الفصل 14
يبدو أن سؤالًا كهذا كان أبعد ما يتوقعه رئيس تحرير دار نشر إيموس.
قال داميان مضيفًا رأيه الشخصي أنه توتر بشدةٍ بعدما وصله خبر أن ابنة دوقية لوار ترغب بطرح سؤالٍ وحددت موعدًا وأرسلت من ينوب عنها، لكنه صُدم لأن السؤال كان مفاجئًا إلى هذا الحد.
ظل رئيس التحرير إدغار فيليد يفكر طويلًا في كيفية الرد، ثم أجاب بهدوء،
“صحيحٌ أن هناك الكثير ممن يثير فضولهم أمر شيل إيفير، لكن يبدو أنكِ أول نبيلةٍ تسأل مباشرةً عمّا إذا كان الماركيز شين دي أوريلنو، الذي لا يظهر للعلن، هو من اكتشفها.”
“أ-أحقًا؟”
إذًا….ألا يوجد بين النبلاء من يُظهر حبه للكاتبة بصراحةٍ مثلي؟
“يقال أن الماركيز أوريلنو يكره أن تتسرب هذه الحقيقة إلى الخارج، لذلك فعدد العالمين بها قليلٌ جدًا. حتى أن المدير سأل الآنسة بالمقابل كيف عرفتِ ذلك أصلًا.”
“وماذا قلتَ؟”
“أوضحتُ السبب تمامًا كما أخبرتِني.”
أي أنها أرادت التأكد بنفسها لأنها ظنّت أن الماركيز كان يحاول خداعها بتلك الكلمات.
“وعندها ضحك رئيس التحرير.”
“ماذا؟”
“قال أن الأمر سخيف. فالماركيز لم يكن يتباهى يومًا بأنه الشخص الذي اكتشف شيل إيفير، لأن الكاتبة نفسها ترفض كشف هويتها، ولذلك فإن خروج الشخص الذي اكتشفها ليتصدر المشهد بنفسه لا يبدو تصرفًا لائقًا.”
“…….”
إذًا لماذا أخبرني أنا؟
“بل وأضاف السيد فيليد رأيًا شخصيًا أيضًا. قال أن مثل هذا التصرف لا يناسب شخصية الماركيز أوريلنو ولا أسلوبه.”
‘هاه. شخصية الماركيز وأسلوبه؟’
هل يبدو مختلفًا في أعين الآخرين؟
ربما كرجل أعمال….أو كسيدٍ لعائلةٍ وإقطاعية، يبدو شين دي أوريلنو شخصًا مختلفًا تمامًا.
على أي حال….إذًا فهو حقًا من اكتشف الكاتبة.
‘بعد كل الجهد الذي بذله لاكتشافها، هل يبقى صامتًا حتى بعد سماع النبلاء يصفون أعمالها بالروايات السوقية؟ حتى لو كانت الكاتبة نفسها موافقةٌ على ذلك….’
لكن حين تذكرتُ تعبيره الوقح وهو يقول بلا اكتراثٍ أن الكاتبة قد تتوقف عن الكتابة يومًا ما، لم يبدُ كشخصٍ يفكر في رعاية أوزةٍ تبيض ذهبًا.
‘ومع ذلك….فهو يراعي الكاتبة بعنايةٍ شديدة.’
ما الذي يفعله بحق؟
غرقتُ في حيرةٍ غريبة.
….لا تقل لي أن بينهما علاقةً غرامية؟ لا، لا. هل جُننتُ؟ مستحيل.
“على كل حال يا آنسة، كيف وصل الحديث عن الاحتيال فيما يخص الماركيز أوريلنو؟”
ذلك الصوت الجاف انتشلني من أفكاري، وللحظة خُيّل إلي أن لمعةً قاتلة مرت في عيني داميان الزرقاوين الداكنتين.
“احتيال؟”
شهقت تاشا، التي كانت ترتب شعري المنفوش بجانبي، بصدمة.
لكن داميان، المعتاد على الجفاء مع جميع خدم عائلة لوار، تجاهلها تمامًا وسألني وحدي مجددًا،
“هل حاول ذلك المركيز خداع الآنسة أو التلاعب بالكلام معها؟”
“لكن بما أنكَ تحققتَ من الأمر الآن، فهذا يعني أنه لم يكن يخدعني. لا بأس.”
