الفصل 21
البارون تشيرن لا يظهر إلا عبر الشائعات فحسب. فكل ما فعله داخل العمل أنه نشر حضوره كظلٍ ممتدٍ في كل مكان.
أتتساءلون كيف تستمر القصة دون ظهور البطل؟
لقد كانت الحكايات تُروى بأسلوب الحلقات المنفصلة، عبر الأشخاص المرتبطين بالبارون تشيرن، بينما تبقى الشائعات المحيطة به أساس كل قصة.
كانت الحلقة الأولى قصةٌ رومانسية بين خادمةٍ أحبت البارون تشيرن، وفارسٍ بدأ يقع في حبها شيئًا فشيئًا.
أما البارون تشيرن نفسه، فلم يظهر إلا من خلال مراقبة الخادمة الجديدة شيرين له من بعيد، بنظراتٍ شاردة حالمة.
لقد وُجد فقط عبر شائعات الشخصيات وتحركاتهم.
أثارت رواية “تعاسة البارون تشيرن” الكثير من الجدل في بدايات نشرها.
فالخادمة الجديدة شيرين لم تحب البارون طمعًا في رفع مكانتها الاجتماعية، بل أحبته بإخلاصٍ حقيقي.
حتى أنها رفضت عرض الزواج من قائد الفرسان السيد دافيدريان، قائلةً أنها لا تستطيع الزواج دون حب.
ولهذا أخذ الناس يثرثرون كثيرًا. كيف يمكن لامرأةٍ متدنية المكانة أن ترفض عرض زواج من فارسٍ وسيمٍ ومحترم؟
وفوق ذلك، لم يسبق لروايةٍ تحمل اسم بطلها في العنوان أن تتجنب إظهاره تمامًا.
متى سيظهر البارون تشيرن أصلًا؟ ولماذا تستمر الرواية في الحديث عن الأشخاص المحيطين به فقط؟
بينما كان الجميع يتذمر هكذا، كنتُ أنا — بوصفي شخصًا انتقل إلى هذا العالم — أستمتع وحدي وأنا أتذكر روايةً كلاسيكية شهيرة حققت نجاحًا ساحقًا في الماضي.
تلك الرواية التي تبدأ بجملتها الشهيرة عن أن الرجل الأعزب يحتاج حتمًا إلى زوجة.
يبدو أن المنتقدين لمؤسسة الزواج موجودون في كل العوالم حقًا.
ومع مرور الوقت، بدأت شكاوى القراء حول عدم ظهور البارون تشيرن تخفت تدريجيًا.
فقد كانت قصة الحب البريئة بين شيرين ودافيدريان ممتعةً أكثر مما توقع الجميع.
بعد مشاهدة قصص الحب الممزقة للقلوب في العمل السابق “كيتلين”، بدا من المنعش رؤية مشاعر مرتبكة وخجولة لأشخاصٍ يجهلون أمور الحب تمامًا.
ثم جاءت أول فترة توقفٍ للرواية، مباشرةً بعد المشهد الذي انفجر فيه دافيدريان أخيرًا بغيرته المكبوتة.
“أشعر بغيرةٍ تدفعني إلى إحضار رأس البارون تشيرن ورميه أمامكِ.”
وقد ضجّ الناس وقتها بجنون.
فارسٌ يتحدث هكذا عن نبيلٍ أقسم على خدمته بشرفه؟ أليس هذا جنونًا؟
لكن أي امرأةٍ لن يخفق قلبها أمام ذلك الاعتراف الجريء الذي يعلن فيه رجلٌ أنه مستعدٌ للمخاطرة بكل شيءٍ من أجل الحب؟
بالطبع، لو كنتُ مكان شيرين لشعرتُ بالنفور، لكن جمال الأمر يكمن في كونه خيالًا.
إنه جميلٌ لأنه يختلف عن الواقع.
وفي اللحظة التي بلغ فيها فضول القراء ذروته لمعرفة رد شيرين التالي، صدر إعلانٌ مفاجئ بتوقف الرواية.
احتج الجميع وقتها قائلين أن الأمر غير معقول، لكنهم تقبلوه على مضض لأن تلك كانت أول استراحة.
أما التوقف الثاني، فجاء بعد أن تجاوزا شيرين ودافيدريان سوء الفهم بينهما وأدرك كلٌ منهما مشاعر الآخر أخيرًا.
توقفت الرواية مباشرةً بعد اعتراف دافيدريان الثاني، المليء بالشوق والتوسل، حين سألها إن كانت قادرةً على قبول حبه.
