الفصل 28
بعد لقائها بالماركيز أوريلنو، ازداد الوقت الذي تقضيه سوزان غارقةً في التفكير.
وكان يزعجني أنها كلما سألتُها بإلحاحٍ عما دار بينهما، لم تجبني بشيءٍ واكتفت بالابتسام بمكر.
لكن لا بأس. حتى لو كان الخدم منشغلين لدرجة الجنون بتجديد القصر بأوامر من سوزان استعدادًا لاستقبال الدوق لوار الذي سيصل بعد أسبوعين تقريبًا، فما شأني بذلك؟
كل ما كنتُ أنتظره هو الفصل الجديد من “شقاء البارون تشيرن” في الأسبوع الذي يلي القادم.
فقد وصلتني رسالةٌ من الماركيز أوريلنو يخبرني فيها أن التعديلات التي اقترحتُها ستُضاف إلى المخطوطة وستُنشر في الصحيفة الأسبوعية حينها.
أنا لا أحلم الآن، أليس كذلك؟
هل أنا حقًا أتواصل مع الكاتبة؟
‘آه، لا.’
لا ينبغي أن تصبح المسافة بين الكاتبة والقارئ قريبةً إلى هذا الحد.
لكن أليس دوري الآن أشبه بالقارئ المجهول رقم 1 الذي يترك تعليقًا على منصة النشر؟
أنا لم أفرض آرائي على الكاتبة. ومن الأساس، لم يكن الماركيز أوريلنو يبدو كشخصٍ يفرض على الكاتبة ما يريده الآخرون.
‘ألم يقل أنه وقف بنفسه في وجه دار النشر عندما أرادت كشف وجه الكاتبة؟’
….لحظة. هل حقًا لم يسبق للماركيز أن فرض على الكاتبة شيئًا؟
‘يا له من شخصٍ مزعج….يسأل مثل تلك الأسئلة ثم يترك الناس غارقين في التفكير.’
بعد أن انتهيتُ من الرد على جميع طلبات الزواج، بقيتُ أحدق طويلًا في أوراق الرسائل الفارغة وأعبث بها.
وبعد تفكيرٍ طويل، رفعتُ القلم وبدأتُ أكتب رسالةً إلى….
[الأستاذة شيل إيفير، هل أحوالكِ جيدةٌ هذه الأيام؟]
لم تكن الرسالة موجهةً إلى أحدٍ سوى الأستاذة إيفير نفسها.
شعرتُ بالغرابة وأنا أعود لفعل شيءٍ توقفتُ عنه بسبب نصيحة الماركيز أوريلنو التي لم تكن نصيحةً تمامًا.
وفي الوقت نفسه، تذكرتُ ابتسامته المشرقة والمستفزة، فاشتدت قبضتي على القلم.
ولم يدم ترددي طويلًا. فما إن بدأتُ أتحدث عن المسرحية حتى امتلأت صفحةٌ كاملة في لحظات.
“آه، صحيح.”
وكتبتُ أيضًا عن خطتي لنشر قائمة المفقودين في حرب السنوات العشر عبر الصحيفة الأسبوعية بعد انتهاء عرض “كيتلين”، بتمويلٍ مني.
كان عملًا خيريًا يُنسب بالكامل إلى اسم الكاتبة، تمامًا كما يجمع الناس التبرعات باسم نجومهم المفضلين ثم يقدمونها للأعمال الخيرية.
انزلقت ريشة القلم فوق الورقة كأنها ترقص.
وإلى جانب كتابتي أنه يمكنها مراسلتي متى احتاجت إلى مساعدة، وقلقي على صحتها….كتبتُ في النهاية،
[أستاذة إيفيور، هل علاقتكِ بالماركيز أوريلنو جيدة؟]
لقد دوّنتُ بصراحةٍ الجزء الذي يثير شكوكي.
ربما لن تقرأ الرسالة أصلًا. لكن….إذا قرأتها فعلًا يومًا ما. وإذا احتاجت إلى مساعدتي. فسأقف إلى جانبها في أي وقت.
بعد أن انتهيتُ من كتابة رسالةِ معجبة لأول مرةٍ منذ مدةٍ طويلة، شعرتُ براحةٍ كبيرة.
انتظرتُ حتى جفّ الحبر جيدًا، ثم وضعتها داخل المغلف.
وكنتُ أنوي أن أطلب من داميان إرسالها إلى مكتب البريد في اليوم التالي مع ردودي على طلبات الزواج.
ثم خطرت لي فرضيةٌ مزعجة. ماذا لو كان شين دي أوريلنو قد اقترب مني فعلًا لغرضٍ ما؟
ماذا لو كانت شكوكي المتعلقة بالأستاذة إيفير صحيحة؟
لكن عندما تذكرتُ ذلك الماركيز الذي كان فضوله نحوي كبيرًا على نحوٍ غير متوقع، شعرتُ بالكآبة لسببٍ ما.
