الفصل 25
سقطت الملعقة الصغيرة التي كنتُ أمسكها من يدي دون أن أشعر. وهوت الملعقة الفضية فوق السجادة الكحلية السميكة بلا أي صوت.
“الكاتبة….إليّ أنا؟”
“يبدو أنها كانت في حيرةٍ شديدة لأنها رفضت اقتراح الآنسة النبيل، المفعم بالمراعاة واللطف، رفضًا قاسيًا وأحرجتها بذلك. على الأرجح، بسبب الطفل الذي وُلد حديثًا، أصبحت أعصابها متوترةً للغاية، فلم تعد قادرةً على تقبّل لطف الآخرين ونصائحهم كما هي.”
اكتفيتُ بالاستماع إلى حديث الماركيز أوريلنو بذهول.
‘فمه….الكاتبة تتحدث إليّ من خلال فمه.’
“كانت حالتها النفسية والجسدية غير مستقرة إلى درجة أنها لم تستطع استلهام أي فكرة، بل إنها لم تعد راضيةً حتى عن المخطوطات التي كتبتها مسبقًا، وكادت تحرقها جميعًا.”
“أوه، لا!”
“لكن يبدو أن شيئًا ما تغيّر في نفسها بعد اليوم الذي أخبرتُها فيه عن الآنسة.”
ابتلعتُ ريقي وانتظرتُ كلماته التالية.
“….كما تعلمين، لم تتمكن الكاتبة من الكتابة لفترةٍ من الزمن.”
قال الماركيز ذلك ببطء، متعمدًا التمهل، وبنبرةٍ يغلب عليها الإرهاق.
“وبعيدًا عن أن تغيّر البيئة من حولها قد أضعف شغفها بعملها، فقد اعترفت بأنها لم تعد قادرةً على الكتابة كما كانت في السابق مهما حاولت.”
هـ-هذا ركودٌ إبداعي! أي شخصٍ سيرى أنه ركودٌ إبداعي! وربما كان سببه اكتئاب ما بعد الولادة!
“هي ترغب في إنهاء العمل بالشكل الذي خططت له قدر الإمكان….لكن منذ أن استأنفت النشر، أصبحت هناك أوقاتٌ كثيرة لا تستطيع فيها رؤية صورة العمل بوضوح. هل تفهمين ما أعنيه؟”
“نعم، نعم!”
شدَدْت قبضتيّ بقوةٍ وأخذت أومئ برأسي بحماسٍ شديد موافقةً على كلام الماركيز.
“….ولهذا طلبت مني أن أنقل إلى الآنسة طلبًا خاصًا.”
“ماذا؟”
“طلبت مني أن أسألكِ، بصفتكِ قارئة، عن رأيكِ في العمل وما الذي ترين أنه بحاجةٍ إلى تعديلٍ أو تحسين.”
‘هذا مستحيل.’
فقدتُ رباطة جأشي وقفزتُ من مكاني على الفور، واضعةً كلتا يديّ على فمي.
ولو كانت سوزان أو تاشا أو أي شخصٍ آخر بجانبي، لكان قد لمح لي أن تصرفي هذا بعيدٌ كل البعد عن اللباقة المتوقعة من ابنة دوقٍ نبيلة.
وكأنه يحاول استشفاف ما يدور في خاطري، توقف الماركيز أوريلنو عن الكلام للحظة وحدق بي. وما إن أدرك مدى انفعالي حتى ارتفع طرف فمه قليلًا في ابتسامةٍ خفيفة.
لكن ربما لأن من أمامي هو الماركيز أوريلنو تحديدًا. فهو الشخص الذي كنتُ أجادله بصراحةٍ أكثر من أي شخصٍ آخر في العاصمة.
ولأنني كنتَ أمامه، استطعت التعبير عن مشاعري بلا تحفظ، حتى فقدتُ رباطة جأشي تمامًا.
إنها الكاتبة التي لم تكن تكترث إطلاقًا بآراء القراء. لماذا؟ لماذا أنا بالذات؟ كيف تطلب مني هذا وهي التي لم تتواصل مع قرائها ولو مرةً واحدة؟
“لن أصدق ذلك بمجرد الكلام.”
عند سماع صوتي المرتجف، ابتسم الماركيز بهدوءٍ وأخرج رسالةً صغيرة من داخل سترته.
وبينما كنتُ أقبض على طرف فستاني بكلتا يديّ وأحدق في الرسالة المختومة، تمتمتُ بجديةٍ بالغة،
“أعلم أن طلبي للدليل رغم أنني متأثرةٌ إلى هذا الحد يبدو مثيرًا للسخرية، أليس كذلك؟ يمكنكَ أن تسخر مني إن شئتَ. سيدي الماركيز لا يعلم شيئًا. لا يعلم شيئًا عن مشاعري.”