ولم يظهر سوى إشعارٍ قصير يقول أن العمل سيتوقف مؤقتًا بسبب ظروف الكاتبة.
وعندها بدأ القراء يتذمرون فعلًا.
هل تلهو بنا الكاتبة؟ ألا تملك أي حسٍ بالمسؤولية؟
أما القراء المتحمسون مثلي، فبينما كنا نشعر بالانزعاج، بدأنا نقلق في الوقت نفسه من احتمال أن تكون الكاتبة تمر بظروفٍ سيئة.
ثم جاءت الاستراحة الثالثة الأخيرة، التي فجّرت غضب القراء بالكامل.
فقد أُعلن عنها بعد فترةٍ قصيرة جدًا من انتهاء التوقف الثاني. بل وكانت أطول من المعتاد بشكلٍ واضح.
ففي حين كانت فترات التوقف السابقة تدوم أسبوعين تقريبًا، تجاوزت هذه المرة الشهر الكامل.
أما أنا، التي كنتُ أعرف جزءًا من ظروف الكاتبة إيفير عبر الماركيز أوريلنو، فقد ظننتُ أن توقفها لسنةٍ أو حتى لعشرات السنين لن يكون أمرًا غريبًا.
وبصراحة، حتى لو كسرت قلمها واعتزلت الكتابة تمامًا، فما الذي يمكنني فعله؟
….لكنها رغم ذلك، منحتنا هذه الهدية مع بداية صيفٍ مشرقٍ يغمره النور.
كمطرٍ يهطل قبل تبدل الفصول.
وفي يوم ممطرٍ كهذا، وصلت إلينا هديةٌ ثمينة كهذه.
ومع استمرار تاشا في القراءة بصوتٍ مرتفع، أخذت الخادمات من حولي يطلقن الصرخات الحماسية.
وفي الحقيقة، حتى المربية كانت تقف متخفيةً خلف جدار الممر خارج غرفة الجلوس، تستمع إلى “تعاسة البارون تشيرن” بصوت تاشا.
وكنتُ الوحيدة التي لاحظت ذلك، لذا تظاهرتُ بعدم المعرفة والتزمتُ الصمت.
انتهت تاشا من القراءة، وفجأة سألت أوليفيا بفضول،
“لكن لماذا اسمها “تعاسة البارون تشيرن”؟ لا يبدو أن البارون يعيش حياةً تعيسة أصلًا.”
“من يدري؟ ربما سيصبح تعيسًا لاحقًا.”
كان ذلك السؤال نفسه يدور في ذهن كل من قرأ الرواية. لماذا سيكون البارون تشيرن تعيسًا؟
صحيحٌ أن قصره صغيرٌ وقديم، لكنه يملك حديقةً جميلة تبعث على الراحة، كما يملك حقوق استخراج منجم فضةٍ لا ينضب، ما يمنحه ثروةً يحسده عليها الجميع.
وهو أيضًا شابٌ يافع ذو جمالٍ أخاذ قد يطمع به أي شخص….
فلماذا إذًا سيكون تعيسًا؟
وفوق ذلك، كانت أجواء هذا العمل مختلفةً على نحوٍ خاص حتى مقارنةً بكل الأعمال التي كتبتها الكاتبة إيفير سابقًا.
“لأن البارون لم يتزوج بعد.”
“سيجد المرأة المناسبة قريبًا على أي حال. أظن أنه مع نهاية الجزء الأول ستظهر الشخصية المتوقعة لتصبح سيدة بيت البارون تشيرن.”
وكما قالت إيفين الواقعية دائمًا، كانت رواية “تعاسة البارون تشيرن” على وشك إنهاء جزئها الأول حاليًا.
وربما ستتحول بعض الشخصيات الأرستقراطية المرتبطة بالبارون تشيرن، والتي ظهرت في الجزء الأول، إلى أبطال الجزء الثاني.
“وماذا عنكِ يا آنستي؟ ما رأيكِ أنتِ؟”
كانت الخادمات يثرثرن بلا توقفٍ كعصافير الصباح المنشغلة، بينما جاء تعليقي أنا قصيرًا وحاسمًا.
“لقد أبدعت تمامًا.”
كان جميع العاملين في هذا القصر يعلمون أنني مهووسةٌ بشكل مبالغٍ فيه بالكاتبة شيل إيفير.
وحين أدركت الخادمات مشاعر المعجبة المتطرفة التي أملكها، انفجرن ضاحكاتٍ وبدأن يهدئنني.
