الفصل 119
كان خمول الصيف الذي لا يُحتمل يتدفق إلى الداخل عبر النافذة المفتوحة.
وبالكاد رفعتُ جفنيّ المثقلين عندما لمحتُ بريق خاتم الخطوبة الذي أرتديه في بنصر يدي اليسرى.
و طفَت رحلة ارتداء خاتم الخطوبة هذا في ذهني، مثل السراب الذي يتصاعد وسط أشعة الشمس.
كانت حجتي أنني لم أستطع تجنّب التدخل في نزاع عائلةٍ أخرى، لأنني كنتُ الخطيبة المحتملة التي وقع عليها اختيار الماركيز أوريلنو من بين أفراد عائلة لوار.
والدوق أبي الذي أمسك مؤخرة عنقه من الصدمة عندما سمع تلك القصة التي تصدرت عناوين جميع الصحف ومجلات الفضائح.
وحفل الخطوبة الذي أُقيم في المعبد، الذي كان الكاهن الأكبر كارل ريشارد، و الذي أصبح كاهناً أكبر بصورةٍ مفاجئة بعد إعادة تنظيم النظام، هو من يتولى مراسمه.
ومظهر شين الذي كان أكثر توتراً مني.
كانت ملامحه المشرقة قد انطبعت في ذهني بوضوح، حتى أن وصفه بأنه جنيٌ خرج من غابة الجنيات لم يكن ليبدو مبالغاً فيه.
‘لم يكن الأمر سوى حفل خطوبة، فكيف سيكون حاله في حفل الزفاف؟’
وبينما كنتُ أتخيل شاردَةً ذلك النبل الذي لن تخفت أمامه حتى أبهى ملابس المراسم، شعرتُ بنظرةٌ مشؤومة، ففتحتُ عينيّ على اتساعهما بسرعةٍ وأنزلتُ نظري إلى الوثائق المبسوطة فوق المكتب.
فقد شعرتُ بنظرة الدوق، أبي، الحادة، وهو يحدق بي من خلف مكتبه.
‘يا لحظي التعيس!’
كانت ثاني أجمل امرأة، بحسب ما يطلقه عليها الآخرون في أيزار، قد أصبحت الوريثة الرسمية لدوقية لوار، وانتهى بها الأمر منهكةً من كثرة العمل.
أنشأ أبي لي مكاناً في أحد أركان مكتبه، وبدأ بنفسه يعلمني العمل.
فشدَدتُ تركيزي من جديد، وبدأتُ أحسب الضرائب المتعلقة بمحصول القمح في ربيع هذا العام.
في الآونة الأخيرة، بدأ أتباع دوقية لوار وشيوخ العائلة يبدون تجاهي قدراً كبيراً من الود.
فالآنسة لوار، التي لم تكن تحب شيئاً سوى قراءة الروايات في غرفتها، بدأت تكتسب حتى شبكة علاقاتٍ بين كبار القوم، ثم انتهت فجأةً من الاستكشاف الذي كانت قد دفعته دون مقدماتٍ في جبال فنليرجيا بنجاح.
ورغم أننا لم نعثر على منجم أحجارٍ سحرية كما كان هدفنا، فقد حصلنا على كميةٍ ضخمة من الآثار القديمة للسحرة، وهي أشياء لم يُكشف عنها شيءٌ حتى الآن.
وقد فسّر كولينز بافل بعض الكتب القديمة التي عُثر عليها هذه المرة، وصنع صيغةً سحرية جديدة لتشغيل الآثار باستخدام أحجارٍ سحرية فارغة أُعيد تدويرها.
وأنا هي راعية كولينز بافل هذا.
كنتُ أنوي أن أزيد نفوذي إلى حدٍ يجعل شيوخ العائلة غير قادرين على تجاهلي، لكنني بالغتُ في زيادته كثيراً.
