الفصل 23
في اليوم الأول من حفل الظهور الأول، وبينما كانت ماريسيلا تمنح بركاتها للشباب الذين خطوا للتو أولى خطواتهم في المجتمع الأرستقراطي، شعرتُ مجددًا بأنها بالفعل البطلة الرئيسية.
شعرٌ فضي مرفوعٌ بأناقةٍ بريئة، وعينان ورديتان فاتحتان. دفءٌ يجعل المرء يشعر بأنها ستمنحه ابتسامةً رحيمة مليئةً بالغفران حتى لو حدّق بها بوقاحةٍ تكاد تكون تجديفًا.
بدا وكأن هالةً مقدسة تحيط بها، لدرجة تحجب أضواء العائلة الملكية نفسها….لكن يبدو أن ذلك كان مجرد وهم.
حتى فيفيان التي رأيتها من قبل كانت جميلةً بصورةٍ مذهلة إلى هذا الحد.
“أن أكون الثانية بعد كل هؤلاء الجميلات؟ أشعر أن ترتيبي مرتفعٌ أكثر من اللازم.”
“إذا تجرأ أحدٌ وقال غير ذلك فسأضربه بموقد النار، لذا كل ما عليكِ هو أن تثقي بنفسكِ يا آنستي.”
قالت كيلينا كلماتٍ عنيفة بوجهٍ هادئ تمامًا.
تلك الثقة التي لا يُعرف مصدرها كانت مضحكةً لدرجة أنني انفجرتُ ضاحكةً دون وعي.
***
حسنًا، ها هي من تُلقب بثاني أجمل امرأةٍ في مملكة آيزار تدخل الآن.
تعمدتُ ألا أخفي انزعاجي وأنا أسير بثقة نحو غرفة الاستقبال.
كان يمكنني رؤية الخادمات خلف الباب يتهامسن بحماس. وتفهمتُ الأمر. فمن كان سيتوقع أن يأتي الماركيز أوريلنو الشهير إلى ملحق قصر عائلة لُوار فجأةً دون حتى رسالةٍ مسبقة؟
ناهيك عن أن رؤية ذلك الوجه الوسيم على الطبيعة لا بد أنها جعلتهن يُصدمن وينبهرن في الوقت نفسه.
لم أكن بحاجةٍ لقراءة أفكارهن لأفهم ذلك.
‘إنه تمامًا مثل البارون تشيرن.’
أخذتُ نفسًا عميقًا ودخلتُ غرفة الاستقبال الدافئة.
كان الماركيز أوريلنو واقفًا أمام مدفأةٍ بيضاء يصل ارتفاعها تقريبًا إلى صدره.
الأواني الفضية المزينة فوق رف المدفأة انعكست كالمرآة على طرف عينيه الغارقتين في التفكير.
بدت عيناه أكثر تعباً من المعتاد، والإرهاق واضحٌ عليه بشدة. هل هو مشغولٌ كثيرًا هذه الأيام؟
حتى حذاؤه الجلدي الفاخر وأطراف سرواله البني الفاتح لم يلطخها أثر طينٍ واحد.
كان يضع يديه في جيبه بينما يحدق في النار الصغيرة المشتعلة داخل المدفأة، ثم ما إن شعر بوجودي حتى أدار رأسه نحوي ببطء.
في ذلك المكان المرتب والنظيف، استقبلتني ابتسامته المشرقة. أطراف شعره المصفف ابتلت قليلًا وانسدلت بخفةٍ فوق جبينه. وحتى تلك الفوضى البسيطة فيه تحولت إلى جزءٍ يزيد وسامته إشراقًا.
“….…”
رجلٌ يعرف جيدًا أن مظهره كفيلٌ بجعل الناس يسامحونه على زيارته المفاجئة.
وكادت ثاني أجمل امرأةٍ في مملكة آيزار، بحسب الألقاب المتداولة، أن تُفتن بذلك الثعلب الذهبي الذي قد يخفي لسان أفعى خلف ابتسامته.
الوسامة تصنع المنطق….ربما ذلك التعبير ينطبق عليه فعلًا.
هل وافقت سوزان أيضًا على زيارته المفاجئة فقط بسبب وجهه؟
استعدتُ رباطة جأشي بصعوبة، ثم سألته مباشرةً دون أن أُخفي دهشتي.
“لماذا أتيتَ؟”
“لا يوجد حتى كلام مجاملة؟ كان عليكِ أن تسألي إن كنتُ قد تعبتُ بالمجيء في هذا المطر.”
“….لا بد أنكَ تعبت من المجيء رغم المطر.”
