الفصل 16
〈كيتلين〉. روايةٌ رومانسية تدور أحداثها على خلفية حرب السنوات العشر بين مملكة آيزار ومملكة ديهاتي.
وهي العمل الثاني للكاتبة إيفير.
بطلة الرواية، كيتلين بينيديك، ليست الابنة الثانية ولا الثالثة لعائلةٍ نبيلة فقيرة من طبقة الفيكونت….بل الابنة الرابعة!
وبدلًا من أن تُجبر على الزواج من رجلٍ عجوزٍ كما لو كانت عبئًا يجب التخلص منه، اتخذت كيتلين قرارًا حازمًا؛ إن كانت ستموت، فالأفضل أن تموت في ساحة الحرب وهي تستخدم موهبتها التي مُنحت لها، المبارزة بالسيف، من أجل وطنها.
وهكذا ذهبت إلى الحرب بدلًا من شقيقها الأصغر الخامس، الابن الوحيد الذي سيحمل اسم العائلة.
وفي الحرب التي شاركت فيها متنكرةً بزي رجل، التقت بـ”أركوس الجزار”، وحش حرب ديهاتي الذي يُقال أن حتى الشياطين تهرب منه.
وفي خضم مواقف يتأرجح فيها الموت والحياة، بدأ كلٌ منهما يشعر تجاه الآخر بمشاعر غريبة……
وسأتوقف هنا لأن ما بعد ذلك يُعد حرقًا للأحداث.
تلك “المشاعر الغريبة”؟ الجميع يعرف أنها الحب.
ما أروع هذا الشعور المسمى بالحب، الذي يغير قناعات شخصين وسط ظروفٍ مأساوية كهذه، بل ويدفعهما لتجاوز حدود البلاد نفسها.
حين صدرت الرواية لأول مرة، ضجّت المملكة كلها تتساءل إن كانت قصةً حقيقية أم لا.
فالأماكن المذكورة مألوفة، والأحداث تبدو ممكنة الحدوث، وسرد الشخصيات يمس القلب، ووصف الحرب كان واقعيًا لدرجةٍ توحي بأن الكاتب خاضها بنفسه……
وعندما يمتزج الكذب بالحقيقة، يصبح حتى الكذب أشبه بالحقيقة.
أما المسرحية، فكلما مر الوقت ازدادت شهرتها بالكلام المتداول بين الناس.
بل وصل الأمر إلى أن المال وحده لم يعد كافيًا لمشاهدتها. أي أن بطاقات الدعوة التي أملكها أصبحت تُساوي الذهب.
عدد المشاهدين يزداد باستمرار، بينما المقاعد محدودة، وحتى بين النبلاء القادرين على إعادة المشاهدة مراتٍ عدة بفضل ثرواتهم، فلم أكن الوحيدة.
وبالنسبة لي كمستثمرة، لم يكن هناك وضعٌ أكثر إرضاءً من هذا.
بل إن أفرادًا من العائلة المالكة حضروا العرض الثالث أيضًا، وهذا وحده يكفي لشرح مدى النجاح.
فبطل الرواية الأصلي، ولي العهد كيبرن، حضر بنفسه قبل انضمامه إلى موكب رئيس الكهنة وأغدق المديح على المسرحية قبل مغادرته.
وكان سبب حضوره تحديدًا مرتبطًا بنتائج حرب السنوات العشر.
فقد أدركت آيزار وديهاتي، متأخرتين، أن أوضاع الدول المجاورة أصبحت مريبة، فأنهتا الحرب على عجلٍ وبشكلٍ غير مكتمل.
إذ كانت بقية الدول على وشك استغلال ضعف السلطتين الملكيتين وجيوشهما لابتلاع المملكتين معًا.
وفي النهاية، لم يبقَ شيءٌ لأي طرف. و لم يكن هناك منتصر.
و المناطق الحدودية التي تبادلت الهجوم والهجوم المضاد تحولت إلى أرضٍ محروقة.
ثم دخلت آيزار وديهاتي مرحلةً سياسية جديدة يقودها الشباب، وتبع ذلك توقيع اتفاقية سلام.
وكان نازريل، شقيق كيبرن، أبرز من أقنع الملك الحالي بقبول اتفاقية السلام.
وبعد أن قُتل في هجومٍ مباغت من خصومه السياسيين، ورث كيبرن منصب ولي العهد وسيطر على الفصائل الشابة من النبلاء والفرسان الموالين للعائلة الملكية.
الوريث الأقوى للعرش، الذي أعاد الملك المتردد إلى رشده، كان يريد السلام.