فالحقيقة أن ذلك الثعلب الماكر أصبح يشغل جزءًا كبيرًا من حياتي الهادئة. وقد اعتدتُ حضوره الطاغي أكثر مما أرغب في الاعتراف به.
وكان هذا الاعتراف غير المرغوب فيه يعصر قلبي من الداخل.
لكن….إذا كان الماركيز مجرد محتالٍ اقترب مني ليخدعني، فكل ما سيبقى لي هو شعورٌ بالخيانة وأيامٌ طويلة من الأرق والتوتر، ذلك المصدر الأول لكل الأمراض.
***
حتى بعد أن بدأت تلك الشكوك المزعجة تتسلل إلى قلبي، استمر نشر رواية الأستاذة إيفير في الصحيفة الأسبوعية.
وهذا يعني شيئًا واحدًا: أن يوم وصول الصحيفة الأسبوعية أصبح تلقائيًا يوم زيارة الماركيز أوريلنو إلى ملحق عائلة لوار.
ويبدو أن قوله أنه مشغولٌ طوال الأسبوع كان كذباً.
فبعد ذلك بدأ يزورنا حتى في الأيام التي لا يُنشر فيها فصل جديدٌ من رواية الأستاذة إيفير، كلما شعر بالملل. كل يومين تقريبًا!
من كان ليتخيل؟ أن شين دي أوريلنو بالذات سيعبر عتبة باب ملحق عائلة لواو بكل هذه الثقة والاعتياد.
بل إن سوزان نفسها بدأت ترحب بزياراته شيئًا فشيئًا.
أما الماركيز سريع البديهة، فلم يكن ليفوّت ملاحظة ذلك الترحيب المتزايد من سوزان.
أما الهدايا الثمينة التي كان يجلبها معه في كل زيارة، والتي لا أحد يعلم من أين ومتى وكيف حصل عليها، فذلك موضوعٌ آخر.
لكن أكثر ما كان يثير الإعجاب حقًا هو وقاحته التي كانت تتطور يومًا بعد يوم.
“آنسة لوار، أتعلمين؟ أرى أن الطريقة التي تعاملينني بها تحتاج إلى بعض التغيير.”
في أحد الأيام، أخذ ينتقد أسلوبي في التعامل معه قائلًا أنه يجب أن أُحسن معاملته أكثر لأنه حلقة الوصل بيني وبين الأستاذة إيفير.
“لولا وجودي، لما بدأت الرواية بالنشر أصلًا. أليس هذا ما يجعلني بمثابة القدّيس الذي يربط بين الكاتب والآنسة لوار القارئة؟”
وفي يومٍ آخر، تجرأ على التقليل من شأن الكاتبة أمام معجبةٍ مخلصةٍ مثلي.
“ألستُ صديقاً غريب الأطوار للآنسة؟ لا يوجد نبيلٌ آخر غيري يناقش معكِ “شقاء البارون تشيرن”، أليس كذلك؟”
وفي أيامٍ أخرى، كان يثير أعصابي علنًا.
ومع ذلك، لم أستطع إبعاد شين دي أوريلنو. لأن كلام هذا الرجل، للأسف، لم يكن خاطئًا.
وبحزن، لم يكن لديّ صديقٌ أشاركه هوسي سوى الماركيز أوريلنو، باستثناء موظفي عائلة لوار.
والأكثر إزعاجًا من ذلك أن الأحاديث التي كنتُ أتبادلها مع شين دي أوريلنو كانت ممتعةً للغاية.
لكن سكان ملحق عائلة لوار لم يعودوا يرونه مجرد صديق لي. فأي رجلٍ نبيل في سن الزواج يأتي لزيارة آنسةٍ كل يومين؟
في الحقيقة، حتى أنا بدأتُ أشك في الأمر.
‘ماذا لو جثا الماركيز أوريلنو على ركبته يومًا وطلب مني أن أضمن له مشروعًا تجاريًا؟’
إنه رجلٌ لا يمكن معرفة ما يدور في رأسه.
فلماذا يأتي ماركيزٌ مشغولٌ مثله لزيارتي باستمرار، ويتبادل معي أحاديث تافهة ثم يغادر؟
لابد أن هناك سببًا ما….
وهكذا استمرت الأيام وأنا أحاول فهم السبب الحقيقي وراء هذا الاضطراب الغريب في قلبي دون أن أجد إجابة.
وأخيرًا….حلّ اليوم الذي نُشرت فيه الحلقة التي عكست آرائي واقتراحاتي في الصحيفة الأسبوعية.
***
وكعادته، زار الماركيز أوريلنو الملحق اليوم أيضًا.
