الفصل 32
أوضح في رسالته، بصدقٍ يكاد يمزق القلب، أنه لم يكن يملك الوقت ليستشيرني بعد أن تلقى العرض المفاجئ من الماركيز. فلو لم يلتحق الآن، لاضطر إلى الانتظار حتى العام القادم.
ومع ذلك، لم أستطع إنكار شعوري بالاستياء منه لأنه رحل مكتفيًا بترك رسالة.
ولهذا أمضيتُ أيامًا أتجول في الحديقة تحت أشعة الشمس الدافئة، أحدق في السماء بشرود.
إن شغف التعلّم شيءٌ رائعٌ حقًا….
وبغض النظر عما أقدمه له أنا، فليستغل أموال الماركيز ما استطاع، وليقتطع منها ما يشاء كما يُنتزع اللحم عن العظم.
‘لكن….لماذا يدعم الماركيز إيليو فيدليه أصلًا؟’
لو اتبعتُ طباعي، لكنتُ غادرتُ قصر بول بيرجيه مباشرةً متجهة إلى قصر أوريلنو.
لكنني كتمتُ غضبي بكل ما أملك من قوةٍ وانتظرتُ. فعلى أي حال، شين دي أوريلنو سيأتي بنفسه إلى ملحق لوار لرؤيتي.
ومرت الأيام. ووصلت مجلة بلانت الأسبوعية إلى الملحق.
وكما في كل مرة….زارنا ذلك الماركيز الذي يستحيل معرفة ما يدور في رأسه.
حتى لو انتهى اللقاء السابق نهايةً سيئة، كان يعود في اللقاء التالي مبتسمًا وكأن شيئًا لم يحدث.
لكن اليوم كان مختلفًا. لقد جاء الماركيز أوريلنو وقد عقد العزم على أمرٍ ما.
وكنتُ قادرةً على إدراك ذلك فورًا.
ابتسم لسوزان ابتسامةً مشرقة كعادته، لكنه لم يحاول إخفاء التوتر المرسوم على وجهه أمامي.
تذكرتُ لقاءنا الأول غير المريح، فاشتدت قبضتي حول فنجان الشاي.
هل سأرى أخيرًا حقيقته الكامنة خلف الخطوط التي رسمها حول نفسه؟
لكن….بدل ذلك جاءني بخبرٍ لم أكن أتخيله قط.
خبرٌ ربما كان جميع من في ملحق لوار ينتظرونه، باستثنائي أنا وحدي.
وما إن بقينا وحدنا في غرفة الاستقبال حتى سألته مباشرة،
“لماذا تكفلتَ برسوم دراسة إيليو؟”
“أليس إبعاد المنافس أحد التصرفات الطبيعية التي يقوم بها من وقع في الحب؟”
شككتُ في سمعي للحظة.
“تحدث بوضوحٍ وادخل في صلب الموضوع.”
“أنا لا أقول سوى الحقيقة.”
نهض الماركيز فجأةً واقترب بخطواتٍ واسعة من الأريكة التي أجلس عليها.
ثم استند بذراعه إلى ظهر الأريكة، وانحنى مقتربًا من أذني، وهمس بصوتٍ عذب على نحوٍ خطير،
“في ذلك اليوم الأخير الذي التقينا فيه….أنتِ من جعلتني أدرك الأمر.”
“….…”
“قد لا أستطيع الجزم بأن ما أشعر به هو الحب، لكن اهتمامي بكِ حقيقيٌ تمامًا. نعم، ما كنتُ لأستمر في المجيء لرؤية شخصٍ لا أهتم به. حتى أنا لم أكن أفهم مشاعري، لكنكِ أنتِ من منحتني مفتاح الحقيقة.”
“….…”
“ولهذا أبعدتُ منافسي إلى مكانٍ بعيدٍ جدًا….دون أن أصل إلى حدٍ يجعلكِ تحزنين.”
“.……”
“بل وأرسلته إلى معهد التدريب الذي كان يحلم به، لذا لا داعي للقلق بشأن ذلك الكلب الوفي.”
من دون وعيٍ دفعتُ صدره الصلب ونهضتُ فجأة.
وبدا في البداية وكأنه سيتراجع بسهولة، لكنني كنتُ منفعلةً لدرجة أنني أخطأتُ موطئ قدمي وفقدتُ توازني.
فأمسكني قبل أن أسقط….ثم تدحرجنا معًا فوق السجادة السميكة.
حتى خلال تلك اللحظة القصيرة أثناء سقوطنا….وحتى عندما لامست إحدى ركبتي السجادة….ساورني الشك.