“لم أتعب أبدًا. كنتُ أفكر بالآنسة لوار طوال الطريق، فمر الوقت بسرعة.”
لماذا أتى فجأةً ليقول مثل هذه الكلمات؟
بدا وكأن الماركيز أوريلنو توقع تمامًا رد فعلي المذهول.
وبعد مزاحه السخيف، انحنى بخفةٍ بحركةٍ راقية إلى درجةٍ بدت وكأنها خرجت مباشرةً من كتاب آداب النبلاء،
“شين دي أوريلنو، ماركيز عائلة أوريلنو، أتى لرؤية الآنسة النبيلة ليفيريتا لوار.”
“أقصد، لماذا جئتَ فجأة؟”
“لأنني اشتقتُ لرؤية الآنسة.”
سُمعت شهقةٌ حادة من خلف الباب. إنها سوزان بالتأكيد.
ويبدو أن الماركيز سمعها أيضًا، إذ ابتسم بخفةٍ و تحدّث بهدوء،
“لقد قابلتُ الفيكونتيسة أولًا، وقد سمحت لي بلقاءٍ خاص مع الآنسة. يا لها من سيدةٍ واسعة القلب.”
بانغ-!
ثم دفعت سوزان باب غرفة الاستقبال بعنفٍ ودخلت.
لم أرتكب أي خطأ، لكنني انتفضت لا إراديًا. فقد كانت عينا سوزان تتلألآن وكأن النجوم تملؤهما.
لا بد أنها تحتضر فضولًا لمعرفة نوع العلاقة التي تربطني بذلك الماركيز….
“يا إلهي، لماذا ما زلتَ واقفًا أيها الماركيز؟ تفضل بالجلوس بسرعة! لا بد أنكَ متعبٌ بعد مجيئكَ من أراضي الماركيزية في هذا الطقس!”
كنتُ أشعر بنظرات سوزان الحادة وكأنها تخترق قمة رأسي، وكأنها توبخني على سوء استضافة الضيف، لكنني تجاهلتها عمدًا.
“تفضل ببعض الشاي الساخن. لا تمانع شاي الأعشاب، صحيح؟”
“حين تعاملني الفيكونتيسة أدينا بكل هذا الكرم، فلا يوجد سببٌ يجعلني أرفض. لا بد أنكم أحضرتم أفضل أنواع الشاي.”
ما هذه الأجواء؟
وسط هذا الجو الدافئ الذي لا أستطيع التكيف معه إطلاقًا، كنتُ الوحيدة التي تشعر بالغرابة والتوتر.
سوزان تجلس بجانبي، و الماركيز أوريلنو يجلس أمامي على الأريكة يفصل بيننا طاولة.
“ما هذا الوضع غير المنطقي بحق السماء؟”
شعرتُ أنني سأصاب بعسر هضم حتى من مجرد شرب الشاي. فتركتُ ذهني شاردًا، متمنيةً فقط أن ينتهي هذا الموقف المحرج بأسرع وقتٍ ممكن.
“على كل حال يا ليفيريتا، لماذا لم تخبريني أن الماركيز يساعدكِ في دعم أعمال مسرح سافرانيت؟”
“آه….يبدو أنني….لم أخبركِ بذلك.”
تجاهلت سوزان تمامًا تمتمتي الخافتة و أكملت بدلًا من ذلك،
“لقد جاء الماركيز أوريلنو على عجل لأنه يريد مناقشة أمرٍ يتعلق بالاستثمار في مسرحية 〈كيتلين〉 معكِ. وبعد وصوله إلى هذا القصر، طلب إذني أولًا.”
لكنني شعرتُ أنه بالتأكيد لم يأتِ من أجل ذلك فقط.
فأنا، المهووسة الحقيقية التي تحرص على التواجد في المسرح يوم عرض العمل، وأنا التي كنتُ ألتقي هناك بشخصياتٍ رفيعة مثل بول بيرجير وأتحدث معهم حتى عن أتفه الأمور….لا يمكن أن أجهل مشكلةً صغيرة مثل انسداد مجرى مياه حمام الرجال في المسرح.
“هل تعجبكَ الكاتبة شيل إيفير لدرجة أنكَ ترغب بالزواج منها مثل ليفيريتا تمامًا، أيها الماركيز؟”
وقبل أن تنهي سوزان كلامها بالكامل، كدتُ أبصق الشاي الذي كنت أشربه من شدة الصدمة.
