الفصل 112
ما إن انتهت عاصفةُ ما قبل العاصفة، حتى اقتربت عاصفةٌ أخرى تسبق عاصفةً أخرى.
ظلّت المعجبة المتحمسة تدور في أرجاء غرفة المعيشة وحدها، مستمتعةً بآثار ما حدث، ثم توقفت فجأةً أمام المدفأة.
فحين رأت اليد الحمراء القانية تلوّح بجنونٍ من خلف السياج الحديدي، تذكّرت اللهب الصغير في الموقد الذي كانت تستخدمه أثناء إقامتها في منزل أوريلنو.
‘كيف تمضي أيامكَ هذه؟’
أخذتُ أكرر في ذهني رسالة حبٍ مصوّرة لن يتمكن الثعلب الذهبي فائق الجمال من رؤيتها.
‘شين. لقد ارتكبتُ خلال هذه الفترة أمورًا لو عرفتَ بها لأُغمي عليكَ من شدة الصدمة. بدأتُ أجد أن كون المرء وريثة الدوق له مزايا رائعة في مثل هذه الأوقات.’
وبينما كانت مئتا نسخة من الجريدة الأسبوعية “بلانت” تُنثر في أنحاء سلسلة جبال بنليرجيا كقصاصات الورق، وفقًا لخطته، كان شارل لا يكلّ ولا يملّ من التنقيب في كل ما يحيط بالأمر، حتى اكتشف أن عائلة دييلبرتو راكمت صفقاتٍ عجزت عن سداد مستحقاتها.
بل إنه اكتشف حتى حقيقة استثمار سيد العائلة في صالات القمار غير القانونية!
في الخريف الماضي، حين شُنت حملة مداهمةٍ واسعة من قبل العائلة المالكة بفضل تعاونٍ مشترك بيني وبين السيد بيريل، كان صالون القمار الذي استثمر فيه السيد دييلبرتو قد أغلق أبوابه على عجل، ومنذ ذلك الحين لم يتمكن من إعادة افتتاحه، وهو يترقب بحذرٍ ما سيحدث.
ولذلك كان من الواضح، حتى من دون أن أراه، أن السيد دييلبرتو كان يغلي من الداخل لأنه لم يتمكن من استعادة أموال استثماره.
هاه. لقد ظل ذلك الرجل يسبني ويتحدث عني بسوءٍ إلى حدٍ لا يُصدق.
“كان يشتم من وراء ظهري قائلًا أن أعمال القمار توقفت بسبب تلك الفتاة الصغيرة التي تتدخل فيما لا يعنيها. كان يقول أن كل هذا بسببي.”
خرجت من فمي ضحكةٌ شريرة مكتومة وأنا أتمتم وحدي: “هيه هيه”.
السيد هينكلِس دييلبرتو.
‘تلك الفتاة الصغيرة التي تتدخل فيما لا يعنيها ستبذل كل ما بوسعها لتجعل حياتكَ جحيمًا!’
وجدتُ قبضتيّ تنقبضان بقوةٍ من تلقاء نفسي.
كانت نيديا ديكي قد أوصلت سرًا رسالتي إلى والدها الدبلوماسي، والتي أخبرته فيها برغبتي في التعاون معه.
والسبب كان بسيطًا و واضحًا. لقد أضفتُ قليلًا من المبالغة إلى الحقيقة.
فمهما قلتُ أنني لن أتدخل، كيف يمكنني أن ألتزم الصمت بينما تستهدف قوةٌ من النبلاء الأجانب عائلة مرشحٍ للخطوبة؟
و عائلة فرسان من مملكة آيزار تساعد نبلاء أجانب؟
‘إذا حسبنا الأمر وفقًا لمعايير ما قبل تجسدي، فإن دييلبرتو لا يختلف عن جاسوس.’
أقنعتُ السيد ديكي بأنني، حفاظًا على هيبة الماركيز أوريلنو، أنوي تقديم المساعدة بهدوءٍ من خلف الستار قبل أن أتدخل علنًا، وأنني لا أريد أن تفسد أي أمورٍ بسبب الخطة التجارية التي كنتُ أعتزم تنفيذها مع شين أوريلنو، الذي من المقرر أن أخطبه إليه قريبًا.
بعد ذلك، وضعتُ رجالًا من لوار في كل مكانٍ له صلةٌ بعائلة دييلبرتو، وتمكنا من القبض على الوسطاء الذين كانوا ينقلون الرسائل ذهابًا وإيابًا بنشاطٍ كالفئران.