وفجأة راودتني صورةٌ غريبة؛ تخيلتُ داميان وهو يضغط على أضراسه بنظرةٍ توحي بأنه على وشك قتل أحدهم، ثم يهوي على مؤخرة رأس الماركيز أوريلنو بضربةٍ قوية.
وما إن تخيلتُ ذلك حتى انفجر مني ضحكٌ مكتومٌ بلا وعي.
“شكرًا يا داميان. بفضلكَ انحل أمرٌ كان يشغلني، ويمكنني الآن تناول الطعام براحة.”
“لو كنتُ أعلم أن الأمر كذلك، لكنتُ أسرعت أكثر….”
“لكن هذا بالفعل كان سريعًا جدًا.”
كان داميان يتحدث بهدوءٍ كعادته، ثم بدأ فجأةً يتردد قليلًا. بعدها مدّ الرسالة التي كان يحملها منذ فترةٍ وفتح فمه بحذر،
“هل تتذكرين….عندما أعطيتِني تذكرتين لافتتاح المسرحية وطلبتِ مني الذهاب مع أختي إيميلا؟”
“بالطبع.”
“….إيميلا قالت أنها تريد التعبير عن امتنانها لكِ….وأصرت على كتابة رسالةٍ وطلبت مني تسليمها شخصيًا. لذلك لم يكن أمامي خيارٌ سوى إحضارها….لكن إن كان ذلك سيضيع وقتكِ فسأستعيدها….”
“ولماذا تفعل ذلك؟”
عبستُ قليلًا من كلامه السخيف وانتزعتُ الرسالة من يده فورًا.
ثم فتحتُ الظرف بسرعةٍ وبدأتُ أقرأ الرسالة المكتوبة بكل اجتهاد، بينما بدا داميان أكثر ارتباكًا.
“أعتقد أن عليّ استعادتها فعلًا.”
“ولماذا؟ هذه الرسالة لطيفةٌ جدًا! مستحيلٌ أن أعيدها. سأضعها داخل مذكرتي وأعيد قراءتها مرارًا.”
إنها مراجعةٌ متحمسة للمسرحية كتبها شخصٌ يعشق الكاتبة إيفير مثلي تمامًا.
ولا أحد في آيزار، على الأقل، يستطيع فهم مشاعر شخصٍ انتقل إلى هذا العالم ويضطر لتعويض قراءة تعليقات الإنترنت بهذه الطريقة.
“إنها طفلةٌ مريضة تقلق على صحة الآخرين….أخبرها أن تتناول الدواء الذي أرسلته لها بانتظام.”
وقد تأثرتُ بمشاعر إيميلا الدافئة، فأخفيتُ الرسالة بعنايةٍ داخل الظرف بينما أحاول جاهدةً كتم ابتسامتي المنحرفة.
وما إن ذُكر الدواء حتى لان تعبير داميان للحظة.
“بالمناسبة، بفضل الآنسة لوار تحسنت حالة إيميلا كثيرًا.”
“هذا مطمئن. فالتفرغ للتعمق….أقصد، للاستمتاع بأعمال الكاتبة إيفير، يحتاج إلى صحةٍ وطاقةٍ أيضًا.”
كنتُ، من باب الرعاية والرفاهية، أقدم بعض المساعدة في تكاليف علاج أفراد عائلات العاملين لدى دوقية لوار ممن يعانون من المرض.
وكان الدوق لوار نفسه يعلم بذلك.
وبما أنه لم يتفوه بتلك الترهات المعتادة من نوع “لا تبالغي في معاملة الخدم بلطف”، بدا وكأنه يعتبر الأمر مقبولًا ضمن حدودٍ معينة.
ولم أكن أدفع تكاليف الدواء بسذاجةٍ لكل من يطلبها. بل كنتُ أُقدم الدعم وفق معاييرٍ محددة، بالاعتماد على شهادات المحيطين بالمريض وتقارير الأطباء.
ولِمَ أفعل ذلك؟ لأنني، قبل انتقالي إلى هذا العالم، أمضيتُ حياتي أعمل فقط حتى أُصبتُ بالمرض قبل أن أدرك قيمة الهوايات والشغف….وما زال ذلك ينهش قلبي حتى الآن.
لأنني أعرف جيدًا، جيدًا للغاية، كم يكون الأمر ظالمًا حين يموت الإنسان وهو لم يفعل سوى العمل!
‘كل ما أستطيع فعله الآن ليس أكثر من هذه الرعاية البسيطة وبعض بطاقات الدعوة….لكن يمكنني على الأقل توزيع تلك الدعوات كما أشاء!’
