الفصل 17
“نعم. لكن ليس ذلك النوع من المشاعر العاطفية بين الرجل والمرأة….”
“أفهم ما تعنينه.”
أمال مركيز أوريلنو رأسه قليلًا وسط الظلام، ثم همس قرب أذني بصوتٍ منخفض.
“يبدو أنكِ أكثر سذاجةً مما توقعتُ.”
كان استنتاجه، الذي اخترق أذني كالإبرة، صادمًا إلى حدٍ يصعب تصديقه.
“هل سبق لكِ فعلًا أن أحببتِ أحدًا؟”
طوال حياتي قبل التقمص وبعده، هل سبق أن تعرضتُ لهجومٍ سخيفٍ كهذا بجملةٍ تصلح لمسلسلٍ درامي؟
حتى أبي لم يكلمني بهذه الطريقة قط!….لا، بل فعل.
كنتُ أعرف كيف أتعامل مع برود والدي وتجاهله لي. لكن….
‘كيف يُفترض بي أن أرد في موقفٍ كهذا؟’
لو كان الأمر قبل التقمص، لسخرتُ منه مباشرةً وقلتُ: “وما شأنكَ؟” بازدراءٍ واضح، لكنني الآن آنسة دوقية، والوضع مختلف.
وفي خضم ذلك، تخلى الماركيز أوريلنو عن أناقته المعتادة ورمى بها بعيدًا، ثم بدأ يتفوه بكلامٍ يثير الذهول.
“كل ما نقلته لكِ من كلمات الكاتبة كان سلبيًا بالكامل. ومع ذلك، ما زلتِ تسمّين هذا حبًا؟ إما أن قلبكِ واسعٌ إلى حدٍ لا يُصدق، أو أنكِ لا تعرفين معنى كلمة الحب أصلًا.”
“لا، أنا فقط استخدمتُ التعبير بهذا الشكل….”
“بل إنكِ حتى لا تعرفين وجه الكاتبة.”
كان صوته الناعم العذب مشبعًا بالسخرية.
“ومن المثير للاهتمام حقًا أن تتباهى، يا سيدي الماركيز، بمعرفتكَ لوجه الكاتبة.”
ومن الطبيعي أن تُقابل السخرية بسخريةٍ مثلها.
“هل قلتُ يومًا أنني أرى الكاتبة كشريكة زواج؟ ساذجة؟ أنا فقط عبّرتُ بصدقٍ عن حزني كقارئة، فإذا بي أتحول إلى فتاةٍ جاهلة لا تعرف شيئًا عن الدنيا، وهذا يجعلني أكثر حزنًا. وكأنني خُدعتُ من رجلٍ سيئ وسرقتُ خاتم ختم العائلة لأقدمه له، يا له من ظلم.”
صمت المركيز. أما أنا، فتذكرتُ أمرًا لم أسمع جوابه في لقائنا السابق، فعدتُ أهاجمه بسؤالٍ آخر.
“….أسأل بدافع الفضول الصادق. هل سبق لكَ، يا سيدي الماركيز، أن أحببتَ أحدًا؟”
وقد انفلت لساني تمامًا، فقبضتُ على حافة قبعتي المستديرة بقوةٍ حتى كادت تتشوه، وصببتُ غضبي في كل كلمة.
“منذ المرة السابقة وأنتَ تعظني وكأنكَ خبيرٌ في الحب. لا بد أنكَ بلغتَ مرتبةً عظيمة في فهم معنى الحب حتى تسمح لنفسكَ بتلقيني الدروس، أليس كذلك؟ إذًا علّمني.”
وفي الظلام، بدأ الماركيز أوريلنو يُطلق سخريته علنًا هذه المرة.
“لأن تصرفاتكِ بدت حمقاء لأي شخصٍ يراها، لم أستطع التحمل فتماديتُ في الوقاحة. لماذا تهبين قلبكِ كله لشخصٍ لا تعرفين حتى وجهه؟ لماذا تهيمين إلى هذا الحد بقصةٍ مكتوبةٍ على بضع أوراق؟ لا أستطيع فهمكِ أبدًا.”
وبلغ بي الغيظ والاختناق من طريقته، التي لم تعد تبدو إلا تنفيسًا عن غضبه، أنني حررتُ الكلمات التي كنتُ أكبتها.
“إذًا لا تحاول أن تفهم. لأن الحب حماقةٌ أصلًا.”
….أن يدفعني للتفوه بكلامٍ كهذا!
