الفصل 18
كانت تاشا أول من انتبه إلى ذلك، فبدأت تلمّح لي بحذر.
“الآنسة لوار.”
“ما اسم ذلك الممثل مجددًا؟”
“آنستي….كحكح….إلى جانبكِ.”
“ماذا؟”
وبينما كنتُ ألتفت بحماسٍ في كل الاتجاهات، أدركتُ سريعًا ما الذي تقصده.
كان الماركيز أوريلنو قد أدار جسده نحوي قليلًا، متكئًا بعمقٍ على المقعد وساقٍ فوق ساق، يراقبني بصمت.
أما أطراف أصابعه الخارجة من بين ذراعيه المعقودتين، فكانت تنقر على ذراعه بنقراتٍ خفيفة منتظمة.
وكأنه يعدّ الوقت الذي أتجاهله فيه عمدًا.
“لماذا تنظر إليّ هكذا؟”
“وأنتِ….إلى متى تنوين جعلي أترقبكِ بهذا الشكل؟”
“هاه؟”
ازدادت نظرات ماركيز أوريلنو عمقًا وثقلًا وهو يحدق بي.
“لقد انتهى الفصل الأول.”
“….آه.”
صحيح. كان هناك شيءً وعدته بأن أخبره به خلال الاستراحة بعد الفصل الأول.
لكن عقلي، الذي كان في قمة الحماس، لم يستطع تذكر ما تحدثنا عنه قبل قليل.
بل إن الأمر من الأساس….
“همم….هل كان الموضوع مهمًا إلى هذه الدرجة فعلًا؟”
عند إجابتي الصريحة، انعقد ما بين حاجبي الماركيز قليلًا.
“ألا يمكنني إخباركَ بعد انتهاء المسرحية؟ انظر حولكَ. حتى الأشخاص الذين جاءوا لمشاهدة المسرحية للمرة الخامسة مثلي عاجزون عن النهوض من مقاعدهم من شدة الحماس، وكلهم منشغلون بالثرثرة مع مرافقيهم. آه، وبالمناسبة، ماذا عنكَ يا سيدي الماركيز؟ هل تعرف ذلك الممثل الذي ظهر قبل قليل؟”
“تقصدين إيليو فيدلي؟”
ومن شدة حماسي، بدأتُ أتكلم وحدي بلا توقف. أما الماركيز فظل يستمع بصمت.
وبما أنه أحد المستثمرين في المسرحية، فلا بد أنه مهتمٌ بالممثل الجديد ولو قليلًا!
شعرتُ وكأن وقتًا قصيرًا فقط قد مر، لكن جرس بدء الفصل الثاني دوّى بالفعل في أرجاء المسرح.
“يا إلهي، يبدو أن الفصل الثاني سيبدأ بالفعل! لحظة….ما الذي كنا سنتحدث عنه بعد الفصل الأول؟”
فارتفع حاجب الماركيز أوريلرنو الأيمن قليلًا.
وقد فسرتُ تعبيره على الفور بأنه يعني: “كيف يمكنكِ نسيان وعدكِ؟”، فسارعتُ أعتذر.
“آسفة. إذا كنتُ قد تصرفتُ بوقاحةٍ فأنا أعتذر. لكنكَ تعرف أنني غريبة الأطوار أصلًا، أليس كذلك؟ أنا الآن متحمسةٌ جدًا لدرجة أشعر معها أنني أستطيع الركض حافية القدمين حتى قصر لُوار!”
في حالتي الحالية، حتى لو ظهرت فيفيان أمامي الآن، لكنتُ قادرةً على منحها ابتسامةً متسامحة لمرةٍ واحدة فقط من شدة فرط حماسي.
“آه! بدأ الفصل الثاني! لنتحدث بعد انتهاء العرض!”
ومع بدء خفوت الأضواء مجددًا، همستُ للماركيز أوريلنو وأنا أحاول أن أبدو معتذرةً قدر الإمكان.
وهذه المرة، كنتُ صادقةً فعلًا.
صحيحٌ أن الماركيز أظهر تعبيرًا لم أره منه من قبل، لكن لم يكن لدي وقتٌ للاهتمام بذلك.
لأنني الآن في حالة هوسٍ تام، ومن المستحيل أن أجري محادثةً طبيعية.
فقط….انتظر قليلًا.
اليوم، حتى لو انشق سقف هذا المسرح العتيق نصفين، فسأموت وأنا أحتضن هذه المسرحية إلى صدري.
***
كان الأدرينالين يسيطر على عقلي لدرجة أن إحساسي بالوقت اختل تمامًا بعد ذلك.