‘لا يمكن أن يسقط رجلٌ مثله لمجرد أن امرأةً ببنيتي دفعته.’
كانت السجادة المفروشة على الأرض جديدة، جرى استبدالها مؤخرًا استعدادًا لوصول والدي.
سجادةٌ فاخرة على الطراز الجنوبي للقارة.
وفي غرفة الاستقبال البيضاء الأنيقة الخالية تقريبًا من الزخارف، كانت تلك السجادة ذات النقوش الأجنبية الباذخة أكثر ما يلفت النظر.
وفوقها تناثرت خصلات شعر الماركيز الذهبي، مضيفةً إلى المشهد جماله الأخير.
كان يحمل مسحةً من الانحلال الآسر….لكن دون أي ابتذال.
تخلى عن ملامح البراءة المصطنعة كلها. وكشف عن نواياه الحقيقية وهو يرفع عينيه نحوي بنظرةٍ استفزازية.
وقد اقتربتُ منه حتى كاد أنفي يلامس أنفه المستقيم.
ولم أستطع إخفاء المشاعر المتضاربة التي كانت تعصف بداخلي.
“هل كنتَ دائمًا تتخلص من كل من يزعجكَ أو لا يعجبكَ بهذه الطريقة؟ هل تؤذيهم جميعًا؟”
“لنكن دقيقين يا آنسة لوار.”
قال ذلك بهدوء.
“هل تعرض إيليو فيدليه للأذى؟”
“…….”
لا. لقد ذهب للدراسة في الخارج بطريقةٍ قانونية وسليمة. وحقق الحلم الذي كان يتمناه.
وسيكتب إليّ رسائل مليئةٍ بالسعادة وهو يعيش أيامه الجديدة في التعلّم.
فهو مجتهدٌ ومهذب، وسيحسن التأقلم أينما ذهب.
أمسك الماركيز خصري بيده الكبيرة بينما كنتُ شبه مستلقيةٍ فوقه، ثم تابع حديثه بنبرةٍ هادئة تكاد تقلب المرء رأسًا على عقب،
“يبدو أنني لستُ الوحيد المرتبك من الطريقة التي اضطررتُ بها لإثبات مشاعري.”
حدقتُ فيه و تحدّثتُ ببرود،
“بالنسبة لشخصٍ يقول إنه مرتبك….فأنتَ وقحٌ بصورةٍ مذهلة.”
في الحقيقة، الشخص الذي كان على وشك أن يفقد وعيه من شدة الارتباك هي أنا.
‘ما الذي يحدث لي؟’
هذا غريب. لا بد أنني واقعةٌ تحت تأثير سحرٍ ما لأنه قال أنه يحبني بذلك الوجه.
كان صدر الماركيز العريض والصلب الذي أستند إليه بيدي حارًا إلى درجةٍ شعرتُ معها وكأن الحرارة تخترق القماش.
والآن بعد أن أفكر في الأمر، فقد كان دائمًا يرتدي ملابس بسيطة. لكن لأن وجهه كان مشرقًا ونبيلًا بصورةٍ استثنائية، حتى أبسط الثياب كانت تُبرز وسامته أكثر.
واليوم أيضًا كان يرتدي ربطة عنقٍ سوداء مرتبة، ودبوسًا فضيًا بسيطًا بلا أحجار كريمة، وقميصًا خفيفًا….
وفجأة….لأنني كنتُ قريبةً منه إلى حد التصاق صدورنا تقريبًا، استطعتُ أن ألاحظ شيئًا.
أشعر بأن وجهي يحترق.
وليس أنا وحدي. بل الماركيز أوريلنو أيضًا.
‘هل هو مريض؟’
وبينما كنتُ أحدق في وجهه الوسيم، عاد إليّ ذلك الشعور الذي راودني سابقًا….
الرغبة في لمس ذلك العبوس الخفيف بين حاجبيه.
فمددتُ يدي دون وعي، ولمست بأطراف أصابعي المسافة بين حاجبيه برفق.
إنه….ساخنٌ فعلًا؟
“هل تشعر بالألم في مكانٍ ما؟”
وفي اللحظة نفسها التقت عيناي بعينيه المتسعتين قليلًا.
آه. تصرفتُ باندفاعٍ دون أن أشعر.
“شعرتُ أن لديكَ حمى.”
سحبتُ يديّ بسرعةٍ وأنا أبرر فعلتي.
لكن في اللحظة التالية أمسك الماركيز بمعصمي فجأة. و كان الربيع المتفجر يعصف داخل عينيه.
مشاعرٌ لم أرها فيه ولو مرةً واحدة من قبل كانت تتدفق منه بلا توقف.
