الفصل 29
كان الماركيز يصغي بصمتٍ إلى انطباعاتي المتحمسة التي لا تتوقف، وبينما بدا وكأنه سيرتشف الشاي أو لا، انتهى به الأمر إلى وضع الفنجان على الطاولة بهدوءٍ تام.
ثم نهض فجأةً واتجه نحو النافذة، وبدأ يتأمل بلا تركيزٍ منظر الحديقة في أواخر الربيع.
لم أكن أرى سوى ظهره، لكنني كنتُ أعلم أنه يصغي إلى كلامي باهتمام، لذلك تابعتُ التعبير عن رأيي دون اكتراث.
“حقًا، يبدو أن الكاتبة إيفير لا يوجد موضوعٌ تعجز عن الكتابة عنه! بالمناسبة، ألم تعترض دار النشر على هذه المخطوطة؟”
“على العكس، لقد أعجبتهم.”
“آه، حقًا؟ إذًا ما رأيكَ أن يظهر هذا منذ بداية الفصل الثاني؟”
“عفوًا؟”
فالأنماط التقليدية تنجح في كل مكان، أليس كذلك؟ خاصةً في الأعمال التي تدور حول الحب بين رجلٍ وامرأة!
“أن تبدأ القصة بسيدةٍ نبيلة ترتكب خطأً ليلةً واحدة مع الدوق الأكبر، بطل الرواية.”
أصبح تعبير وجه الماركيز جديرًا بالمشاهدة فعلًا.
“يبدو أنه أعجبكِ؟ كنتُ أعلم ذلك.”
وهكذا بدأتُ أسرد واحدًا تلو الآخر أشهر الكليشيهات الشائعة في الروايات الرومانسية الخيالية.
الطلاق أولًا ثم الوقوع في الحب، والزواج التعاقدي مع دوق الشمال صاحب القلب البارد….تلك القصص ممتعةٌ للغاية….
واصلتُ الحديث طويلًا حتى جف ريقي، ثم أغلقتُ فمي قليلًا لألتقط أنفاسي، وعندها تحدّث الماركيز بشيءٍ غير متوقع.
“….يسرني أنني تعرفتُ اليوم إلى جانبٍ جديدٍ من الآنسة لوار.”
كانت خطواته التي بدأت تتجول قرب المدفأة المنطفئة تبتلعها السجادة السميكة فلا يصدر عنها أي صوت.
“يبدو أن الآنسة لا تحب الأشياء الحلوة، كما أنها لا تتحرج كثيرًا من الحديث عن العلاقات بين الرجال والنساء.”
همم. ربما كنتُ صريحةً أكثر من اللازم.
“لكننا جميعًا نعرف هذه الأمور، أليس كذلك؟ ألم تتلقَّ تعليمًا عنها أيضًا يا ماركيز؟”
ارتجف الماركيز بوضوح.
“لماذا هذا الحرج بين النبلاء؟ آه، لا تقل لي إن هذا النوع من التعليم يُعطى للفتيات فقط؟”
“…….”
عند هذه النقطة استطعتُ أن أدرك الأمر فورًا.
اتضح أن ماركيز أوريلنو ضعيفٌ على نحوٍ مفاجئ أمام الأحاديث ذات الطابع الجنسي.
هاه. كنتُ أظنه يعرف كل شيءٍ بعدما كان يتباهى وكأنه المرجع الأعلى في شؤون الحب.
ومع ذلك فقد تمكن من إيصال آرائي إلى الكاتبة بطريقةٍ ما.
‘هل ينبغي أن أشكره على ذلك؟’
ولأنني لم أجد ما أقوله، قضمتُ ما تبقى من قطعة الشوكولاتة التي كنت قد أكلتُ نصفها، ثم ألقيتُ نظرةً جانبية عليه بلا سبب.
كانت رموشه الذهبية المنعكسة على زجاج النافذة تتلألأ تحت أشعة الشمس، لدرجة أنها أخفت حتى الظلال القاتمة المحيطة بعينيه.
حدقتُ فيه مطولًا حتى خُيل إليّ أن السكر سيتساقط إذا رمش بعينيه، وعندما لمح انعكاسي على الزجاج ابتسم لي مرةً واحدة و تحدّث كعادته،
“هل تجدين مظهري أكثر جاذبيةً من كل تلك الحلويات على طاولة الشاي؟”
“….كنتُ أفكر بهذا منذ المرة السابقة، لكن يبدو أن الماركيز يدرك جيدًا كيف يراه الآخرون.”
“بالطبع.”