بمعنى أن الساعة الواحدة مرت وكأنها خمس عشرة دقيقة فقط.
وبعد انتهاء المسرحية، التفتّ قليلًا نحو الناقد الجالس خلفي بشكلٍ مائل.
ذلك الرجل الذي كان يحافظ دائمًا على ملامح جادة صارمة، كانت ابتسامته الآن متفتحةٌ كورد الصيف المبكر.
لا يمكنني السماح لأحدٍ أن يسبقني.
أنا من سيقابل إيليو فيدلي أولًا.
“تاشا، هيا بنا!”
“الآن؟ بالفعل؟”
حتى قبل أن تنتهي تحية الختام، كنتُ قد التقطتُ قبعتي وبدأتُ أستعجل تاشا.
وقبل أن تتمكن حتى من جمع أغراضها، انطلقتُ مسرعةً نحو غرفة انتظار الممثلين لمقابلة العاملين هناك….وإيليو فيدلي.
“تعالي على مهل! سأسبقكِ أولًا.”
“وكيف تريدينني أن آتي بهدوءٍ أصلًا؟!”
تاشا، سامحيني. لا بد أن مرافقة مهووسةٍ مثلي أمرٌ متعبٌ حقًا.
لكنني هذه المرة….سأعيش حياتي كما أريد فعلًا.
لأن العثور على شيءٍ تغوص فيه بكل كيانكَ لدرجة أنكَ قد ترمي كل شيءٍ لأجله ليس أمرًا سهلًا أبدًا.
خصوصًا إن كان شيئًا صحيًا، لا شراباً ولا قمارًا ولا مخدرات ولا علاقاتٍ منحرفة.
لذا….ألا يمكنكم التغاضي عن الأمر قليلًا؟
كان قلبي يخفق بعنف.
هل سأتمكن يومًا من إخبار الكاتبة عن حياتي السابقة، تلك التي لم أفعل فيها سوى العمل؟
وعندما التفتّ على وقع خطواتٍ مسرعة تقترب، رأيتُ تاشا وقد لحقت بي أخيرًا وهي تلهث بصعوبة.
وبعد كل ذلك الركض، تمكنا أخيرًا من مقابلة إيليو فيدلي وسط الحشود.
وكان الفضل في ذلك يعود إلى بول بيرجير، الذي تحرك أسرع من الجميع ورتب لنا المكان.
فخارج غرفة انتظار الممثلين، المعبقة برائحة المكياج، كانت الصحافة والمعجبون على وشك تفجير المكان.
وفي عيني الممثل الشاب، الذي بدا سعيدًا ومرتبكًا في آنٍ واحد بسبب اهتمام الناس المفاجئ به، انعكس منظري أنا….كأول شخصٍ يدعمه في حياته.
لا بد أنه يظنني غريبة الأطوار حقًا.
فلماذا تدعمه ابنة الدوق لوار تحديدًا دون غيرها؟
حتى عندما يعود إلى منزله، لن يصدق ما حدث. وقبل أن يغفو، سيتساءل إن كان كل هذا حلمًا.
‘وأنا أيضًا.’
حتى أنا، قبل النوم، تراودني الفكرة ذاتها أحيانًا.
ألا أكون في الحقيقة مجرد شخصيةٍ كتبها شخصٌ ما في رواية؟
بل بما أنني انتقلتُ إلى داخل رواية، فهل يجب أن أسمّي نفسي شخصيةً فعلًا؟
حتى لو كان الأمر تقمصًا داخل رواية….كيف يمكن لحياةٍ كهذه أن توجد؟
إنها حقًا أشبه بحلم….
“يا آنسة لوار. لقد تعرضتُ الآن لنوعٍ جديد تمامًا من الأذى العاطفي.”
وانكسر حلمي فجأة.
استعدتُ وعيي بسرعةٍ ورفعتُ رأسي لأنظر إلى الرجل الطويل الواقف أمامي حتى آلمتني رقبتي.
كنتُ قد أعطيت إيليو فيدلي خاتم الياقوت الذي أرتديه وعشر عملاتٍ ذهبية، ووعدته بأنني سأدعمه حتى يثبّت قدميه في هذا المجال.
أما العملات، فليستخدمها مؤقتًا في معيشته، وإذا اضطر يومًا لمقابلتي، فليُبرز الخاتم دليلًا.
وطبعًا، أضفتُ تحذيرًا بألا ينجرف مع هذه الأجواء ويذهب لافتعال المشاكل في مكان ما.
وبحسب ما قاله بول بيرجير، فإن إيليو ممثلٌ شاب لم يمض وقتٌ طويل على انضمامه إلى الفرقة.