أشار بيده، فجلب أحد خدم عائلته شيئًا ما.
واليوم كان الأمر عبارةٍ عن حلوى موسمية محدودة الإصدار من بوتيك كادلين، وهي من الأنواع التي يصعب الحصول عليها للغاية.
“أليست هذه الحلوى قد طُرحت اليوم فقط؟ حتى لو حجزتها مسبقًا، فلا بد أن الناس يقفون في طوابير الآن!”
فابتسم الماركيز،
“أردتُ أن تبقى الأوقات التي أقضيها مع الآنسة لوار والفيكونتيسة ذكرى مميزةً دائمًا، لذلك سمحتُ لنفسي ببعض الطمع.”
أي أنه استخدم المال والنفوذ قليلًا.
“……كيف يجد شخص مشغولٌ مثلكَ وقتًا لكل هذا؟”
“لا يمكنني استعارة وقت الآنسة لوار دون مقابل، أليس كذلك؟”
بعد قليل، نظرتُ بتوترٍ إلى الطاولة المليئة بالحلوى الفاخرة. فأنا في الأصل لا أحب المذاق الحلو كثيرًا.
“لم أضع فيها سمًا.”
لا مفر إذًا. فثمة آدابٌ يجب مراعاتها.
خلعتُ قفازي والتقطتُ قطعةً من شوكولاتة البونبون وقضمتها قضمةً صغيرة.
كانت رائحة الويسكي تمتزج بالحلاوة بشكلٍ جيد، بحيث لا يشعر المرء بالملل منها سريعًا، لكن بالنسبة لي كانت حلوةً أكثر مما ينبغي.
“كيف وجدتِ الفصل الجديد اليوم؟”
ما إن سأل المركيز مبتسمًا حتى وجدتُ الفرصة المناسبة، فوضعتُ الشوكولاتة جانبًا وأجبتُ بجدية،
“من الرائع أن الأستاذة الكاتبة لا تزال تتمتع بحيويةٍ جيدة.”
توقفت حركة الماركيز الأنيقة وهو يرفع فنجان الشاي، وكأن شيئًا تعطل فجأة.
فسألته بسرعة، بعد أن صار ضيفًا مهمًا في القصر،
“ما الأمر؟ ألا تعجبكَ الرائحة؟ لقد أعددنا لكَ أفضل أنواع الشاي.”
“……الرائحة ممتازة، تابعي حديثكِ.”
“آه، سمعتُ من مكانٍ ما أن الكاتبة تحتاج إلى حيويةٍ جيدة لتتمكن من كتابة مثل تلك المشاهد بإتقان. بالطبع أنا لا أعرف شيئًا لأنني مجرد قارئة. على أي حال، الطريقة التي عبّرت بها عن تلك العلاقة العاطفية المشتعلة التي يريدها القراء، ثم أخفت الأجزاء الصريحة بالتلميحات والاستعارات لتترك المجال للخيال….ذلك…”
وانطلقتُ أمام الماركيز أُلقي ملاحظاتي بحماس، ممثلةً مشاعر القراء إلى حدٍ ما.
وبالمناسبة، كلمة “القراء” كانت تعني في الواقع خدم ملحق عائلة لوار والعمة سوزان فقط.
عندما زار الماركيز الملحق لأول مرة، كان أول اقتراحٍ قدمته بسيطًا وواضحًا، أردتُ أن أرى مشاهد رومانسية أكثر “حسمًا” بين شيريل ودافيدريان.
فمهما فكرتُ في الأمر، بدت علاقة هذين الساذجين باهتةً للغاية إذا انتهت عند قبلةٍ بريئة فقط.
لذلك شعرتُ أنه سيكون أفضل لو انتهى الجزء الأول بمشهدٍ يجعل أي شخصٍ يدرك أن علاقتهما أصبحت رسميةً وحقيقيةً بلا شك.
لنرَ بعض حماسة العشاق الشباب بالمستوى المناسب!
….لكن رأيي لم يكن سوى رأي. ولو رفضته الكاتبة باعتباره غير منطقي، لما كان ذلك يزعجني.
لكن….هل كتبت إضافاتٍ جديدة خلال أسبوعٍ واحد؟
فقد جاء الفصل بالفعل مطابقاً تقريبًا لاقتراحي، دون أن يؤثر في سير القصة أو يفسدها.
قناة التلجرام: https://t.me/+PE6p5xi2s882MWJk
__________________
كأنه مب عاجبه الي حطه؟😂
وكأنه يبي يفضح نفسه؟ شاف انها مافيه امل تحبه بدري قال خلني افضح نفسي؟
المهم حموووس شكل الجزرة قربت عنها بدت تشك انه يعرف الكاتبه او انه قريب منها وكذا
Dana
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.