وفي خضم ذلك، كُشف أن جزءاً من عرق الذهب الذي تلقته ماريسيلا هديةً من الأميرة الإمبراطورية لاريزا يمتد عبر أجزاء من أراضي لوار وأوريلنو، وذلك بفضل مشروع تطوير عروق المعادن الذي كان كيبرن قد بدأه بعد أن تسلّم عرق الذهب من ماريسيلا.
كان ولي العهد، الذي كان بحاجةٍ إلى ملء خزينة المملكة التي فرغت بسبب الحرب، يريد التفاوض معي أولاً.
وهل كنتُ سأخرج أنا بنفسي؟ بالطبع لا. أرسلتُ أبي الدوق بديلاً عني.
في ذلك الوقت، لم يكن الشخصان الرئيسيان في القصة الأصلية قد حصلا بعد على ثمرة حبهما.
كان كيبرن يعمل بكل يأسٍ كي يصنع لنفسه مبرراً يسمح له بالزواج من ماريسيلا عندما يعثر عليها. و كان ينوي تزوير سجل أنسابٍ أجنبي، مدعياً أنها من سلالةٍ بعيدة من العائلة الإمبراطورية كارتشا التي انقرضت الآن، مستنداً إلى عرق الذهب الذي تركته ماريسيلا وراءها، ثم يكثر من الكلام لإقناع الآخرين بذلك.
‘لا أحتاج إلى عرق الذهب.’
يمكنني كسب أموالٍ أكثر بكثير بطرقٍ أخرى.
ولأنني لم أكن من النوع الذي يفرح أو يجزع بسبب مكسبٍ أو خسارة عابرة، فقد تبرعتُ بجزءٍ من عرق الذهب الممتد في نيلز إلى البلاط الملكي في أيزار باسم دوقية لوار.
وقد أحب أبي الدوق هذا التصرف مني كثيراً، بحسب ما ورد في رسالته إليّ، وسأقتبس كلامه:
[حين تُمسك عائلةٌ ذات نفوذ بالثروة بإحكامٍ مفرط، لا بد أن يظهر من يطلق كلماتٍ مشوبة بالحسد، قائلاً أن على المملكة أن تحذر منها كما تحذر من عائلة بريين.]
…هكذا قال.
كان أبي قد بدأ، بعد حادثة عائلة الكونت فورتي، يصدق آرائي، وإن لم يكن يصدقها كلها، فعلى الأقل نصفها.
وبعد ذلك، في العام الماضي، أعلنت المملكة رسمياً عن مشروع السكك الحديدية للقطاع الخاص. وبدأ الدوق أبي بشراء الأراضي، مستشيراً رأيي.
وقد حصلتُ على أرض شُهِن كهدية.
‘حتى وأنا أفكر في الأمر الآن، أشعر بأنني كنتُ متوترةً لدرجة أكاد أُجن!’
بصراحة، كنتُ أنوي الانتظار لفترةٍ أطول قليلاً، ثم الحصول عليها بطريقةٍ غير مباشرة كهديةٍ للزواج. لكن أبي هو من بادر بالحديث أولاً.
قال أنه بما أنني أصبحتُ الآن رسمياً وريثة دوقية لوار، فلا بأس أن أمتلك جزءاً من الأراضي، ولذلك سيجهز لي وثائق الأرض التي أريدها، رغم أن ذلك لم يكن في يوم ميلادي حتى.
لا أتذكر حتى كيف وقّعت على الأوراق وما الذي كنتُ أفكر فيه حينها، ثم احتفظتُ بها.
ولم أعرف إلا بعد وقتٍ طويل، عن طريق سكرتير أبي، أنه كان يعرف أن محطة للقطار ستُبنى هناك، ومع ذلك سلّمني الأرض.
‘هل أصبحتُ الآن الابنة الكفؤة في نظر أبي؟’
حسناً، فلأهدئ فرحتي قليلاً.
في ربيع العام المقبل، سيُستكمل أولاً خط السكك الحديدية الممتد من العاصمة إلى الجنوب، والذي سيعبر المملكة من الشمال إلى الجنوب.
