍ إلى النظر لأعرف أن تاشا ترسل إليها نظراتٍ تحذيرية تطلب منها أن تنتقي كلماتها بعناية.
كانت إيلين خبيرةً أوصى بها تاجر المعلومات وير.
أما وصفها بالخبيرة، فالأدق أنها صانعة مفاتيح وسارقةٌ محترفة حققت إنجازاتٍ تفوق عمرها بكثير.
وبحسب تاجر المعلومات، فإن أعظم إنجازاتها أنها تحمل لقب “صديقة الأشباح الزرق”.
وبما أنني قرأتُ الرواية الأصلية، فقد كنتُ أعرف جيدًا معنى ذلك اللقب.
‘كم كان مرهقًا أن أتظاهر بالجهل.’
كاد الأمر يوقعني في الشبهات، إذ كيف لي أن أعرف لقبًا لا يعرفه إلا القليل من الفضوليين؟
فألقيتُ نظرةً خاطفة على إيلين، صاحبة الملامح العادية إلى درجة أنكَ قد تمر بها في الطريق دون أن تنتبه إليها.
كانت قد صبغت شعرها بالأسود باستخدام صبغةٍ خاصة ورفعته بعناية، كما ارتدت زي خادمةٍ مفصلًا على مقاسها، حتى بدا وكأنها تعمل أصلًا لدى عائلة لوار منذ سنوات.
باستثناء أسلوبها المتحرر في الكلام.
“إذا كان المكان بهذا الحجم، فحتى لو كان هناك شخصٌ محتجزٌ هنا فلن نعثر عليه خلال أيامٍ قليلة. المعلومات المتوفرة قليلةٌ جدًا.”
“لا تقلقي. أنا مستعدةٌ لدفع ما يكفي.”
ما إن تخيلتُ الكاتبة محتجزةً في هذا المكان حتى انقبضت قبضتي تلقائيًا.
لا داعي للخوف. ليفيريتا لوار الحقيقية كانت تفعل ما هو أكثر من ذلك بكثير.
أيتها الحسناء الثانية في آيزار بحسب ما يقال. لا ترتعبي أمام الماركيز، وفتشي القصر من أعلاه إلى أسفله، وخذي كل ما يتعلق بالكاتبة….
“يا لها من مفاجأةٍ سارة أن تزورنا الآنسة ليفيريتا لوار بنفسها. لا أعرف كيف أعبّر عن سعادتي.”
في اللحظة التي وطئت فيها قدميّ داخل المدخل، استقبلني شين دي أوريلنو بوجهٍ يفيض فرحًا حرفيًا بصفته سيد عائلة الماركيز.
و اضطررتُ إلى بذل جهدٍ كبير حتى لا أُظهر ارتباكي. فلم أتخيل قط أن يبدو أكثر إرهاقًا مما كان عليه من قبل.
استمرت التحيات المهذبة الممزوجة بعبارات المجاملة الراقية وحركاته الأنيقة.
وعندما رأيتُ ابتسامته المشرقة المعتادة بعينيه، راودني شعورٌ غريب وكأن رهان الدم الذي خضناه بيننا لم يكن سوى وهمٍ من نسج خيالي.
“هذه قريبتي، فلورا بريين.”
عرّف الماركيز الفتاة التي كانت تراقبني بخجلٍ من خلفه، مطلةً برأسها قليلًا.
لقد كانت نفسها الشابة النبيلة التي رأيتها داخل عربة عائلة أوريلنو في المرة السابقة.
كانت تملك شعرًا مجعدًا بلونٍ بني محمر، جمعته نصف رفعةٍ وربطته بشريطٍ أزرق، فيما زينت النمشات اللطيفة جسر أنفها.
وبعد أن قدمنا الماركيز إلى بعضنا، تبادلنا تحيةً رسمية بدت متكلفةً قليلًا.
استغليتُ حالة الارتباك العامة وأخذتُ أتفحص بسرعةٍ بهو الطابق الأول في القصر.
كان هناك درجٌ خشبي داكن اللون يلتف على جانبي البهو المهيب في قوسٍ واسع. وتحت الدرج بابان ضخمان، واحدٌ على كل جانب، يقودان إلى ممراتٍ داخلية.
ربما يؤديان إلى غرفة الطعام أو صالة الاستقبال.
أما الباب الواقع في المنتصف، فأين يقود؟
هل يوجد خلفه بيتٌ زجاجيٌ في مؤخرة القصر أم….
عندها، همس الماركيز من خلفي بصوتٍ منخفضٍ جدًا بحيث لا يسمعه أحدٌ سوانا،
“لقد اشتقتُ إليكِ.”
قناة التلجرام: https://t.me/+PE6p5xi2s882MWJk
____________________
والله شخصية الولهان تناسبه😭
زين انها راحت بدري وهو ليه مسوي متفاجئ ؟ من الي مناديها؟
اما ايلين ماتوقعتتت سراقه😭😭😭 حسبتها زي تاشا ولا اي شي وش ذاه
تاشا توقعت من يوم لاحظ شين ركضتها
المهم ريتا اشكر تفكير انه يمكن يحبسها ويتزوجها يعني صدقت انه يحبها حتى لو حب مجنون🙂↕️
Dana
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.