لم أتمكن من إعطاء الدعوات لخدم القصر الرئيسي في دوقية لوار لأنني لم أستطع إحضارهم إلى هنا.
لذلك، وبجانب داميان، وزعتها بسخاءٍ على المربية كيلي التي جاءت من القصر الرئيسي، وعلى تاشا وبقية الخادمات، وحتى على سوزان في أيام عرضٍ أخرى.
ففي النهاية، لم يكن هناك أحدٌ أعطيه إياها أصلًا. لأنه….ليس لديّ أصدقاء.
‘….يا للحزن.’
حبستُ دموعي داخلي بصمت.
العيش بصفتي ليفيريتا، ابنة الدوق لوار، جعل بناء العلاقات الإنسانية أمرًا بالغ الصعوبة.
في الأيام الأولى بعد انتقالي إلى هذا العالم، حين لم أكن أفهم شيئًا بعد، قلتُ لتاشا ذات مرة،
“ألا يمكننا أن نتعامل كصديقتين فحسب؟”
….والآن فقط أدرك تمامًا كم كان كلامي خاطئًا.
حين سمعت تاشا هذا الاقتراح لأول مرةٍ منّي، بدت وكأنها سمعت أكثر الكلمات رعبًا في العالم، حتى شحب وجهها بالكامل.
ومن وجهة نظر تاشا، التي وُلدت في عائلة فلاحين فقراء وكان عليها إعالة إخوتها الكثيرين، لا بد أن طلبي بدا غريبًا إلى حد الجنون.
ولو أنها قبلت حقًا أن تعاملني كصديقة….
‘لو أن والدي رأى ذلك، لكانت تاشا إما ماتت….أو طُردت.’
وهكذا، بينما أبتلع دموعي، كان عليّ أن أعتاد حياة إصدار الأوامر بدلًا من طلب المعروف من الآخرين.
وبصراحة، خلال ثلاث سنواتٍ من حياتي بعد الانتقال، كان هذا أكثر ما عذبني.
فداخل جسد ليفيريتا لوار كانت تعيش روحٌ كورية من القرن الحادي والعشرين، لم تختبر نظام الطبقات قط….لكن لم يكن هناك أحدٌ يعرف ذلك.
وكان ذلك ثقلًا هائلًا، و وحدةً خانقة لا بد لي وحدي من تحملها كشخصٍ انتقل إلى هذا العالم.
“ربما لأن هذا العالم بلا إنترنت، يبدو الأمر أصعب بكثير.”
لم أتخيل يومًا أنني سأدرك قيمة مجتمعات الإنترنت بهذه الطريقة.
لو كان الإنترنت موجودًا فقط، لكنتُ أنا….!
ويبدو أن تاشا ظنت أن الحديث انتهى عند هذا الحد، فتحدّثت إليّ بحزم،
“آنستي، أرجوكِ! تبدين بخيرٍ الآن، لذا تناولي الطعام أخيرًا!”
وبما أن أكثر تساؤلاتي إلحاحًا قد حُلّت، بدأت شهيتي تعود إليّ تدريجيًا.
وبينما كنتُ على وشك مغادرة غرفة الجلوس، تذكرتُ فجأةً شيئًا كنت قد نسيته، فسألتُ داميان بسرعة،
“صحيح، ماذا عن مجلة بلانت الأسبوعية؟”
“لقد سلمتها كما طلبتِ تمامًا. لكن.…”
“لكن ماذا؟”
“كان الجو العام يوحي بأنهم يتساءلون إن كان من الطبيعي أن تفعلي كل هذا فقط لأنكِ معجبةٌ متحمسة بالكاتبة شيل إيفير….ومع ذلك، فقد قبل المدير الأمر.”
“إذًا هذا يكفي الآن. شكرًا يا داميان! واستمتع بوجبتكَ أنتَ أيضًا! وأخبر إيميلا أن تكتب لي المزيد من الرسائل!”
وعندها فقط، أشرق وجه داميان بالكامل أخيرًا.
قناة التلجرام: https://t.me/+PE6p5xi2s882MWJk
___________________
كيوت ذا الداميان و اخته يارب مايكون طرف ثالث
المهم اخيراً وحده واقعيه في علاقاتها مع الخدم مع ان واضح تاشا ماخذه راحتها بس فيه حدود واحترام ✨
شسمه وش صار على سوزان و حبيبها؟
Dana
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.