ولضمان السرية التامة، أُودع وسيط الاتصال ذلك في زنزانةٍ تحت الأرض تابعةٌ لعائلة ديكي، بدلًا من سجن قوات الأمن الملكية، ويجري استجوابه هناك.
لكن اهتمام السيد ديكي كان منصبًا على أمرٍ آخر تمامًا.
ابنته الصغرى التي لا أصدقاء لها، وإذا بالآنسة لوار، دون غيرها، ترغب في بناء صداقةٍ معها؟
وبحسب ما قالته الآنسة إميرالد خاصتنا، فقد انقلب بيت ديكي بأكمله رأسًا على عقب.
بالأمس، حين دُعيتُ إلى القصر للتحدث مع السيد ديكي بشأن الوسيط، حظيتُ بضيافةٍ فاخرة إلى حد جعلني أتساءل إن كنتُ سأحظى بمثل هذا التكريم حتى لو دُعيتُ إلى حفلة شاي ملكية.
أما نيديا، فكانت تتمنى لو أن الأرض انشقت وابتلعتها من شدة الإحراج.
وحين بدأت شقيقات نيديا يتحدثن إليّ بأعين لامعة، تخيلتُ نيديا وهي عاجزةٌ عن التأقلم مع الأجواء، منكمشةٌ في زاوية الأريكة وكأنها تذبل ببطء، فانفلتت مني ضحكةٌ خافتة: “فوهفوه”.
على أي حال. لقد نجحتُ أنا والسيد ديكي بالأمس في إقناع وسيط عائلة بريين.
‘بريين ودييلبرتو، كلاهما لم يكونا يوليان وسطاء الاتصال أهمية كما توقعتُ يا شين.’
بل إنهما لم يدفعا لهم أجورهم!
لقد استغلاهم إلى أقصى حد ثم لم يدفعا لهم المال كما ينبغي، وبفضلهما أصبح الأمر أسهل بالنسبة إليّ، لكن حجب الأجور كان مبالغة فعلًا.
‘شين. بفضل وسيطٍ سُرقت أمواله، تمكنتُ من معرفة اليوم الذي ستُبادَل فيه شقيقتكَ وثائق إقليم يويستل. وستغادر فلورا في ذلك الوقت أيضًا، أليس كذلك؟’
كان قلبي يحترق وأنا أسمع أخبار حبيبي سرًا من خلال شخصٍ آخر.
أزحتُ الستائر الثقيلة وألقيتُ نظرةً على الطقس في الخارج. و كانت حبات الثلج تزداد كثافةً شيئًا فشيئًا، وتستقر بثباتٍ فوق العالم بأسره، ناشرةً غطاءً أبيض ضبابيًا.
‘ليت الأمر يتوقف عند هذا الحد.’
هل ستكون أملاك أوريلنو الضخمة في الجبال بخير؟
تُرى هل ستنعزل المنطقة بأكملها؟ و كيف سيكون منظر القصر وهو مدفونٌ بالكامل تحت الثلج؟
أخذتُ أردد في قلبي مرارًا، وأنا أحمل مشاعري بين جوانحي.
‘أتمنى ألا يتساقط الكثير من الثلج في المكان الذي تقيم فيه.’
أشتاق إليكَ. أريد أن أراكَ يا شين.
***
لم يكن الوداع مبالغًا فيه.
وبينما كانوا يرتبون الأمتعة ويحملونها إلى العربة، تبادل موظفو عائلة أوريلنو، وكذلك فلورا نفسها، التحيات الأخيرة مع الالتزام بقدرٍ مناسب من الأدب.
وبعض الموظفين الذين أدركوا ظروف فلورا إلى حدٍ ما، رمقوها بنظرات مشفقة وتناقلوا الهمسات فيما بينهم.
أما شين فتظاهر بأنه لم يلاحظ شيئًا وتجاوز الأمر.
وبينما كان يقف عند نافذة مكتبه وينظر إلى المشهد في الخارج، تذكّر دون قصدٍ آخر مرة التقى فيها بريتا وتشاجرا، فانزلقت أصابعه الطويلة من تلقاء نفسها إلى الجيب الداخلي لسترته.
كانت بداخله حلوى الفاكهة التي أهدتها له ريتا، محفوظةً بعناية.
