الفصل 19
“جبان؟”
كرر الملركيز أوريلنو الكلمة وهو يضحك ضحكةً قصيرة، وكأنه وجد الأمر سخيفًا. أما أنا، فشددتُ ربط شريط قبعتي أسفل ذقني وأجبته.
“لأنكَ لا تنوي إعطائي إجابةً حقيقية على سؤالي، بينما تريد مني أن أتكلم وحدي. وهذه لا تبدو صفقةً عادلة أبدًا.”
ولعل لديه ما يحرجه فعلًا، إذ واصل السير ببطءٍ دون أن يقول شيئًا.
أما أنا، فواصلتُ توضيح موقفي له بنبرةٍ هجومية.
على الأقل حتى لا أندم لاحقًا وأقول: “كان عليّ أن أقول هذا حينها!”
“الشخص الوحيد الذي أقدّم له كل شيءٍ بلا حدود هي الكاتبة شيل إيفير. وبمعنى مختلفٍ تمامًا عن العائلة أيضًا. ومع ذلك، أنتَ تطلب مني شيئًا بلا أي مقابل.”
تعمدتُ النظر إليه مباشرةً ثم ابتسمتُ ابتسامةً مشرقة.
“لا تقل لي أنكَ ستغرق في الديون فقط لتسمع قصة حب فتاةٍ حمقاء؟ بالتأكيد لستَ غبيًا إلى هذا الحد، أليس كذلك؟”
نظر إليّ الماركيز بوجهٍ خالٍ من التعبير، ثم أطلق ضحكةً خافتة ورد بكلامٍ بدا أقرب إلى الهراء.
“إذًا….ما نوع الرجل المثالي بالنسبة للآنسة لوار؟”
“لِـ، لماذا تطرح سؤالًا كهذا فجأة؟”
“سأبدأ أنا أولًا بالحديث عن المرأة المثالية بالنسبة لي. شخصيًا، أحب النساء الصريحات والجميلات مثلكِ يا آنسة لوار. وكلما كانت المرأة قادرةً على التحكم بالرجل أكثر، كان ذلك أفضل.”
….لماذا يقول كلامًا كهذا؟
ولم أستطع إخفاء ارتباكي وأنا أجيبه.
“هذا يبدو غريبًا جدًا، خاصةً ممن كان يتحدث قبل قليلٍ عن الزوج المتسلط والزوجة المخلصة الطائعة.”
“هذا مجرد ذوقي الشخصي.”
إذًا….هل كان كلامكَ السابق مجرد إجابةٍ أرستقراطية محفوظة؟
توقف الماركيز أوريلنو فجأةً عن السير. ثم استدار نحوي، وانحنى بعمق، مقربًا وجهه من أذني.
واستطعت تخيل شكل تاشا الواقفة بعيدًا عنا قليلًا خلفنا.
لابد أنها تحدق بعينين متسعتين، تتصبب عرقًا باردًا، وتتساءل: “ما الذي يحدث هنا بحق؟ هل يحق لي، بصفتي الخادمة والحارسة الشخصية، أن ألكمه؟”
وبدأ الماركيز يهمس بصوتٍ منخفض ناعم، متعمدًا ألا يصل صوته إلى تاشا.
“إنها أذواقٌ شخصية جدًا، أشياء لا أستطيع إظهارها وأنا أرتدي قناعي أمام الغرباء. لكن مع الآنسة لوار، التي تعاملني بصدق….يمكنني أن أخلع القناع بسرور.”
“لا. لا تخلعه.”
“ألا يثير فضولكِ أن تعرفي ما نوع الأنوثة التي يريدها شين دي أوريلنو من سيدة منزله؟”
اتسعت عيناي حين سمعتُ ذلك يخرج من فمه مباشرة.
ولأنني لم أرد أن أخسر أمام استفزازه المتعمد، قبضتُ على يدي المبللتين بالعرق وتظاهرتُ بالهدوء.
“لا يثير فضولي.”
“أكاذيب. جميع من في العاصمة فضوليون حيال ذلك.”
“ولماذا سأكذب أصلًا؟”
“إذًا سأخبركِ وحدكِ. أحب النساء اللواتي لا يفرطن في استخدام العطور….مثلكِ تمامًا.”
قلت لكَ لا تتكلم!
“ولا يهمني إن كانت تنفق المال كالماء. فهي ستصبح زوجتي، أليس كذلك؟ وإذا لم أستطع تأمين هذا القدر لها، فعليّ أن أتخلى عن لقب الماركيز.”