“آنستي، ظهرت تعبيراتكِ الغريبة مجددًا!”
وحين نظرت الآن، وجدت أن المربية كيلينا، التي كانت تختبئ نصف اختباءٍ خلف جدار الممر خارج غرفة الجلوس، قد اختفت بهدوء.
يبدو أنها انسحبت لأنها تعلم أن وجودها سيجعل حماس الخادمات يبدو محرجًا.
***
“كيف تقرئين شيئًا كهذا أثناء الطعام؟”
كنا نتناول الغداء.
وكانت سوزان، التي ترتدي رداءً خفيفًا وتمزق الخبز بيديها، توبخني توبيخًا بسيطًا.
أما أنا، فكنتُ أعيد قراءة المجلة الأسبوعية الرطبة التي أخذتها من تاشا، بينما أحرك حساء البصل المتصاعد منه البخار ببطءٍ وأجيبها بكسل،
“الكاتبة شيل إيفير أنهت فترة التوقف أخيرًا. سأقرأ هذا فقط ثم آكل.”
“إذًا ذلك الشخص أنهى توقفه أخيرًا. أعطني المجلة بعد أن تنتهي.”
“سأقصّها وأحتفظ بها، لذا انتبهي ألا تتسخ بالزيت أو تتجعد.”
وفجأة، وكأنها نسيت توبيخها السابق، بدأت سوزان تتحدث بحماسٍ وعيناها تلمعان.
“مع أنني أعلم جيدًا أنه لا يجب تصديق طرفٍ واحد فقط، فإنني أجد نفسي أُجرف بسهولة، وهذا يزعجني حقًا. لولاكِ يا ريتا لكنتُ صدقتُ إشاعات السوق عن تلك الرواية الممتعة حتى آخر يومٍ في حياتي.”
“الجميع هكذا أصلًا. ليس من السهل ألا ينجرف المرء.”
تمتمتُ وأنا ألمس أطراف المجلة الخشنة والرقيقة بحذرٍ شديد كي لا تتمزق.
“لكن إن شرحتِ لشخصٍ ما بلطفٍ أنه يملك فهمًا خاطئًا للحقيقة، ثم غضب منكِ بدلًا من أن يستمع، فالأفضل أن تتخلي عن الأمر وترحلي. ففي مثل هذه المواقف، الجدال لا يكون إلا مضيعةً لوقت الطرفين.”
شعرتُ بنظرات سوزان تحدق بي بينما كانت ترتشف الشاي الخفيف بصمت.
وكما توقعت، ما إن وضعت الكأس حتى جاءني سؤالها الذي لم يكن سؤالًا بقدر ما كان استنتاجًا.
“إذًا، ليفيريتا لوار في ذلك اليوم تصرفتِ بطريقةٍ غير معتادة، وبذلتِ جهدًا كبيرًا في مناقشة الآنسة كلينوت.”
“هذا لأنه يخص الكاتبة شيل إيفير وحدها.”
“إذًا أنتِ مهووسةٌ بتلك الكاتبة لدرجة الحب؟ لهذا لا يلفت انتباهكِ أي شابٍ من أبناء الأسر النبيلة.”
وضعت سوزان كأسها وسألتني بصوتٍ يفيض بالفضول،
“لو كشفت تلك الكاتبة عن هويتها يومًا، واتضح أنها الابن العزيز لإحدى عائلات البارونات….هل ستفكرين في الزواج منه؟”
ها هو السؤال الذي لا يحمل أي سوء نية، بل فضولًا بريئًا تمامًا.
“ولماذا قد أتزوج الكاتبة أصلًا؟”
ابتلعتُ في داخلي حقيقة أن الكاتبة لديها عائلةٌ وأطفالٌ بالفعل.
“يا لهذه الفتاة! لو تزوجتِ تلك الكاتبة فستعرفين أسباب التوقفات فورًا، ألن يكون ذلك رائعًا؟”
….وهل سيكون الأمر رائعًا فعلًا كما تتخيل عمتي؟
لكنني، المعتادة على غرابة كلامها، أجبتها بهدوء،
“يجب أن تبقى هناك مسافةٌ معينة بين الكاتب والقارئ.”
قناة التلجرام: https://t.me/+PE6p5xi2s882MWJk
___________________
ايه علمي عيالس لا جو
المهم زين رجع شين يكتب الجزره قريبه✨
و شسمه شيرين ذي لو انتهت قصتها مع قايد الفرسان بتصير احلا وش الي خدامه مع نبيل تؤ تؤ
احسني قاعده اتابع روايتين😂
Dana
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.