“أظن أن هذا صحيح.”
“لكن لماذا؟ لماذا بحق….لماذا أنا تحديدًا؟ وأنتَ موجودٌ أيضًا يا سيدي الماركيز!”
“يبدو أن موقعي وموقعكِ مختلفان بعض الشيء.”
“هذا صحيح. فأنتَ تنظر إلى الكاتبة فقط على أنها كاتبةٌ تجلب لكَ الكثير من المال من خلال أعمالها.”
“هذا قاسٍ جدًا. الأمر ليس إلى تلك الدرجة.”
ابتسم الماركيز وهو يضيق عينيه قليلًا، ثم مد الرسالة التي امتصت شيئًا من الرطوبة ممسكًا بها بين السبابة والوسطى.
فأسرعت محاوِلةً خطف الرسالة بكلتا يديّ. لكن الماركيز أوريلنو حرّك معصمه بخفةٍ وتفادى يدي. و مرّ ظرف الرسالة بمحاذاة أطراف أصابعي فقط.
‘ما الذي يفعله هذا.…؟’
رفعتُ عينيّ إليه بدهشةٍ واسعة، فخرجت من فمه الكلمات التالية….
“لديّ متسعٌ كبيرٌ من الوقت اليوم.”
‘وما الذي يحاول قوله هذه المرة؟’
“لقد أتيتُ مسرعًا لرؤيتكِ. لكن ما إن تحصلي على هذه الرسالة، فلن تمنحيني أي اهتمام، أليس كذلك؟ ستعاملينني كمجرد مرسولٍ لا أكثر.”
قال ذلك وهو يتظاهر بالاستياء والحزن، منتصب القامة ومحدقًا إلى مكانٍ بعيد.
بينما كنتُ أحدق فيه وذراعي مرفوعةٌ على نحوٍ مرتبك، أخذتُ أفكر بسرعة.
‘ما الذي يقصده بهذا؟’
أنا أكرم ضيافته بما فيه الكفاية. فليس هناك الكثير من أبناء النبلاء الذين يحظون بترحيب سوزان، وصية أمري، داخل سولتمور.
لكن هذا الرجل لا يقول أبدًا ما أتوقعه.
“ألم تشتاقي لرؤيتي طوال هذه الفترة يا آنسة؟”
‘نعم؟’
“لا بد أنكِ شاهدتِ مجددًا تلك المسرحية التي لم تفوّتي عرضًا واحدًا منها طوال الأسبوع الماضي. مهما شاهدتها لا تشعرين بالملل منها، أليس كذلك؟ أما أنا، فماذا عني؟”
‘….في الحقيقة، لم أفكر فيكَ الأمر أصلًا.’
يبدو أن إجابتي ارتسمت بوضوحٍ على وجهي، إذ اختفت الابتسامة التي كانت معلقةً على شفتي الماركيز دون أن تترك أي أثر.
“لقد اشتقتُ لرؤيتكِ.”
“لكن….لماذا أردتَ رؤيتي؟”
ولأنني لم أستطع معرفة السبب مهما فكرتُ، لم يكن أمامي سوى أن أسأله بصراحة.
هل كان قوله المتكرر منذ قليلٍ أنه اشتاق لرؤيتي أكثر من مجرد مجاملة؟
هذه المرة أطبق الماركيز شفتيه بإحكام. هل تجاوزتُ تصرفاتي حدود الصراحة وأصبحتُ وقحة؟
كانت عيناه الصافيتان تحدقان بي بلا انقطاع، ومع مرور الوقت بدأتُ أشعر بثقل تلك النظرات.
قبل أن أنتقل إلى هذا العالم….تذكرتُ الثعلب في تلك الرواية الكلاسيكية الشهيرة التي وصفها كثيرون بأنها رواية العمر.
حين قرأتها لأول مرةٍ وأنا صغيرةٌ جدًا، كان من الصعب عليّ فهم ما يقصده الثعلب في الرواية.
بل إنني ظننتُ حينها، بعقلي الطفولي، أنه شخصيةٌ ماكرة تحاول خداع الأمير.
لكن لماذا أرى الآن ذلك الثعلب القديم في الماركيز؟
إنه يتحدث وكأنني أصبحتُ شيئًا ذا معنى خاصٍ بالنسبة له، ومع ذلك لا أستطيع فهم ما يقصده.
….ما المشكلة في ذلك الماركيز الذي كان يلوّح بذيله بمكر ولطفٍ كثعلب؟
كانت عيناه المملوءتان بالاستياء ممتلئتين بوجودي أنا وحدي.