وفي ظل هذا الوضع السياسي، لا عجب أن يثير فضول ولي العهد عرضٌ مسرحي متقن مقتبسٌ من روايةٍ لا تخفي رسالتها الواضحة، “الحرب لا تترك سوى الخراب.”
وبصراحة، لم أكن أرغب في مقابلة بطل الرواية الأصلي بعد انتقالي إلى هذا العالم.
فأفضل طريقةٍ للحفاظ على استقرار حياتي هنا كانت تجنب الشخصيات الرئيسية قدر الإمكان.
لكن بصفتي مستثمرةً في العمل الذي أعشقه، وابنة الدوق أيضًا، لم يكن بوسعي تجاهل ولي العهد تمامًا.
لذلك، وقبل بدء الفصل الأول، جررتُ قدميّ بتثاقل فقط لإلقاء التحية سريعًا.
وهناك رأيتُ الماركيز أوريلنو جالسًا بجانب كيبرن. وربما كانا يتحدثان لأن عائلة أوريلنو فرعٌ جانبي من العائلة المالكة.
وخشيتُ أن تظهر فيفيان، التي تكنّ حبًا أحاديًا لكيبرن، لذا التزمتُ بأقصى درجات الرسمية وتجنبتُ الأحاديث الجانبية قدر الإمكان.
وبفضل ذلك، لم ألاحظ حتى أي تعبيرٍ كان يرتسم على وجه الماركيز أوريلنو الجالس بجوار كيبرن في الشرفة.
أما اليوم….
“…….”
ظهر الماركيز أوريلنور بجانبي، في المقعد الأوسط المواجه للمسرح في الطابق الأول، ناشرًا ابتسامته اللطيفة المعتادة، تلك الابتسامة الوسيمة التي لم تعد تبدو لي سوى ابتسامةٍ ماكرة.
وشعرتُ بالإعجاب من نواحٍ عديدة.
كيف يمكنه أن يبتسم بذلك الانتعاش بعد أسوأ محادثةٍ ممكنة بيننا؟
‘إذًا لكي ينجح المرء في جميع أعماله، عليه أن يمتلك جلدًا سميكًا إلى هذا الحد.’
وفي الوقت نفسه، بدأتُ أربط بين الشائعات التي سمعتها من تاشا وبين هذا الماركيز.
صحيحٌ أن الكلام لم يُؤكد من صاحبه، لذا لا يمكن الوثوق به تمامًا، لكن فكرة أن الماركيز أوريلنو قد قتل أحدًا؟
الكلمتان لم تنسجما إطلاقًا، واصطدمتا داخل رأسي كتنافرٍ غريبٍ ومزعج.
وفي خضم هذا الاضطراب….قررتُ أن أفكر فقط في شين دي أوريلنو الذي عرفته بنفسي.
فحين حسمتُ مشاعري تجاه الكاتبة شيل إيفير، كنتُ قد حسمتُ موقفي تجاه الماركيز أيضًا.
طالما أنني سأرتاد مسرح سافرانيت باستمرارٍ خلال الفترة القادمة، وسأقابله مرارًا، فلم أرغب في إشغال نفسي بأمورٍ لا داعي لها.
لذا اكتفيتُ برد تحيته ببرودٍ مناسب.
وعندها فتح الماركيز فمه بموضوعٍ لم يخطر ببالي أبدًا.
“لماذا لم تتظاهري بأنكِ تعرفينني في ذلك الوقت؟”
ما هذا الكلام الآن؟
فأسرعتُ أسترجع في ذهني آخر يومٍ التقينا فيه.
….لقد ألقيتُ التحية فعلًا. أولًا على كيبرن، ثم على الماركيز.
“أنا ألقيتُ التحية.”
وما إن سمع إجابتي القصيرة حتى ارتسمت على وجهه الوسيم ملامح خيبةٍ حزينة بدت دراميةً بشكلٍ يثير السخرية، فأكملتُ بحزم،
“أعتقد أنكَ لم تنتبه لتحيتي لأنكَ كنتَ تنظر إلى الأسفل من الشرفة.”
“همم. لكنكِ اكتفيتِ بتحيةٍ رسمية فقط….”
“هل كنتَ تريد التحدث معي بشكلٍ شخصيٍ أمام سمو ولي العهد؟ حسنًا، لنفترض أنني لم ألقِ التحية أصلًا.”
