مساحة للحكاية، ووقت لك← كاتبتي المفضلة محتجزة في قصر الماركيز
الفصل 24نحو 8 دقائق قراءة
مساحتك الخاصة

أدوات القراءة

حجم النصاختر الحجم الأنسب لعينيك
18
معاينة مباشرة للخط

لكل صفحة حكاية، ولكل قارئ عالمه.

لون يناسب لحظتك

أي أجواء تفضّل للحكاية؟

مظاهر هادئة للنهار والليل، أو ألوان تختارها بنفسك.

الفصل 24

شددتُ قبضتي خفيةً عن الجميع، محاوِلةً كبح انزعاجي.

 

هذا غريبٌ حقًا. لم أعد أفهم إطلاقًا ما الذي تفكر فيه سوزان تجاه الماركيز أوريلنو.

 

فحتى وقتٍ قريب، كانت تنفر منه بوضوحٍ بعد سماع الشائعات التي تدور حوله، لكن ما إن غبتُ للحظة حتى أصبحت تتعامل معه بهذا القدر من الود.

 

‘ما الذي تحدثا عنه بحق؟’

 

غادرت سوزان مع الخادمات، وخيّم الصمت للحظات.

 

وكأن السماء تصر على مضايقتي، إذ بدأ المطر الغزير يهطل مجددًا. و بهذا الطقس، حتى لو أردتُ طرد الماركيز أوريلنو فلن أستطيع، وإلا سأضطر لتحمل محاضرة سوزان عن قسوتي في طرد ضيفٍ خلال يومٍ ممطر.

 

وبينما كنتُ أكتفي بالنظر إلى النافذة بوجهٍ متجهم وذراعيّ معقودتين بإحكام، كان الماركيز أول من كسر الصمت.

 

“هل وجودي في هذا القصر يزعجكِ إلى هذه الدرجة؟ أنتِ لا تعلمين كم جئتُ على عجلٍ لأنني كنتُ أفكر بكِ.”

 

“لهذا أسأل….لماذا كنتَ تفكر بي أصلًا؟ لا تقل أنكَ حقًا جئتَ لتناقش موضوع التبرع؟”

 

فنظر إليّ وكأنه لا يفهم سبب سؤالي.

 

“لقد استؤنف اليوم نشر رواية 〈تعاسة البارون تشيرن〉.”

 

“أعرف. قرأتها قبل قليل.”

 

“ألم يخطر ببالكِ أنني جئتُ حاملًا أخبارًا عن الكاتبة إيفير بسبب ذلك؟”

 

حين يستخدم الماركيز أخبار الكاتبة إيفير كسلاح، أعرف جيدًا أن وراءه نوايا خفية تراقبني بصمت….ومع ذلك، لا أستطيع مقاومته وها أستسلم تمامًا.

 

بدأ جفناي يرتجفان وحدهما، وكأنني أعاني نقصًا في المغنيسيوم.

 

‘إذا كان قد جاء إليّ بهذه العجلة، فلا بد أن الأمر مهمٌ حقًا. لا تقل لي أن الكاتبة تنوي إنهاء الرواية بسرعة؟ ما زال الفصل الأول لم يكتمل حتى…!’

 

قلبي الذي أخذ ينقبض بدا وكأنه يصرخ من الألم. ولم أجد سوى أن أقبض يديّ فوق ركبتي بقوة، كما لو كنتُ أرجو.

 

و ظل الماركيز يحدق بي بهدوء، ثم  نطق بشيءٍ لم أتوقعه أبدًا.

 

“أخيرًا….بدأتِ تنظرين إليّ فعلًا.”

 

……لم أجد ما أقوله.

 

فحتى قبل لحظةٍ كنتُ أتجنب النظر إليه من شدة التوتر، لكن بمجرد أن ذُكرت الكاتبة إيفير، اتجه بصري نحوه تلقائيًا.

 

ربما لم يعجبه ذلك. إذ غيّر الماركيز الموضوع فجأةً إلى أمر مختلفٍ تمامًا.

 

“أليس لديكِ أصدقاء؟”

 

“لا. ليس لديّ.”

 

لا أعلم كيف تلقى إجابتي الصريحة، لكن ملامحه تبدلت قليلًا.

 

“ولماذا ليس لديكِ أصدقاء؟”

 

رفع الماركيز أوريلنو فنجان الشاي بخفة، بحركةٍ أنيقة وكأنها مرسومة، ثم ارتشف منه بهدوءٍ دون صوت.

 

تحركت تفاحة آدم في عنقه مرةً واحدة، فيما كانت عيناه الخضراوان الفاتحتان تحدقان بي بإصرارٍ من خلف الفنجان.

 

هل خسر بعض الوزن مؤخرًا؟

 

بدت عيناه أعمق من السابق، حتى ذلك الربيع المشرق الذي كان يملؤهما بالحياة بدا وكأنه غرق تحت غيومٍ داكنة كثيفة.

