الفصل 26
بدأ ذلك الاستياء الذي كان شين يكنّه تجاه ليفيريتا يتغير بصورةٍ غريبة.
يا ترى، ما هذا الشعور؟
أصبح فضوله لا يُحتمل لمعرفة أي نوعٍ من الرجال كان ذلك الرجل الذي قالت أنها أحبته.
ورغم أنه لم يكن يعلم إن كانت صادقةً أم لا، فقد أراد أن يعرف ما الذي يثير اهتمام تلك المرأة التي تدّعي أنها لا تكترث بمشكلات الآخرين العائلية، غير الكاتبة إيفير.
ولم يعد أمامه خيارٌ سوى الاعتراف، مهما كان يكره ذلك.
لقد تولد لدى شين فضولٌ لا يعرف سببه تجاه ليفيريتا، تلك الفتاة الغريبة الأطوار إلى حدٍ لا يُصدق.
وازداد فضوله أكثر عندما كانت ليفيريتا لوار أول من التقى بالممثل الجديد إيليو فيدلي متجاوزةً الجميع، ثم سمعها، في لقاءٍ رتّبه المسؤولون، تعرض عليه دعمه ورعايته.
استند شين بخفةٍ إلى إطار باب الممر الخلفي المؤدي إلى غرفة انتظار الممثلين، حيث كانت البرودة تملأ المكان، وغرق في أفكاره.
“إنه شخصٌ يليق تمامًا بعالم شيل إيفير، لذا سأدعمه حتى اليوم الذي يتحول فيه هذا العمل غير المكتمل إلى مسرحيةٍ تُعرض على الخشبة.”
هكذا قالت.
ولو فُسّر كلامها بطريقةٍ أخرى، فهو يعني أنها مستعدةٌ لدعمه مدى الحياة حتى لو توقفت شيل إيفير عن كتابة “مأساة البارون تشيرن” نهائيًا.
لم تكن هذه أول مرةٍ يرى فيها امرأةً مهووسة بشخصٍ ما. لكنها كانت أول مرةٍ يرى هذا النوع من الهوس.
حتى أنه شعر بالقشعريرة.
وفجأة….كاد رأس ليفيريتا لوار الصغير الذي ظهر فجأةً في الممر أن يصطدم بذراعه.
وبفضل ذلك خرج شين من شروده.
ثم اتسعت عيناه فجأة، وتوقف عن التنفس للحظةٍ أمام السؤال الذي خطر بباله دون سابق إنذار.
‘هل كانت هذه المرأة تبدو هكذا أصلًا؟’
“أمم….يبدو أنكَ كنت تنتظر.”
خفضت ليفيريتا عينيها قليلًا، بينما لا تزال آثار الحماس من العرض الذي انتهى للتو تلوّن وجنتيها بحمرةٍ خفيفة من الخجل.
وانسدل ظل رموشها طويلًا فوق عينيها. لكن حتى ذلك الظل لم يستطع إخفاء الحيوية المتألقة في عينيها.
فمجرد أن يصبح لها أي تقاطعٍ أو صلةٍ مع شيل إيفير، حتى ولو كان أمرًا بسيطًا، كانت ترتسم على وجهها تلك التعابير….
‘لطيفة.’
أدرك شين متأخرًا أن هذه الكلمة الغريبة خطرت بباله، فتجهم وجهه قليلًا.
‘لو عرفتِ هوية الكاتبة إيفير الحقيقية، لما استطعتِ أن تظهري مثل هذا التعبير أبدًا.’
لكن كلما تحدث معها أكثر، ازداد ذهوله عندما اكتشف أن ليفيريتا لوار لم تكن في الحقيقة فتاةً سطحية جاهلةً بالحياة كما ظن.
أما تصرفاتها المندفعة وكلماتها الحرة التي كانت تخرج من فمها بلا قيود، فكانت كفيلةً بإرباك أي شخص.
تقول أنها لا تؤمن بالحب، ومع ذلك تقع في حبٍ أحمق؟
بل وتقول أن الحب أحمقٌ لأنه أحمقٌ أصلًا؟
يا لها من….
حتى بعد أن افترق عنها، ظل يقلب تلك الكلمات في فمه طويلًا كما لو كانت قطعة حلوى.
“إنه حبٌ لأنه أحمق.…”
يا لها من عبارة غبية بحق.
كانت أكثر عبارةٍ طفولية و غبية سمعها شين منذ زمنٍ طويل.
وظل يردد تلك الكلمات الساذجة حد القشعريرة لأيامٍ متتالية.