وبينما كان المشروع الوطني يسير بوتيرة محمومة، من الاستعانة بتجارب تطوير السكك الحديدية في الدول الأجنبية إلى عقد لقاءات بين المتخصصين وكولينز بافل، لم تكن القصة الأصلية قد وصلت إلى نهايتها بعد.
فحتى بعد أن عثر كيبرن أخيراً على ماريسيلا، لم تكن القصة قد انتهت حقاً، إلى أن يظهر ذلك المشهد الذي يتقدم فيه إليها بطلب زواج حار.
لكن….
أعرف جيداً أنه لا ينبغي لي أن أصرخ بعبارة كليشيهية مثل ‘هل انتهى الأمر؟’….لكن هل من المفترض أن تمر الأمور هكذا وكأنها لا تعنيني، وكأنها مجرد شؤون الآخرين؟
خشية أن يحاول أحد أفراد عائلة الكونت فورتي، التي كادت أن تُباد وتُصفّى تماماً، الانتقام مني، كأحد أقارب فيفيان البعيدين من جهة أمها مثلاً، وضعتُ حولي حراسةً مشددة.
‘ماذا لو انتقلت فجأة روح شخصٍ مثلي إلى جسد أحد أفراد عائلة فورتي في هذه الظروف؟’
لكن خلافاً لمخاوفي، كان العالم يمضي بهدوءٍ وفق أحداث القصة الأصلية.
باستثناء شخصٍ واحد فقط. أنا، ليفريتا لوار.
وإذا كنتُ قد وقعتُ في جحيم العمل المفرط هذا لأنني دفعتُ ثمناً لربط خيوط حياتي بخيوطٍ أكثر، فهذا هو ذنبي. وعليّ أن أتحمل الأمر.
‘لقد ظفرتُ أيضاً بالرجل الوسيم، لذا عليّ أن أتحمل!’
في الآونة الأخيرة، كنتُ أحرص أيضاً على الاهتمام بصحتي باستمرار.
ورغم أن الطريقة التي أتبعها لا ترقى إلى مستوى ما كان متاحاً في عصر العلم، فإنني أبذل قصارى جهدي لممارسة الرياضة والعيش وفق نمط حياةٍ منتظم.
‘سأعيش.’
سأعيش في هذه الرواية التي أصبحت عالمي الآن، وسأكافح بكل ما أوتيتُ من قوة لأستمتع بمتابعة خطيبي الوسيم!
وفي اللحظة التي كنتُ فيها أعض على أضراسي وأبدأ بإشعال حماسي للعمل من جديد، ظهر كبير الخدم كاسراً الصمت، و نطق بالجملة التي كنتُ أنتظرها منذ زمن.
“لقد وصل اللورد شين دي أوريلنو.”
كدتُ أنهض من خلف مكتبي من شدة الحماس، لكنني تمالكتُ نفسي وانتهى الأمر بي إلى مجرد ارتجافةٍ مفاجئة.
‘شين موجودٌ أمام المقر الرئيسي اللعين لعائلة لوار!’
مجرد هذه الحقيقة جعلت أعصابي قد غادرت المكتب بالفعل.
ويبدو أن أبي الدوق لاحظ ذلك أيضاً.
“لنأخذ استراحةً قصيرة.”
وبمجرد أن سقط صوته معلناً نهاية العمل باقتضاب وحزم، دفعتُ الكرسي إلى الخلف بسرعةٍ ومن دون إصدار صوت، ثم نهضت وتراجعتُ بأدبٍ وأنا أغادر غرفة المكتب.
وما إن أُغلق الباب خلفي، حتى تحركت ساقاي تحت فستاني بجنون، ومشيتُ بسرعةٍ تكاد تكون ركضاً.
كان شين قد أنهى أولاً شؤون عائلة الماركيز أوريلنو، ثم حصل رسمياً على موافقة جلالة الملك على مشروع المؤسسة الخيرية التي سيطلقها بصفته زوج وريثة الدوق، تحت اسم مؤسسة شيل إيفير الخيرية.