 

وأدركتُ حينها ما الذي تعنيه تلك النظرة.

 

‘إنه يريد ثمنًا مقابل أخباري عن الكاتبة إيفير.’

 

لكن ما هو هذا الثمن؟

 

فكرتُ للحظات وأنا أرتشف جرعةً صغيرة من الشاي الذي بدأ يبرد.

 

“….…”

 

في الحقيقة، الإجابة كانت بسيطة. هو يريد سماع قصتي مقابل حديثه عن الكاتبة.

 

وبما أنه يتحدث عن الحب بطريقةٍ لا تشبهه….فهل أُلقي له بقصة حب؟

 

أو ربما….أحفر فخًا صغيرًا أضعه حول عنقه ليستعمله لاحقًا إن تفوه بشيءٍ لا ينبغي؟

 

‘حتى والدي قد يفرح إن امتلكتُ نقطة ضعفٍ لشخصٍ آخر.’

 

والجو الكئيب مناسبٌ تمامًا أيضًا. فبعد خروج سوزان، أصبحت الأجواء أكثر ظلمةً فجأة….والقصص المظلمة تلائمها جيدًا.

 

“لقد تعرضتُ للتنمر في الماضي.”

 

ارتشفتُ رشفةً قصيرة من الشاي الفاتر، ثم ألقيتُ الطُعم.

 

وضع الماركيز فنجانه بهدوء، وعقد ساقيه بعمق، ثم اكتفى بالنظر إليّ بوجهٍ خالٍ من التعبير.

 

‘لا بأس بذلك.’

 

و تابعتُ كلامي على أي حال.

 

“كانت الآنسة فيفيان فورتي من عائلة الكونت فورتي تستغل نقاط ضعفي بمهارةٍ منذ طفولتي وتتقرب مني من خلالها. ولأنني كنتُ طفلةً وحيدة بلا أصدقاء، انتهى بي الأمر بأن أصبح سلة مهملاتٍ لمشاعرها، فقط لأنها أول من عرض عليّ أن نصبح صديقتين.”

 

“سلة….ماذا؟”

 

تجعد ما بين حاجبي الماركيز بانزعاجٍ واضح.

 

لا أعلم لماذا، لكنني شعرتُ فجأةً برغبةٍ في الضغط بإصبعي على ذلك التجعد بين حاجبيه.

 

ورغم مرور ما يقارب ثلاث سنواتٍ منذ انتقلتُ إلى هذا العالم، كانت بعض التعابير التي اعتدتُ استخدامها قبل التجسّد تخرج مني تلقائيًا أحيانًا.

 

عندما قلتُ ذات مرة: “هل أُصيب برصاصةٍ في رأسه؟”، كانت تاشا والمربية بجانبي، وقد نظرتا إليّ وكأنني كائنٌ فضائي.

 

في مثل هذه المواقف، الأفضل أن تتصرف بوقاحةٍ وثقة.

 

“سلة مهملاتٍ للمشاعر. أعني حرفيًا شخصًا يُفرغ مشاعره السلبية المكبوتة في غيره كما لو كان يرمي القمامة.”

 

“.……”

 

“كنتُ أقف بصمتٍ مثل دمية خزفية، أستمع إلى الإهانات التي كانت الآنسة فورتي تُمطرني بها وأتقبلها كلها. ومع ذلك كنتُ سعيدة. لأنني كنتُ متحمسةً فقط لكوني حصلتُ أخيرًا على صديقة، لدرجة أنني لم ألتفت إلى نفسي.”

 

ولهذا انتهت القصة الأصلية بجعلي أرافق فيفيان حتى طريق الموت.

 

ترى، كيف كان ذلك الطريق الذي سلكتاه معًا نحو العالم الآخر؟ ذلك أمرٌ لا يعرفه سوى مؤلف الرواية الأصلية.

 

وبشعور ممثلٍ يلقي مونولوجًا طويلًا، بدأتُ أُخرج ذكريات الماضي الكئيبة واحدةً تلو الأخرى.

 

انتشرت رائحة الأعشاب الخفيفة في الجو ثم خفتت تدريجيًا، قبل أن تنقطع تمامًا داخل فنجان الشاي البارد.

 

وطوال ذلك الوقت، لم يقل الماركيز أوريلنو شيئًا.

 

“…وفوق كل ذلك، كان والدي يوبخني لأنني سمحتُ لابنة الكونت بأن تتحكم بي، قائلًا أنني لا أعرف كيف أتصرف كما يليق بي. حسنًا، أتفهم مشاعره. فأنا أنتمي لعائلةٍ دوقية.”

 

“لكن الذكريات ما زالت عالقةً في قلبكِ حتى الآن.”

 

وأخيرًا فتح الماركيز فمه بهدوء.

 

“تلك الذكريات ستظل شظايا تغرس نفسها في قلبكِ حتى اللحظة التي تغمضين فيها عينيكِ الأخيرة.”

 

يا للعجب، إنه يواسيني بصدقٍ هذه المرة.