كان يعلم بموهبته، لكنه لم يتخيل أنه حفظ حوارات الشخصيات الأخرى كاملة، بل وأتقن تحركاتهم أيضًا، لذلك لم يتوقف عن الإشادة به.
بل قال أنه سيضمّه حتمًا إلى العمل القادم.
وبعد أن انتهيتُ من كل ما عليّ فعله، وخرجتُ مع تاشا من الباب الخلفي لغرفة الانتظار إلى ممر العاملين….
هناك، وجدتُ الماركيز أوريلنو ينتظرني مباشرة.
كان واقفًا ويداه داخل جيب سترته، مستندًا بكتفٍ واحدة إلى الجدار البارد، يحدق بي بصمت.
ولسببٍ ما، بدا وكأنه اتخذ قرارًا حاسمًا، فتذكرتً فجأةً الشيء الذي نسيته، وشعرتُ بشيءٍ من الإحراج.
“همم….يبدو أنكَ….كنتَ تنتظر هنا؟”
“أجل. يا آنسة لوار، هل أخبركِ بحقيقةٍ طريفة؟”
رفع الماركيز أوريلنو ذراعه الطويلة بحركةٍ أنيقة وأشار إلى نهاية الممر.
فهمت فورًا أنه يريد التحدث أثناء السير، فسرتُ بجانبه مع الحفاظ على مسافةٍ مناسبةٍ بيننا.
كان ممر العاملين المؤدي إلى المخرج فارغًا تمامًا؛ فإما أن الجميع قد غادروا، أو أنهم ما زالوا عالقين داخل غرفة الانتظار المكتظة.
وكان السجاد الأحمر المفروش على الأرض يبتلع صوت خطواتنا.
ومع النسيم الخفيف المتسلل من جهة المخرج يلامس وجهي الساخن ويطفئ حرارته، بدأتُ أهدأ تدريجيًا.
صحيح….لقد تحمستُ أكثر مما ينبغي.
لكن الماركيز لم يمنحني فرصةً لأستعيد هدوئي.
“أنتِ أول امرأةٍ تجعلني أنتظر بهذا الشكل.”
كادت ملامحي أن تلتوي تلقائيًا من شدة الصراحة التي ظهرت على وجهي، فاستدرتُ نحوه بسرعة.
وطبعًا، لم يكن الماركيز أوريلنو من النوع الذي تفوته تلك التفاصيل.
“إذا كنتِ تظنين أنني أستخدم أسلوب مغازلةٍ رخيصًا فسيصيبني ذلك بخيبة أمل. هل تعتقدين حقًا أنني سأستخدم طريقةً مبتذلةً كهذه علنًا؟”
“هل سيكون وقاحةً مني لو قلتُ بصراحةٍ أنكَ قادرٌ على فعلها؟”
“يا للعجب، لماذا أنتِ صريحةٌ إلى هذا الحد؟ هل لأن لديكِ عائلتكِ التي تستندين إليها؟”
“وأنتَ أيضًا تبدو صريحًا جدًا، يا سيدي الماركيز.”
“حقًا؟”
جاءني رده خفيفًا للغاية، لا يحمل تأكيدًا ولا نفيًا.
“صحيحٌ أن عائلة الدوق لوار سندٌ يمكن الاعتماد عليه بالنسبة لي، لكن بما أنني لا أبني كل شيءٍ وأحميه وحدي، فربما يكون ذلك التفكير خاطئًا.”
فأطلق الماركيز أوريلرنو ضحكةً خفيفة بعد سماع إجابتي، بينما كان يسير واضعًا يديه خلف ظهره.
هل كانت سخرية؟
“على أي حال، بشأن ما سألتني عنه قبل الفصل الأول من المسرحية.…”
“كنتُ أسأل عن الشخص الذي أحببتهِ كامرأة.”
“آه….كان مجرد سؤال تافهٍ كهذا.”
فقدتُ اهتمامي فجأة.
منذ البداية لم أكن أنوي إخباره، لكن ما الذي يثير فضوله إلى هذا الحد ليظل متعلقًا بالأمر حتى النهاية؟
“هذا جبنٌ منكَ بعض الشيء.”
قناة التلجرام: https://t.me/+PE6p5xi2s882MWJk
________________
اي جبن؟ عندنا تشيدر ناقص حلوم بس غالي
امزح امزح امزح
شسمه الي استوعبته بعد 18 فصل ان ليفيريتا عباره عن مؤسسة الجنون 😭 يوم قالت بركض حافية للقصر من الحماس؟ بالله ذاه كلام نبيلة تقوله لماركيز توها تمدح وسامته😭؟
ما الومه اذا نشب لها وجاها بجزره✨
Dana
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.