أطبقتُ فمي للحظةٍ وكأنني أتجرع دمًا، ثم التقطتُ أنفاسي الثقيلة، وعدتُ أهمس قرب أذنه بكلماتٍ مشبعة بالغضب.
“حتى لو تصرف الطرف الآخر بحماقة، فهناك حدودٌ للنقد. لكنكَ تجاوزتَ حدودكَ بوقاحةٍ شديدة، رغم أننا لسنا مقربين إلى هذا الحد. وأنتَ لستَ أبي.”
“…….”
“وما شأنكَ إن أحب شخصٌ إنسانًا حقيقيًا أو أحب شخصًا يعيش داخل كتاب؟ هل أهنْتُ أحدًا؟ هل خالفتُ قوانين المملكة؟ آه، أم أنني فقط أزعجتُ مزاج سعادة الماركيز؟ يا للأسف. إن كان الأمر لا يتجاوز ذلك، فلا أظن أنني مضطرةٌ حتى للاعتذار.”
بدأ عزف الأوركسترا يتصاعد تدريجيًا. وانسحب الستار الأحمر إلى الجانبين، لتظهر ملامح وجه الماركيز أوريلنو من جديد وسط الضوء الخافت.
….والمفاجئ أن ذلك الوجه المتعالي كان يحدق بي بعينين متسعتين تحملان الحذر.
اجتاحت زرقة عينيه كل شيء. وبفضل الإضاءة، بدت عيناه وكأنهما تحتضنان مشهد غروبٍ متوهج ببريقٍ ساحر، لكنهما كانتا ممتلئتين بالصدمة.
لدرجة أنني لم أفهم السبب إطلاقًا.
لكن شيئًا واحدًا كان مؤكدًا. لقد شعرتُ غريزيًا أن الماركيز يقف أمامي الآن بلا قناع، كاشفًا وجهه الحقيقي بالكامل.
‘لماذا….لماذا تفعل….’
عندها، انحنى أحد الجالسين في الصف الخلفي نحو المقعد الذي أجلس فيه أنا وماركيز أوريلنو، وأطلق صوت “ششش” طويلًا.
كان العرض قد بدأ للتو، والمعنى واضح: التزموا الصمت.
وفي النهاية، لم أملك سوى الاستسلام لذلك الشعور الممزوج بالهزيمة والحيرة، ثم حولتُ نظري نحو المسرح. وشعرتَ بالماركيز أوريلنو يعدل جلسته هو الآخر.
كان مسرح سافرانيت، بصفته مسرحًا عريقًا ذا تاريخٍ طويل، صارمًا جدًا فيما يخص آداب المشاهدة، لكن عندما بدأ عرض “كيتلين” تقديم عرضه الخامس، بدأت الأمور تأخذ منحى مختلفًا قليلًا.
“سيرا فرانسيس!”
“وووه! أجمل امرأةٍ في آيزار ظهرت!”
“نتطلع لأدائكِ اليوم أيضًا!”
سمعتُ الرجل الذي وبخنا قبل قليل من الصف الخلفي يطلق شتيمةً صغيرة تحت أنفاسه. فقد غمرت القاعة صيحاتٍ عالية وتصفيقٌ وصفير، حتى بدا توبيخه السابق مثيرًا للسخرية.
جاء الناس من كل مكانٍ حاملين معهم الترقب والحماس. ولم يعد يفيد أن يشتكي أحدٌ للحراس بحجة إزعاج المشاهدة ليُطرد المتسببون بالضوضاء.
فمنذ العرض الثالث، كان “كيتلين” قد حطم بالفعل أرقام الحضور الأولى في تاريخ المسرح.
لذلك توصل مسؤولو مسرح سافرانيت، المعروفون بسرعة بديهتهم، إلى نتيجةٍ مفادها: “لا مفر من التغاضي عن الأمر إلى حدٍ ما.”
صحيحٌ أن بعض النقاد هاجموا العمل مدعين أن مستواه انحدر مقارنةً بالماضي، لكن النقاد الذين لا يملكون سوى الكلام لم يكونوا قادرين على حل الأزمة المالية للمسرح.
بل حتى أنا، الآنسة التي دعمت عرض “كيتلين”، كنتُ قارئةً متحمسة للكاتبة إيفير، فهل توجد مشكلة؟ بالطبع لا.
وفي تلك الأثناء، بدأ العرض المسرحي فعليًا.
رأيتُ سيرا، التي ورغم تبدل الممثل الرئيسي، تماسكت وأدت دورها المعتاد بكل شغفٍ وإتقان.