وكانت مؤسسةً خيرية تهدف إلى دعم الكتّاب الطموحين الذين لا يملكون بيئةً مناسبة للكتابة، وكذلك الكتّاب المعروفين الذين يعانون في تأمين معيشتهم.
والآن سيتولى شين بنفسه المشاريع المتعلقة بالفنون، بدلاً مني، بينما أتفرغ أنا للتعامل مباشرةً مع شؤون دوقية لوار.
ما إن تذكرتُ جلالة الملك، ذلك العجوز الضخم ذي الهيبة، حتى صعدت مرارةٌ إلى حلقي وشعرتُ بشدٍ في مؤخرة عنقي.
فهو أيضاً والد كيبرن، وكان قد عجز عن التخلي عن فكرة تزويجي، حتى أنه استدعى شين على انفراد وراح يمارس عليه ضغوطاً مبطنة.
نعم، لأنه كان يريد تزويج الآنسة النبيلة، أي أنا، بكيبرن!
كنتُ أرغب في الإمساك بلحيته المشذبة بعنايةٍ وشدها بعنفٍ مراراً، لكنني اكتفيتُ بقبض يدي بقوة على طرف فستاني المسكين.
‘ولا يفهم حتى مشاعر شخصٍ انتقلت روحه إلى هذه القصة ويريد أن يمر عبر أحداثها الأصلية بسلام!’
فقد كان الملك عاجزاً عن فهم سبب رفض الآنسة لوار، بشكلٍ متكرر وبطريقةٍ غير مباشرة، لفكرة الزواج من ولي العهد كيبرن، الذي لم يكن ينقصه شيء، من أجل الماركيز أوريلنو.
وبحسب ما سمعته من الشائعات، يبدو أنه استدعى شين على انفراد، متظاهراً بأنه يريد الحديث عن مسألة فيرونا، بينما كان في الحقيقة يستطلع ردود أفعال من حوله.
‘أشعر بالخوف لأن شين لم يخبرني بالتفاصيل.’
أما ما أخبرني به وهو يبتسم، فلم يكن يحمل أي شيءٍ مميز.
لا يعقل أن تكون أحداث القصة الأصلية قد انحرفت بشكلٍ غريب، فينتهي الأمر بي عالقة بين كيبرن وماريسيلا.
أنا، التي انتقلتُ إلى هذا الجسد، كنتُ أشعر بمجرد تخيل الأمر بأنني سأُصاب بالذهول حتى أفقد الوعي، وكأن عمري ينقص من شدة الرعب.
‘أرجوا أن نتزوج بسلام!’
وصلتُ إلى الدرج المركزي وأنا أُقلّب في ذهني شتى الأفكار، حيث يمكن رؤية البوابة الرئيسية للقصر.
وما إن رأيتُ شين يدخل للتو برفقة كبير الخدم الذي كان يرشده، حتى اختفت كل همومي كأنها لم تكن، وبدأ قلبي يخفق بشدة.
كان التعب بادياً على وجهه الأنيق رغم رحلته الطويلة.
وما إن وطئت قدما ثعلبي الذهبي أرضية القلعة القديمة المملة، حتى أشرقت الأنحاء كلها من حولي.
تسرّبت المشاعر التي كنتُ أحبسها في داخلي، وتفتحت ابتسامةٌ عريضة عند طرف فمي.
ولم آبه بنظرات من حولي، بل ضحكتُ بصوتٍ مسموع واندفعتُ راكضةً نحو شين.
_____________________
ينوس ياللقاء والترحيب الرايع🤏🏻
احسها صدق نهاية الرواية منب مصدقه الاحداث قاعده تمشي للختام💔
المهم شين صدق خلا لقب الماركيز بس من خذاه؟😭 وماكس كيف جاه الخبر ولا انصرع وفطس؟😭
يله واضح المؤلفة تختصر عشان تحتم بس المهم فيه فصول اضافية وحالياً تورينا حياة شين و ريتا الخطيبين🤏🏻
Dana
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.