‘لو أُعلن أن شيل إيفير انتحر، هل ستموت الآنسة لوار معه؟’
عاش أيامه وهو يطلق مثل هذه الأفكار الساخرة.
ومع ذلك….كانت تراوده أفكارٌ أخرى في الخفاء.
ما نوع المشكلات العائلية التي تعيشها تلك المرأة التي تتعامل مع مآسي الآخرين كما لو كانت حجارةً مرمية على قارعة الطريق، لكنها تتعلق بالقصص والشخصيات الورقية أكثر من أي شخصٍ آخر؟
ومن يكون الرجل الذي أحبته؟
وما الذي كانت تكتبه في رسائلها إلى الكاتبة إيفير؟
أما زهرتها المفضلة….فهل هي حقًا تلك الزهرة البيضاء التي ظهرت في رواية “كيتلين”؟
وهكذا راكم في قلبه فضولًا صغيرًا تلو الآخر بشأن ليفيريتا لوار.
حتى أصبح الأمر أشبه بحبوب لقاحٍ ملأت رئتيه بالكامل، فصار صدره يحكه فضولٌ لا يهدأ.
لكن لأنه لم يكن قادرًا على السعال وإخراج ذلك الإحساس، ظل ذلك الوخز يتراكم في داخله حتى أوشك أن يفقده صوابه.
نعم. لا بد أنه جُنّ فعلًا.
ولهذا قام ببعض الأمور التي لم يفعلها من قبل.
“هذه أول مرةٍ تطلب مني أن أتحرى أمر امرأة.”
قال ذلك ماكسيميليان، صديقه الذي يعمل سكرتيرًا له، بنبرةٍ مستغربة.
“هل أعجبتكَ ملامحها؟ لكن لماذا تحديدًا تلك العائلة الدوقية؟ جميع نبلاء أيزار يعلمون أن شخصية الدوق لوار سيئةٌ للغاية. هل تظن أن زوجته السابقة طلّقته بلا سبب؟ إنها العائلة النبيلة التي خرجت منها رسميًا ثالث امرأةٍ مطلقة في مملكة أيزار.”
اكتفى شين بابتسامةٍ ساخرة خفيفة، ثم أغرق صديقه وسكرتيره ماكسيميليان بكميةٍ هائلة من العمل.
وكان ذلك جوابه الوحيد. أي: لا تطرح المزيد من الأسئلة.
كان سكرتيره وصديقه غير الرسمي قليل الكلام في العادة. لكن هذه المرة بدا وكأنه مضطرٌ للتعبير عن استيائه.
“أتريدني أن أراجع كل هذا بمفردي؟”
“أليس هذا هو السبب الذي يجعل الصديق صاحب الراتب المرتفع شيئًا رائعًا؟”
لم يرسل ماكسيميليان سوى نظرة احتجاجٍ عابرة، ثم أعاد بصره سريعًا إلى الأوراق.
وبدوره أخذ شين يقرأ المستندات التي ناوله إياها ماكسيميليان.
كانت الشائعات المتداولة عن عائلة الدوق لوار محدودةً للغاية.
زوجة الدوق المطلقة التي تزوجت مجددًا، والآنسة النبيلة التي ظهرت في العاصمة بعد غيابٍ طويل، والدوق الذي لا يظهر في العاصمة أصلًا.
….كان الأمر بسيطًا إلى درجة أنه لم يعد هناك ما يمكن التنقيب عنه.
حتى أن شكوك شين بأن ليفيريتا ربما كانت تقترب منه متعمدةً وتمثل بأوامر من الدوق لوار تبددت تمامًا.
فبعد الطلاق، لم يشارك الدوق لوار في أي نشاطٍ اجتماعي داخل سولتمور. وكان الأمر نفسه ينطبق على ليفيريتا.
بل إن ليفيريتا، التي لم يمضِ وقتٌ طويل على ظهورها الأول في المجتمع الراقي، لم تكن تملك أي شبكة علاقاتٍ اجتماعية تذكر.
إذًا، حين قالت أنها ترغب في قضاء فترة إقامتها في العاصمة مستمتعةً بكل ما يتعلق بالكاتبة شيل إيفير، كانت صادقةً تمامًا.
قبض شين على الملف الذي يحتوي على معلومات ليفيريتا لوار وسحقه بإهمال.
والآن….كيف عليه أن يتعامل مع تلك المرأة؟
ما زال يرغب في أن تستيقظ من حلمها البائس، وتعود إلى الواقع، وألا تعود تهتم بشيل إيفير مجددًا.