وبفضل ذلك، بدأت تلك المشاعر الغريبة التي أثارها داخلي الماركيز أوريلنو تتلاشى تدريجيًا….
“….إذًا من هو؟”
فجأة، داعب أذني همسٌ ما، حتى انتفض كل شعر جسدي.
“الشخص الذي أحببته الآنسة بعقلها وقلبها.”
لقد صُدمتُ حرفيًا لدرجة أنني كدتُ أقفز من مقعدي صارخة.
وبينما كنتُ أحاول تهدئة نفسي وسط الحرارة التي اجتاحت وجهي من شدة الارتباك، عاد الغضب ليرفع رأسه بسرعة.
“لا أريد أن أخبركَ. وإذا واصلتَ إفساد مشاهدتي للمسرحية فسأستدعي الحراس.”
“أليست هذه خامس مرةٍ تحضرين فيها العرض اليوم وحده؟ يمكنكِ تحمل دردشةٍ بسيطةٍ مني.”
إن القدرة على جعل الهمسات المزعجة تبدو بهذا القدر من العذوبة….موهبةٌ بحد ذاتها.
لكن بما أن المسرحية كانت أهم بالنسبة لي، فقد قررتُ أن أجيبه سريعًا وأنهي الأمر، فتمتمتُ بصوتٍ لا يسمعه سواه.
“سأخبركَ بعد انتهاء الفصل الأول. رغم أنني أشاهد المسرحية للمرة الخامسة، فأنا من النوع المتحمس الذي يركز بجديةٍ تامة.”
عند هذا الحد، التزم الماركيز الصمت أخيرًا وأعاد نظره نحو المسرح.
كان خط فكه وملامحه الجانبية المتقنة متناسقةٌ إلى درجةٍ لا تقل روعةً عن الزخارف العريقة التي تزين المسرح.
وهكذا، بقينا فترةً طويلة نشاهد العرض الخامس بصمت.
مرّ مشهد البطلة كيتلين وهي تصدم من الواقع الوحشي للحرب، ثم تستعيد رباطة جأشها وتتجاوز الأزمة بموهبتها الفطرية في المبارزة….
ثم ظهر نجمٌ جديد….لا، بل نجمٌ لم يكن أحدٌ يدرك أنه موجودٌ أصلًا في ذلك المكان.
***
وانتهى الفصل الأول بمشهدٍ منفرد يغني فيه أركوس وكأنه يروي لكيتلين قصته، ذلك الرجل الذي اندفع إلى الحرب انتقامًا لأحبائه.
وانفجرت القاعة بعاصفةٍ من التصفيق والهتافات، لدرجة أن القلق حول قدرة الممثل الجديد، الذي تم ضمه فجأة، على أداء الدور بدا سخيفًا تمامًا.
شعرتُ وكأن المسرح سيتهاوى من شدة الضجيج.
وفي وسط تلك الفوضى….كنتُ أبكي بالفعل.
ولم أكن الوحيدة. فمن صوت الشهيق المكتوم بجانبي، بدا أن تاشا أيضًا تحاول بصعوبةٍ السيطرة على مشاعرها.
أما أولئك الذين حضروا العرض للمرة الثانية أو الثالثة مثلي، فقد كانوا أكثر جنونًا.
فهم يعرفون القصة بالكامل، ويحفظون الإخراج، ويعرفون تمامًا متى ستنفجر المؤثرات الصوتية لإخافة الجمهور، حتى بدأ الملل يتسلل إليهم….
ثم فجأة يظهر لهم هذا القدر من الإثارة الجديدة؟
“يا إلهي! حتى صوته قويٌ ومريح بشكلٍ لا يوصف، وملامحه تناسب أركوس تمامًا! كاد جوهرٌ كهذا ألا يرى النور! لا، كان سيُكتشف بالتأكيد….لكننا كدنا نراه متأخرين قليلًا!”
وبعقلٍ شبه غائب، بدأتُ أتحمس مع تاشا ونتحدث بجنون.
لكن….لسببٍ ما، شعرتُ أن هناك شيئًا غريبًا. وكأنني أغفل أمرًا مهمًا للغاية.
قناة التلجرام: https://t.me/+PE6p5xi2s882MWJk
___________________
فيه واحد جنبس توس تمدحين جماله اذا نسيتيه يعني
بس ليه مستغربين من الممثل منهو عاد؟ ماطلعت شخصيات واجد فما ظني نعرفه
المهم يتخطى الماركيز توها معطيته كلام مخليه ينصدم والحين تم السفه 😭
Dana
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.