 

شعرتُ بإحساسٍ غريب لا يمكن وصفه.

 

و يبدو أنني، بعد أن تحدثتُ معه عدة مرات، أصبحتُ قادرةً على تخمين المشاعر المختلطة في تعابيره ونبرة صوته ولو قليلًا.

 

“صحيح. إذا متُّ فجأةً بسبب حادثٍ ما، فستكون تلك الذكريات جزءً من شريط حياتي الأخير.”

 

حدقتُ فيه دون وعيٍ للحظة، ثم أبعدتُ نظري عمدًا وبدأتُ أحرك الملعقة الصغيرة داخل فنجان الشاي بلا اهتمام. و السكر الذي لم يذب تمامًا ارتفع من القاع بالقوة.

 

“لكنني لستُ ساحرة، ولا أستطيع العودة إلى الماضي لأقول للناس كل الكلمات التي ندمتُ لأنني لم أقلها حينها.”

 

“وهل تعتقدين أن تلك الذكريات اختفت فعلًا؟ سمعتُ من الفيكونتيسة قبل قليلٍ أنكِ نادرًا ما تغادرين المنزل.”

 

“لا أستطيع إخباركَ إلى أي حد.”

 

أجبته ببرودٍ وحسم.

 

ولحسن الحظ، كان الماركيز من النوع الذي يعرف متى يتوقف. فلم يطرح المزيد من الأسئلة.

 

“على أي حال، يبدو أن هذه أول مرةٍ تسمع فيها عن هذا الأمر المتعلق بعائلة الدوق لوار؟”

 

حاولتُ أن أستدرجه للكلام بطريقةٍ غير مباشرة.

 

ذلك الرجل الذي كان يبرز بشكلٍ لافت داخل غرفة الاستقبال أخذ يلمس طرف ذقنه وكأنه غارقٌ في التفكير، ثم تحدّث،

 

“إذا كنتُ أعلم بهذا الأمر، فهذا يعني أن العائلات التابعة لكلٍ من دوقية لوار و الكونت فورتي لم تُحكم إغلاق أفواهها جيدًا….وعندها لا بد أن الدوق لوار لن يقف مكتوف اليدين. أليس كذلك؟”

 

“بلى.”

 

“وهذا يعني أيضًا أنه حتى لو دُعيتُ يومًا إلى صالونٍ أقامه أحدهم، وانتهى بي الأمر أشرب الويسكي حتى تفوح مني رائحة الثمالة بشكلٍ واضح، فعليّ أن أحرص جيدًا على إبقاء فمي مغلقًا.”

 

“صحيح.”

 

ولأنه سريع البديهة، أدرك الأمر فورًا.

 

ارتسمت على وجه الماركيز ملامح مظلومية واضحة.

 

“أليست هذه في الحقيقة حفرةً نصبتِها لي عمدًا؟ أشعر أن الأمر سيكون مجحفًا جدًا إن وجدتُ نفسي لاحقًا جالسًا أمام الدوق لوار في حديث جادٍ بسبب هذا.”

 

“همم.”

 

“آه، لا تقولي لي.…”

 

ما هذا؟ لماذا تغيرت نظراته فجأة؟ وما الذي ينوي قوله الآن؟

 

“هل تحاول الآنسة عمدًا خلق سببٍ يجعل الدوق لوار يبقيني قريبًا منكم….حتى تتركي مجالًا للقاءاتنا المستقبلية؟”

 

“هاه؟ ولماذا سأفعل ذلك أصلًا؟!”

 

“لأنني وسيم.”

 

نسيتُ للحظةٍ أن الماركيز أوريلنو ينتمي إلى نوعٍ من البشر لم أصادفه في حياتي قط.

 

وخاصةً ذلك النوع من الوسيمين الذين يتباهون بوسامتهم بكل وقاحة.

 

بل والأسوأ حين يكون الشخص هو الماركيز أوريلنو نفسه، لأن ثقته المزعجة تلك تستند فعلًا إلى سببٍ مقنع، فلا تجد ما يمكنكَ الرد به.

 

راقبني الماركيز للحظة، ثم ابتسم ابتسامةً مستفزة ورفع فنجان الشاي مجددًا.

 

وبشكلٍ مفاجئ تمامًا، طرح الموضوع الذي كنتُ أنتظر سماعه.

 

“لقد طلبت مني الكاتبة شيل إيفير شخصيًا أن أنقل إلى الآنسة لوار اعتذارها وامتنانها.”

 

قناة التلجرام: https://t.me/+PE6p5xi2s882MWJk

_____________________

 

شخصياً؟ ايه معليه

 

وكذا عرفنا انه كذوب جا صدق عشان يشوفها وناسه متى الجزره و العرس؟

 

المهم يسعدلي جوها وهي توها ماعرفته من وقت طويل عطته سراويلها 😭

 

Dana

هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.

٠٪
مساحة القرّاء

حديث الفصل

شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.