لامس نَفَسه أذني، فتقلص جسدي تلقائيًا.
وكان ذلك الإحساس مختلفًا تمامًا عما شعرتُ به داخل المسرح.
لم يلمسني بطرف إصبعٍ واحد. ومع ذلك….مجرد قربه، وبضع كلماتٍ همس بها قرب أذني، كانت كافيةً لتجعل وجهي يشتعل حرارة.
“أما أولئك المنحطون الذين يسيئون إلى زوجتي من الخلف، فسأتكفل أنا بهم. لذا أريدها أن تثق بي، وأن تكون امرأةً شامخةً بصفتها سيدة منزل أوريلنو. يجب أن تكون امرأةً تفيض بالشجاعة. لأن مشاركة الغرفة مع ماركيزٍ تحيط به الشائعات الدموية.…”
سحبتُ رأسي بسرعةٍ إلى الخلف وحدقتُ فيه بحدة.
“إذا لم يكن هذا غزلًا، فماذا يكون إذًا؟”
أما هو، فظل ينظر إليّ بلا تعبير، ثم ابتسم ابتسامةً باهتة ومد يده بأناقة، وكأنه يعلن تبدل الأدوار.
“إذًا….حان دوركِ الآن.”
“لماذا تصر على السؤال إلى هذا الحد أصلًا؟”
وفي النهاية، لم أستطع تحمل الإحراج أكثر، فرفعتُ صوتي قليلًا. لكن الرد الذي عاد إليّ كان هادئًا على نحوٍ مستفز.
“لأنني أصبحتُ فضوليًا تجاهكِ يا آنسة لوار.”
“فضولي؟ لماذا؟ وما الذي يثير فضولكَ أصلًا؟”
“لأنني لم أقابل شخصًا مثلكِ طوال حياتي.”
هذا لم يكن مديحًا أبدًا.
فتراجعتُ بحذرٍ شديد وكأنني حيوانٌ بري متأهب، بينما سألني الماركيز بعينين تحملان مسحة حزن.
“هناك شابٌ وسيمٌ للغاية يقف أمامكِ، ومع ذلك يبدو أنكِ لا تحبينني. أظن أن المظاهر الخارجية لا تعني لكِ الكثير.”
“صحيح. أنا أريد رجلًا مستقيمًا ومجتهدًا. لا شخصًا مراوغًا يلف حديثه حول نفسه، بينما يحاول نبش أعماق الآخرين بلا خجل. ولا رجلًا يتباهى فقط بوسامته.”
حتى بعدما تعمدت وصف رجلٍ معاكسٍ تمامًا للماركيز أوريلنو، ألقى عليّ سؤالًا مباشرًا لم أتوقعه.
“أليس بسبب الشائعات المحيطة بعائلة أوريلنو أنكِ تريدين تجنب رجلٍ مثلي؟”
أن يطرح موضوعًا حساسًا كهذا بنفسه وبهذه الصراحة….
هل هو جريءٌ فعلًا؟ أم أن شعوره بالارتياب متضخمٌ لدرجة تحوله إلى آلية دفاع؟
فاستدرتُ عنه بسرعة واتجهتُ نحو المخرج.
“أبدًا. أنتَ الآن تلتصق بي بطريقةٍ تبدو منحرفةً لأي شخصٍ يراها، ويبدو أنكَ تفتقر فعلًا إلى إدراككَ لذاتكَ.”
حتى بعدما قلتها بوضوحٍ وحزم، اكتفى الماركيز أوريلنو بالسير بجانبي بصمت، مواكبًا خطواتي.
وشعرتُ بسترته السوداء المفتوحة ترفرف مع حركته.
‘إنه يظن أنني أكذب.’
منذ فترة ظهوري الاجتماعي، رأيتً عددًا لا يحصى من الرجال الذين يعلنون حبهم لي بمختلف الطرق.
لكن اهتمام الماركيز بي كان مختلفًا قليلًا عن كلماتهم المعسولة الفارغة. يبدو أنه فضولً نحوي بصدق….
لكن لأن الطرف الآخر هو شين دي أوريلنو تحديدًا، فلا يعود إليّ سوى شعورٌ مزعج لا يمكن تفسيره.
فأبقيتُ نظري مثبتًا على المخرَج و تحدّثتُ بصراحة،
“هذه الأسئلة التي تواصل طرحها بعد انتظاركَ لي هكذا….مرهقةٌ جدًا.”