لكن لماذا؟
لماذا ظل يلاحقها بغباءٍ ويتحدث إليها أولًا، رغم أنها تنظر إليه بازدراءٍ وكأنه محتالٌ أو بائعٌ متجول؟
كيف يمكنه وصف هذا الشعور الغريب الذي يعتريه؟
‘هل هي من النوع الذي يهب قلبه بالكامل لكل ما تحبه؟’
طقطقة-
اشتعل الضوء الزجاجي فوق المكتب بلونٍ أزرق متوهج.
لقد أشعله بعود ثقابٍ ابتكره كولينز، صديق شين. وبسبب اختلاطه ببقايا من السحر، لم يكن اللهب أحمر كالنار العادية، بل أزرق غريبًا وصافيًا.
استلقى شين على أريكة المكتب، وأخذ يحدق في الضوء الأزرق الباهت المنبعث من فوق الطاولة.
وعندها تذكر عيني ليفيريتا لوار.
….وفجأة شعر بالغيرة.
كان يغار من قدرتها على الانغماس الكامل في شيءٍ ما كما لو كانت مريضةً بهوسٍ قهري.
كان يحسد ذلك التركيز المطلق….ويغار منه بشدة….
وبدأ يشعر بالحسد شيئًا فشيئًا تجاه كل ما يحظى بمكانٍ داخل تلك العينين الجميلتين.
كيف سيكون الأمر لو حظي باهتمام امرأةٍ كهذه بصفته شين دي أوريلنو، لا بصفته شيل إيفير؟
‘سيكون أمرًا مرهقًا للغاية.’
ضحك شين وحده وهو يفرك عينيه المتعبتين.
ومع ذلك، فإن مجرد تخيله لذلك جعل شعورًا يصعب وصفه يتسلق ظهره.
لكن ذلك الشعور لم يعد يثير فيه القشعريرة المزعجة كما كان في السابق.
لسببٍ ما، فقد شين كل رغبةٍ في مواجهتها أو معاداتها. وفي الوقت نفسه، أصبح يريد أن يبعد اهتمامها عن شيل إيفير، لكن بطريقةٍ مختلفة عن الماضي.
كيف؟
“بالمناسبة، مطبعة إيموس ما زالت تحقق نجاحًا جيدًا، بل نجاحًا ثابتًا ومتواصلًا.”
قال ماكسيميليان ذلك ببطءٍ بينما كان يتذمر من تراكم الأعمال عليه ويقلب بعض الأوراق.
“ألا تنوي توسيعها أكثر؟ سمعتُ أنهم يعانون من نقص في العمال هناك. وأنا أصلًا أكاد أجن بسبب مشروع الاستثمار في السكك الحديدية، لذا اتخذ قراركَ بسرعة.”
“هناك نقصٌ في العمال؟”
“بما أن المطبعة مرتبطةٌ جزئيًا بدار نشر إيموس، فمن الطبيعي أن نزداد انشغالًا كلما ازدهرت أعمالهم. ألم تسمع أن رواية إحدى الكاتبات الجدد هناك حققت نجاحًا ساحقًا؟ نفذت الطبعة الأولى بالكامل فور انتشار التوصيات بين القراء.”
“من هي؟”
“ييريكا غرايب.”
بدا الاسم مألوفًا لشين.
ولكي يختصر عليه التفكير، أضاف ماكسيميليان شرحًا مقتضبًا.
“كانت تذهب بمخطوطتها في كل مرةٍ فتُرفض وتُعاد إليها. لكن ابنة رئيس التحرير الوحيدة صادفت أنها قرأتها، وأصرت بقوةٍ على ضرورة نشرها. لذلك لم يجدوا مفرًا من طباعتها بكميةٍ محدودة.”
“ولماذا كان رئيس التحرير يرفضها أصلًا؟”
“لأنه ظن أن ما كتبته مجرد نصٍ كتبته زوجة أحدهم، فاعتقد أنه لن يكون مميزًا. لذلك لم يقرأه أصلًا وأعادها.”
“وكيف تعرف أنتَ كل هذا؟”
سأل شين بلا تفكير. لكن عندما جاءه الرد الجاف والمباشر، اتسعت عيناه دهشة.
“لأنني أواعد ابنة رئيس التحرير الوحيدة.”
قناة التلجرام: https://t.me/+PE6p5xi2s882MWJk
___________________
العبببببب اول مساعد لقى له وقت وصار يواعد قبل البطل😭!!!
بس واضح انه مصاعد وصديق مسكين مايدري ان شين هو الكاتبه؟
بس وناسه وجهة نظر شين فصل كامل؟ كمل كمل
المهم دام باله مشغول فيها وفجاه درا ان خويه يواعد عساه يفكر يواعد ريتا؟ هعهعهعهعه
Dana
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.