و يده الكبيرة التي غطت جانب وجهي بالكامل. حتى من خلال القفاز الأبيض شعرت بحرارتها الدافئة.
حرارة؟ ما الذي أقوله؟ لا بد أنني فقدتُ عقلي.
“….إذًا كانت غيرةً فعلًا.”
تمتم الماركيز بصوتٍ منخفض.
“لو أن اليد التي تلامس وجهكِ الآن كانت يد رجلٍ آخر، لكنتُ راغبًا في قطعها.”
كدتُ أنجرف بلا مقاومةٍ خلف ذلك الجو المشحون.
‘ألم يتحدث الماركيز الآن تمامًا مثل السيد دافيدريان؟’
يا للعجب. كيف أفكر في شيءٍ كهذا في موقفٍ كهذا؟
“أفلت يدي.”
ولأنني من عشاق القصص، تمكنتُ بطريقةٍ ما من عدم الانجراف مع الأجواء، فاكتفيتُ بتحذيره بهدوء.
“لا أستطيع تقبل هذا. منذ لقائنا الأول وأنتَ تكرهني بشدة، أليس كذلك؟ ربما نشأت لديكَ بعض المشاعر بعد أن التقينا عدة مرات، لكنني ما زلتُ حذرةً منكَ.”
تصلبت ملامح الماركيز قليلًا بعد سماع جوابي. لكن نظرته نحوي بقيت قويةً كما هي.
“لولا قضية الكاتبة إيفير، لما كنا نجلس ونتحدث هكذا أصلًا.”
لا أعرف ما الذي أزعجه في كلامي. لكن الماركيز أطلق ضحكةً ساخرة.
“هاه….تلك اللعينة شيل إيفير.”
أمسكني من كتفي ومن خصري وساعدني على الجلوس.
ثم تحدّث،
“صحيح. لو لم يكن هناك شيل إيفير، لما رحبتِ بشخصٍ مثلي أصلًا. بل لكنتِ تعاملينني كساعي رسائل لا أكثر. وفي الحقيقة، أليس هذا ما تفعلينه حتى الآن؟”
ساد حولي وحول الماركيز الجالس على السجادة جوٌ حار لا يمكن وصفه.
أشعر بالاختناق.
“أنا أعرف أكثر من أي شخصٍ آخر أن الطريقة الوحيدة لجذب اهتمامكِ هي استخدام شيل إيفير كرهينة.”
هذا خطير. كان قريبًا جدًا مني.
قاومتُ بصعوبةٍ شعوري بأنفاسي تتسارع تحت ضغط حضوره.
كان قلبي يخفق بجنون، لكنني عضضتُ على أسناني بقوةٍ حتى لا يظهر ذلك.
“أنتِ تشكين بي، أليس كذلك؟ تتساءلين إن كان ماركيز أوريلنو الذي تتحدث عنه الشائعات يحتجز شيل إيفير بالقوة ويجبرها على الكتابة.”
كادت لمسات أصابعه وهي تداعب معصمي المغطى بالقفاز أن توقف قلبي.
لكنني تماسكتُ وصفعتُ يده بعيدًا.
بينما ظل معصمي محتفظًا بحرارته وكأنه وُسم بعلامة. فأمسكته بيدي الأخرى كأنني أخفيه، ثم قطبت حاجبي وحدقتُ فيه،
“نعم. ما زلتُ أعتقد أنه من الممكن أنكَ تقترب مني لتخدعني.”
“غريبٌ حقًا. أنتِ شخصٌ عقلانيٌ إلى هذه الدرجة، ومع ذلك تفقدين كل حكمتكِ عندما يتعلق الأمر بشيل إيفير.…”
تمتم شين دي أوريلنو وهو يلتقط طرف خصلةٍ من شعري.
“أشعر بالغيرة….غيرةٌ تكاد تدفعني إلى قتلها بعد أن أفصلها عنكِ.”
يا إلهي! أيتها الكاتبة، أنتِ في خطر!
قناة التلجرام: https://t.me/+PE6p5xi2s882MWJk
_____________________
اوميقاد! ماتوقعت يعترف بسرعه كذا واو!
اجل عشان كذا تحسب شين حابس الكاتبة في القصة 😭😭😭😭😭😭
ماتوقعت واحد بالميه يعترف وهي تدري انه يبيها فتروح تنقذ الكاتبه وش ذاه ضحكت حبيتتتتت
ابيه يكمل اعترافه او هي تقوله بفكر مابيها ترفضه مره وحده ثم بيزيد هوسه المجنون
وكذا انتهى تصنيف اعداء بدا لأحباء بس من طرف واحد😂
Dana
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.