“إذًا، هل سيكون مقبولًا لو زرتُ قصر لوار بعد بضعة أيامٍ لنتحدث بهدوء؟”
وبينما كنتُ لا أخفي انزعاجي إطلاقًا، ابتسم الماركيز ابتسامةً ماكرة وأصر أكثر.
“لقد ازداد فضولي تجاهكِ أكثر فأكثر. وفوق ذلك، ألسنا شريكين في مجال أعمالٍ متشابه؟ أظن أننا سنكون محاورين مفيدين لبعضنا.”
‘إنها محاولة توددٍ رخيصة بشكلٍ يثير الشفقة فعلًا.’
وبمجرد أن خرجنا إلى ما وراء المدخل المفتوح على مصراعيه….كما توقعت. كان الشارع المظلم أمام المسرح مكتظًا بالبشر بشكلٍ جنوني.
كان الضجيج يملأ المكان كأنه سوق احتفالٍ صاخب، لذا ربما لن يسمع أحدٌ كلامي بوضوح، لكن مع ذلك كانت العيون في كل مكان، فخفضتُ صوتي قليلًا.
“استمع جيدًا. سأقولها باختصار. ما لم يكن للماركيز شين دي أوريلنو نيةً لتحطيم عائلة الدوق لوار بالكامل، فأنا لا أهتم بعائلة أوريلنو إطلاقًا.”
“مستحيل.”
“الأمر كله بسبب الكاتبة إيفير فقط. لولاها، لما تبادلتُ معكَ حديثًا من الأساس. لأنني غير مهتمةٍ بكَ. ولا أحتاج لأن أرتبط بكَ بأي شكل.”
….هل كنتُ حادةً أكثر مما ينبغي؟
لكن مع شخص غامضٍ ومريبٍ مثله، كان لا بد من الكلام بوضوحٍ حتى يستفيق.
“وعندما حدثت تلك المشكلة مع الآنسة كلينوت، قبلتكَ كممثلٍ لي ليس إلا. مجرد ممثل، لا أكثر ولا أقل، فلا تُسئ الفهم. لقد كنتَ فقط الشخص الذي مرّ صدفةً في ذلك الوقت.”
“…….”
“وفوق ذلك، لقد عدتُ إلى العاصمة بعد سنواتٍ طويلة قضيتها في تلك المقاطعة الواسعة عديمة الفائدة! ولا يمكنني أن أسمح بأن تتعقد حياتي الهادئة كمحبةٍ لأعمال الكاتبة إيفير بسببكَ.”
فأسرعتُ أبحث بعيني عن عربتي.
كان الجد والتون، سائق عربة عائلة لوار، قد اعتاد تمامًا على شوارع حي المسرح المزدحمة، لذا أوقف العربة بسرعةٍ قياسية وكان ينتظرني بالفعل.
وبعد أن تأكدتُ من وجود فرسان حراسة عائلة لوار حول المكان، طرحتُ على المركيز سؤالًا بالغ الأهمية.
“أنا لم أقل شيئًا قد يسبب مشكلةً لرئيس عائلةٍ ماركيزية تابعةٍ للعائلة المالكة في آيزار، صحيح؟”
“صحيح.”
“إذًا هذا يكفي.”
الآن انتهى الأمر فعلًا.
ضربتُ المروحة في راحة يدي بحزمٍ و تحدُثتُ بوضوح،
“على أي حال، أنا لا أهتم بأي شيءٍ يتعلق بكَ. وليس لدينا ما نتحدث عنه، لذا سأذهب لأقوم بأعمالي.”
“وما هذه الأعمال؟”
“أحتاج إلى أشخاصٍ يحللون المعاني الخفية في أعمال الكاتبة إيفير بجنونٍ يشبه المنحرفين. لذا سأذهب لأبحث عن مكانٍ يجتمع فيه أناسٌ كهؤلاء.”
ولأول مرة، توقف الماركيز في مكانه وأظهر ارتباكًا واضحًا.
قناة التلجرام: https://t.me/+PE6p5xi2s882MWJk
__________________
سفهها وجلدها له مب طبيعي ضحكت ضحك كل شوي تبلكه😭
اما شين نفسه احس بيبدا يتكلم عن الكاتبة الي هي هو عشان يجذبها 😂
المهم تاشا يا حظها شافت هوشه رايعه
Dana
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.