كان ذلك بعد انتهاء الفصل الأول من العرض الثالث لـ〈كيتلين〉، فلماذا يثير موضوعًا حدث قبل يومين، قبل عشر دقائق فقط من بدء العرض الخامس؟
وفوق ذلك، كيف عرف أنني هنا وجلس مباشرةً في المقعد المجاور لي؟
أنا لا أجلس في المكان نفسه دائمًا. كنتُ أشتري مقاعد مختلفة في كل عرضٍ وأتنقل بين الأقسام أثناء المشاهدة، فكيف يمكن أن توجد صدفةٌ سخيفة كهذه؟
ولأنني لم أرد أن أُظهر له أنني تفاجأت، أجبته بأقصى ما أستطيع من هدوء،
“إنها صدفةٌ مذهلة فعلًا. حتى بعد أن اخترنا مقاعد الطابق الأول، انتهى بنا الأمر في مقعدين متجاورين.”
“صدفةٌ مذهلة فعلًا.”
مستحيلٌ أن تكون صدفة.
أن أجلس بجانب هذا الرجل تحديدًا في يومٍ مهمٍ كهذا لمشاهدة المسرحية….
اليوم كان مميزًا أصلًا، لأن الممثل الذي كان سيؤدي دور البطل أركوس أصيب فجأةً بالإنفلونزا ولم يستطع الصعود إلى المسرح، فتم استبداله بممثلٍ مبتدئ لم يظهر على المسرح من قبل، لكنه كان قد حفظ النص كاملًا عن ظهر قلب.
‘حتى لو كان هذا الرجل يشتت انتباهي، فلا يمكنني التخلي عن أفضل مقعد لرؤية ذلك الممثل الجديد الذي حصل فجأةً على دور البطولة.’
أغلقتُ فمي بإحكامٍ وحدقتُ نحو منتصف المسرح وكأنني سأثقبه بنظراتي.
لكن كل انتباهي انجذب فورًا إلى الكلمات التي قالها الماركيز بهدوء،
“يبدو أنكِ أجريتِ بعض التحريات عني خلال تلك الفترة. هل ظننتِ أنني أكذب على ابنة الدوق؟”
“لم أظن أنكَ تكذب فقط، بل ظننتُ أنكَ تمهد لعملية احتيالٍ كاملة.”
“أنتِ صريحةٌ جدًا حقًا.”
“لماذا؟ هل تكره ذلك؟”
“لا. لهذا أحبكِ.”
“…….”
مـ-ما الذي يقوله هذا الرجل؟
ومن طرف عيني رأيتُ ساق الماركيز المعقودة تتحرك ببطءٍ وكأنه غارقٌ في التفكير، ثم سألني بخفة، وكأنه يسأل ببساطةٍ عما تناولته على العشاء،
“ظننتُ أنني لن أراكِ مجددًا في مسرح سافرانيت.”
“ولماذا ظننتَ ذلك؟”
“لأنني توقعتُ أنكِ لن تستطيعي تحمل جرح قلبكِ الرقيق بعد أن عرفتِ مشاعر الكاتبة الحقيقية.”
“بالطبع سأكون كاذبةً إن قلتُ أن الأمر لا يزعجني.”
اشتدت قبضتي على القبعة الموضوعة فوق ركبتي.
“أي قارئٍ لن ينزعج؟ ومع ذلك….ما زلتُ أحب أعمال الكاتبة. حبي للكاتبة ولأعمالها أكبر من هذا الاضطراب الذي أشعر به. وكما قلتُ سابقًا، من الآن فصاعدًا سأكتفي بهدوء-”
“هاها.”
فجأة، خرجت من جهة الماركيز أوريلنو ضحكةٌ ساخرة قصيرة، كأنها تمزق الهواء.
كانت من النوع الذي يجبرك على الالتفات.
لأنها، على عكس مظهره الأنيق المصقول، بدت خشنةً وصادقةً إلى حدٍ مؤلم، وكأنها كشفت أعماقه الحقيقية دفعةً واحدة.
وفي اللحظة التي هممتُ فيها بالنظر إلى وجهه….بدأت أضواء المسرح تنطفئ واحدةً تلو الأخرى من خلف القاعة، فغطت وجه الماركيز بالظلال.
من الشرفات العالية والمقاعد الخلفية، حتى الصفوف الأمامية والزوايا البعيدة، خفتت الأنوار ببطءٍ وبطريقةٍ مسرحية.
وكأن الأمر جزءٌ من العرض نفسه، انخفض صوت الماركيز فجأة، باردًا وعميقًا،
“حب؟”
قناة التلجرام: https://t.me/+PE6p5xi2s882MWJk
_________________
يمه شقومه قلب عليها توه ينكت بس شكل للحين مب مقتنع انها طبيعيه
المهم انت الي جاي جنبها فابلع حسك واوقع لها وش مستني يعني
طبعاً ابيه يوقع هو اول بس عادي لو يمططون عداوتهم ويكابر لين يطيح ععههههههعهه
Dana
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.