تقدم الماركيز نحوي بخطواتٍ واثقة. ثم وضع يده على صدره وانحنى بأدب كما لو كان يدعوني إلى رقصة،
“في الحفلات الراقصة لا أحتاج حتى إلى أن أبادر بالتحية، فالسيدات يلتففن حولي من تلقاء أنفسهن وهن يتمنين أن يرقصن معي رقصةً واحدة. كيف لي ألا ألاحظ ذلك؟”
ومد يده المغطاة بقفازٍ أبيض بهدوء.
“لا تقل أنكَ تريد الرقص هنا؟”
“بلى. انهضي.”
ثم وجدتُ نفسي أتبعه بذهول، مبتعدةً عن طاولة الشاي التي كانت تفوح منها رائحة الحلوى.
“تخيلي أننا نؤدي رقصة فالسٍ خفيفة.”
ووضع يده برفقٍ حول خصري.
أما أنا فقررتُ أن أرى إلى أين يريد أن يصل بهذا الأمر، فسايرته فحسب.
“عادةً ما تتعمد النبيلات ارتكاب الأخطاء، ثم يتكئن على صدري.”
“آه….”
“يتظاهرن بأنهن أخطأن الإيقاع، أو يتصرفن كما لو أنه أقدامهن إلتوت.”
كانت يدي مستندةً بخفةٍ فوق يده الكبيرة، وشعرتُ بأصابعه تتحرك برفقٍ تحتها، تضبط الإيقاع بنقراتٍ خفيفة.
ولأننا كنا نتمايل وسط غرفة الاستقبال دون أي موسيقى تعزف، بدا المشهد مضحكًا للغاية.
فانفلتت مني ضحكةٌ قصيرة دون أن أشعر.
عندها همس الماركيز في أذني بصوتٍ امتزجت فيه الضحكة،
“هل بلغ بكِ الإعجاب بوسامتي حدّ الضحك؟”
“لا! صحيحٌ أنني أحب الرجال الوسيمين، لكن ليس إلى درجة أن أرغب في الارتماء في أحضانهم. الرجال الوحيدون الذين أحبهم إلى هذا الحد هم أولئك الموجودون داخل الكتب.”
فسأل الماركيز بصوتٍ خافت،
“ومن هو الرجل المفضل لديكِ في الكتب إذًا؟”
“بالطبع، صاحب المركز صفر الأبدي في قلبي هو أركوس من رواية <كيتلين>.”
“أي مركزٍ هذا؟”
“آه، المركز صفر يعني أنه فوق التصنيف أصلًا….يمكنكَ اعتباره بمثابة الزوجة الشرعية.”
“الزوجة الشرعية.…؟”
تلاشى صوته في النهاية وكأنه لا يفهم المقصود، فرفعتُ رأسي نحوه بلا وعيٍ ثم انتفضتُ قليلًا.
هل أصبحتُ أتعامل معه براحةٍ مفرطة؟
لم أدرِ متى سمحتُ له بالتسلل إلى داخلي بهذا الشكل، حتى صار قريبًا إلى هذا الحد.
كان أنفه المستقيم أقرب مما توقعت. ومن صدره العريض الذي كنتُ أستند إليه قليلًا انبعثت رائحةٌ منعشة ونظيفة غير مصطنعة.
من أين جاءت هذه الرائحة؟
وبينما كنتُ أستنشقها خلسةً وكأنني أرتكب أمرًا مشينًا، تفاجأتُ بنفسي فتظاهرتُ باللامبالاة،
“همم. من كلامكَ يبدو أن الجميع يعرفون الشائعات المتعلقة بالماركيز أوريلنو، ومع ذلك ما زلن يرغبن في الرقص معكَ.”
دون سابق إنذار رفع الماركيز خصري بكلتا يديه وأدارني دورةً خفيفة. فاهتزت رؤيتي فجأة.
ولأن ذهني كان مشتتًا بتلك الرائحة الغريبة، لم أستطع حتى إطلاق صوت دهشة، فتعثرتُ واستقررتُ تمامًا بين ذراعيه.
….لو كنتُ أنا قبل انتقالي إلى هذا العالم لانتهى بي الأمر في عيادة العظام بعد التواء ساقي للتو.
قدفعتُ صدره الصلب وابتعدتُ عنه، ثم حدقت في ذلك المحتال بنظرةٍ حادة،
“يبدو أن النساء الأخريات كنّ يغفرن لكَ كل شيءٍ بمجرد أن تبتسم لهن هكذا.”