وبينما كنتُ عاجزةً عن استيعاب حرارة الشاي التي كادت تحرق شفتي بالكامل، اتسعت عينا الماركيز بدهشةٍ للحظة….ثم سرعان ما ارتسمت على وجهه ابتسامةٌ ودودة للغاية، وبدأ يتفوه بكلام وقحٍ بكل ثقة.
“بالطبع يا فيكونتيسة. لقد كنتُ أطارد الكاتبة شيل إيفير منذ زمنٍ طويل، حتى أنني أكاد أقول أنني أحببتها. ألم تسمعي ما قلته قبل قليل؟”
“يا إلهي، إنه يشبه ليفيريتا تمامًا!”
ماذا؟ حب؟ حــــب؟
لا أعلم أي جزءٍ من كلامه سمعته عمتي بالضبط، لكن ليس هذا المقصود! ليس هذا أبدًا! الجميع يسيئون الفهم!
“إن مبادرة الآنسة النبيلة لوار لدعم مسرح سافرانيت وفرقة المسرح التابعة له لا بد أنها كانت بإرشادٍ من نور السماء نفسها. وبفضل ذلك، استطعنا أخيرًا أن نتنفس الصعداء.”
وفي تلك اللحظة، اختلطت بضحكة الماركيز مسحة مرارةٍ خفيفة.
“فكما تعلمين يا آنسة لوار، كانت مسرحيةً لا أحد يضمن نجاحها. ولو لم تتدخلي بنفسكِ، لاستمرت ليالي الأرق القلقة….وربما كنتُ سأضطر للاعتماد على الحبوب المنومة.”
“يا إلهي….هذا مؤسفٌ حقًا.”
تنهدت سوزان بخفة بعد سماع ذلك.
أما الماركيز أوريلنو، فقد محا ابتسامته تمامًا، ثم رفع نظره نحوي قليلًا و تحدّث بصوتٍ يحمل معنى عميقًا،
“أنا أعتبر الآنسة لوار رفيقة دربٍ ورائدة أعمالٍ ستساهم معي، ولو بقدرٍ بسيط، في بث نسيم جديدٍ داخل الوسط الفني في مملكة آيزار. رغم أنني، بالطبع، أفترض هذا من تلقاء نفسي دون إذنكِ.”
ولسببٍ ما، بدا الماركيز وهو يتحدث بهذه الطريقة أكثر تألقًا من المعتاد.
هل هذا أيضًا نوعٌ من الأقنعة التي يُظهرها للناس؟
“بل وأكثر من ذلك، وكما أخبرتُ الفيكونتيسة قبل قليل، فأنا في وضع بائسٍ لا أجد فيه شخصًا أستطيع مناقشة أعمال الكاتبة شيل إيفير معه سوى الآنسة لوار.”
كان الماركيز يكشف بصراحةٍ عن جزءٍ من شائعاته المعروفة في آيزار، وعن بعض نقاط ضعفه أيضًا، ليطمئن الطرف الآخر.
“لذلك، وبعد استرداد أموال الاستثمار، أرغب في التبرع بجزءٍ منها. وقد جئتُ على عجل، متجاوزًا حدود اللباقة، لأطلب رأيكِ: إلى أي جهةٍ يجب أن تُقدَّم التبرعات كي تنسجم مع الروح الأدبية للكاتبة إيفير؟”
وبالفعل، كان هذا موضوعًا منطقيًا يجعل حتى سوزان تقتنع به.
نهضت سوزان من مكانها ببطء، وما تزال ترتسم على شفتيها تلك الابتسامة الغامضة التي يصعب فهم نواياها.
أما الماركيز أوريلنو، فقد وقف هو الآخر بحركةٍ راقية للغاية، وكأنه يرافقها باحترام.
“لا بأس، تحدثا براحتكما. في الحقيقة، بدأتُ أشعر بالقلق مؤخرًا لأن بعض الخطّاب المستهترين صاروا يظهرون حول ليفيريتا. لذلك كنتُ فقط أتساءل بأي نيةٍ جاء الماركيز إلى هنا.”
لكن حتى هو قد يكون واحدًا من أولئك الخطّاب المستهترين الذين تقلق خالتي بشأنهم.
قناة التلجرام: https://t.me/+PE6p5xi2s882MWJk
__________________
اختفى والحين جاي وسط المطر عشان يكذب ومسوي فيها المعجب المهووس زيها ليه؟ شكله اشتاق صدق هعهعهعهعهعهع
او يبي يشوف ردة فعلها بعد مارحع يكتب؟ مدري بس المؤلفه بخيلة في وجهات نظره تـء
المهم تجنن ريتا وهي توصف نفسها كل شوي ثاني اجمل امرأة😭
Dana
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.