وكأنه لم يعد قادرًا حتى على إخفاء ذلك، فقد كان من النوع الذي يعجز بشكلٍ خاص عن كتمان مشاعره.
لكن الحديث الذي أخرجه هذه المرة كان موضوعًا غير متوقع إطلاقًا.
***
الحب؟ الحب؟
لقد قالت الحب وهي لا تعلم حتى أن الشخص الواقف أمامها الآن هو الكاتب إيفير؟
ما إن سمع شين ذلك حتى عجز عن التحكم في تعابير وجهه. ولم يعد قادرًا على إخفاء مشاعره الحقيقية التي أخفاها جيدًا حتى الآن.
لقد كان يظن يقينًا أنه حطم قلب امرأةٍ ساذجة لا تعرف شيئًا عن الدنيا.
نعم، كان متأكدًا من ذلك.
في ذلك الوقت، كانت عينا ليفيريتا لوار ترفضان الاعتراف بالواقع. ومع ذلك، ظل شين يتساءل عن سبب حضورها المسرحية يوميًا.
لذا اشترى المقعد المجاور لها مباشرةً قبل العرض بمبلغٍ باهظ، ثم قابلها متظاهرًا بأن الأمر مجرد صدفة.
وأراد أن يفهم هذا النوع الغريب من البشر، فسألها بصراحةٍ عن سبب استمرارها في مشاهدة المسرحية المقتبسة من عمل شيل إيفير، رغم أن بطلتها رُفضت مشاعرها.
لكن….الحب؟
بل وأكثر من ذلك، فقد شاهد بنفسه من مسافةٍ قريبة مدى صدق مشاعر ليفيريتا لوار. لذلك أدرك أن كلمة “الحب” التي نطقت بها لم تكن كذبة.
بعد انتهاء أول عرضٍ للممثل الجديد بسلام….كانت ردة فعل ليفيريتا لوار، في نظر أي شخص، ردة فعل فتاةٍ واقعة في الحب.
لكنها لم تكن واقعةً في حب ممثلٍ شابٍ وسيم. بل إن التصفيق الذي قدمته للممثل الجديد كان يحمل معنى مختلفًا تمامًا.
كان معناه: شكرًا لأنكَ لم تكتفِ بملء زاويةٍ من عالم شيل إيفير، بل جعلتها أكثر إشراقًا وتألقًا.
‘هل أنتِ أم شيل إيفير أم أخته؟’
شعر شين بالذهول. وظل يراقب ليفيريتا لوار وهي تنظر إلى المسرح بوجهٍ يفيض بالسعادة.
ثم نهض من مكانه بعدما رأى أن الوقت قد حان.
“حسنًا، الآن وقد انتهت المسرحية.…”
لكن ليفيريتا لم تجد حتى فرصة للإجابة عن سؤال شين. فما إن انتهى العرض حتى أمسكت بطرف فستانها واندفعت راكضة، غير منتبهةٍ حتى إلى سقوط قبعتها من يدها.
وكانت النجوم التي تكاد تتدفق من عينيها لافتةً للنظر بشكلٍ خاص.
التقطت خادمتها الخاصة القبعة التي سقطت بسرعة وهرعت خلفها. وقد لفتت حركتها الرشيقة انتباهه للحظة، لكن ذلك لم يكن أهم ما يشغل شين الآن.
لقد وعدته مرتين بوضوح، أليس كذلك؟
وبينما تُرك وحيدًا في مكانه، شعر بموجةٍ خفيفة من الغضب، يتبعها إحساسٌ بالفراغ.
فقبض على أطراف أصابعه التي كانت معلقةً في الهواء بحرج، ثم أنزل يده.
وهكذا، بينما كان الجميع في ذلك العالم الآخر يهللون ويصرخون فرحًا، وقف وحده في مكانه هامسًا بصوتٍ لا يكاد يُسمع،
“كيف يمكنكِ فعل ذلك؟”
لقد سمعتِ شخصًا مجهول الهوية والجنس ينكر وجودكِ ذاته….ومع ذلك، لماذا لا تكترثين أبدًا لنظرات الآخرين؟
كيف تستطيعين ملاحقة ما تحبينه بكل هذا الإخلاص وبهذه الحرية الكاملة؟
قناة التلجرام: https://t.me/+PE6p5xi2s882MWJk
__________________
يس وجهة نظر شين انا في وناستي
ريتا مهبوله افكارها تضحك ليتها تطلعها له عشان يا يضحك او ينجن فيها اكثر😭
المهم قوه نكمل وجهة نظره هعهعهعهع
Dana
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.