“وبالمناسبة، ألم تشعري بأي شيءٍ قبل قليل؟”
“بأي شيء؟”
“حين كنتِ بين ذراعي.”
سأل وهو يهز كتفيه بتعبيرٍ يستحق لكمةً قوية.
“ألم يكن ذلك أدفأ من أركوس الذي لا دفء فيه؟”
هل انتهيتَ من هرائكَ؟
في اللحظة التي اندفع فيها الضيق إلى صدري، شعرتُ بحركةٍ وضجة خلف الباب، فأطبقتُ فمي بسرعة.
ولم أكن الوحيدة التي لاحظت ذلك، إذ ثبت الماركيز نظره على النافذة،
“هل كان لديكِ موعدٌ مسبقٌ اليوم؟”
“ماذا؟ مستحيل.”
اقتربتُ أنا والماركيز تلقائيًا من النافذة لنرى الشخص الذي نزل من العربة.
و لم تكن العربة التي وصلت إلى الملحق عربةً خاصة، بل عربة أجرةٍ عادية من عربات الشوارع.
مهما كانت الحرب مشتعلة، فلن يركب دوق لوار عربةً قديمة تقشر طلاؤها.
“أم أنه ذلك الخاطب الوضيع الذي كانت تتحدث عنه الفيكونتيسة أدينا؟”
“لا تتفوه بأشياء مشؤومة.”
كان شابًا طويل القامة.
وما إن خلع قبعته حتى ظهر وجهٌ أعرفه جيدًا….
“فيدليه؟”
وللمفاجأة حقًا، كان الشخص الذي نزل مسرعًا من عربة الأجرة البالية هو الممثل إيليو فيدليه الذي أتولى رعايته.
***
حين علم إيليو أن ماركيز أوريلنو موجودٌ مسبقًا في الزيارة، بدا مرتبكًا للغاية، لكنه قال بتواضعٍ أنه سينتظر.
إلا أن الماركيز أراد أن يشارك في الحديث أيضًا.
ويبدو أن الموضوع لم يكن مما يجب مناقشته معي على انفراد، لذلك وافق إيليو على اقتراحه بسهولة.
وهكذا جلس إيليو فيدليه إلى جوار الماركيز أوريلنو.
ماركيز أوريلنو بشعره الذهبي المتألق كأشعة الشمس،
وإيليو ذو الشعر الذهبي الناعم كلون حقول القمح الممتلئة قبل موسم الحصاد.
كان المشهد أمام عينيّ ساطعًا أكثر مما ينبغي.
وعندما انحنى إيليو ليطبع قبلة تحيةٍ قصيرة على ظاهر يدي وهو يسألني إن كنتُ بخير طوال هذه المدة، لمحتُ عيني الماركيز تضيقان قليلًا. فأخذتُ أتساءل بقلقٍ عمّا يدور في رأس ذلك الرجل.
‘إنه مستثمرٌ في المسرحية، أليس كذلك؟ لا بد أنه لا يخطط لفعل شيءٍ بالممثل.’
وماذا عساه أن يفعل أصلًا؟ أنا، الراعية الشخصية له، أجلس هنا وأراقب كل شيءٍ بعيني.
“ما الذي جاء بكَ؟”
“قد يبدو ما سأقوله تافهًا بالنسبة إلى ابنة الدوق لوار.…”
قال إيليو ذلك ووجنتاه محمرتان بينما كان يعبث بفنجان الشاي الجديد بين يديه.
“لكنه أمرٌ بالغ الأهمية بالنسبة إليّ وللفرقة المسرحية.”
“هل توجد مشكلةٌ في الإدارة؟”
“لا، الأمر ليس كذلك!”
لوّح إيليو بيديه مذعورًا. وازداد احمرار وجهه الشاب أكثر، فيما أخذ يبعثر شعره الذهبي بلون القمح في ارتباكٍ واضح قبل أن يُكمل،
“أنا….أعلم أن طلبي قد يكون وقحًا، لكنني جئت لأرجو شخصيًا أن تحضري الحفل الذي سيقام بعد انتهاء هذه المسرحية.”
قناة التلجرام: https://t.me/+PE6p5xi2s882MWJk
___________________
ليه تبي ترقص معها؟
المهم حلو ملاحظات ريتا لشين كذا بعدين اذا درت انه الكاتبه وقالها اكبس مب مستغربه مره ولا؟ او يمكن هي توقع بعد هعهعهعهعهعهع
وشسمه احسه ماصدق يوم قام ويرقص معها مستانس وبالمره يبي يصرف موضوع علاقة الشخصيات😭
Dana
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.