‘لماذا اختارت حلوى بنكهة العنب تحديدًا؟’
تذكّر شين نصيحتها له بأن الحلوى، بما أن لها عودًا، ستمنحه شعور تدخين سيجارة، وأن عليه أن يضعها في فمه كلما راوده الحنين و يتحمل بذلك.
فنزع غلافها الورقي، ووضعها في فمه، ثم قضَمها بصوتٍ مقرمش.
في ذلك الوقت، حين كانت فيفيان فورتي، التي أصبحت الآن ميتة، قد وضعت إيحاءً على شين.
يبدو أن هيئة شين، حين عاد إلى تدخين السجائر التي كان قد أقلع عنها، محاولًا التعلق بأي شيءٍ في مواجهة اليأس الذي لا يُحتمل، قد انطبعت بعمقٍ في ذاكرة ريتا.
‘لن تكون هناك أي فرصةٍ لأدخن مجددًا.’
انتشرت ابتسامةٌ على شفتي شين، وكأن لا حيلة له في الأمر، لكنها سرعان ما تلاشت وبهتت.
….لقد مرٌ شهر بالفعل.
كانت ريتا التي رآها للمرة الأخيرة غاضبةً منه.
كان شين يظن أن ريتا غير مستقرةٍ نفسيًا وجسديًا بسبب قضية فيفيان. فقد كانت ريتا قد عانت كثيرًا بعدما ظلت أحداث الماضي تطاردها حتى الحاضر وتتشبث بها كقيدٍ يعيقها.
ولو أخبرها شين بقضية فيرونا، فمن المؤكد أنها ستقلق عليه، ثم تشمر عن ساعديها وتتدخل لمساعدته.
وحين رأى ريتا، التي لا يعرف إن كانت تدرك مشاعره أم لا، تأتي إلى مكتبه فجأةً وتسأله إن كان هناك ما يمكنها مساعدته فيه….كم كان يشعر بالحرج من مواجهتها.
وكم بدا حقيرًا في نظر نفسه.
أخذ شين يحدق من نافذة مكتبه إلى العربات في الخارج، حيث كانت الاستعدادات جارية على قدمٍ وساق لمغادرة فلورا إلى كرون، بينما أخذ يعبث بخاتم الخطبة الموجود في جيب سترته.
كان خاتمًا من الياقوت الأزرق، أسرع إلى متجر المجوهرات وطلب صنعه فورًا بعدما سمع مشاعر ريتا الحقيقية.
وقد ضبط مقاسه مسترشدًا بالخاتم المقدس الذي كانت ترتديه في إصبعها الأوسط من يدها اليسرى.
حينها، شعر شين بأن علبة الخاتم الموضوعة في راحة يده ثقيلةٌ على نحوٍ غريب. وكأنها تحولت إلى كتلةٍ من الرصاص.
ترى، ما الذي كان يفكر فيه حين اشترى هذا؟
هل قد ترغب في الزواج من رجلٍ بائسٍ مثلي؟
‘يبدو أنني أحبكِ أكثر مما ينبغي.’
كان يعيش نشوةً لا داعي لها بمفرده، ثم يصاب بخيبة الأمل بمفرده أيضًا.
فمع كل كلمةٍ تنطق بها ريتا، ينهار قلبه من أعلى جرفٍ إلى القاع، ثم ما يلبث أن يرقص فرحًا وكأن شيئًا لم يكن.
يا له من منظرٍ مثيرٍ للشفقة.
كان شين قد شعر ببؤسٍ لا حدود له حين سمع سؤال ريتا: هل يمكنها مساعدته؟
ريتا هي المرأة التي ستصبح وريثة دوقية لور. وقد تقود العائلة في المستقبل. فحدسها الاستثنائي وسرعة حسمها التي تميز جيل الشباب كانا كافيين تمامًا ليكونا من مقومات قيادة العائلة.
وكان شيل إيفير وحده القادر على إثارة حماس ريتا. لذلك، حين تتولى أمورًا متعلقة بالعائلة، لن تختلط بها مشاعرها الشخصية.
كانت ريتا من ذلك النوع من النساء.
‘هل يمكن لرجلٍ مثلي أن يكون جديرًا بكِ أصلًا؟’
كان شين، في الوقت الذي كان ينبغي له أن يُظهر للمرأة التي يحبها أجمل صورةٍ له فحسب، قد أراها بدلًا من ذلك الجانب البائس من عائلته.
وفي النهاية، لم يكن أمامه سوى أن يُريها سيد عائلة أوريلنو وهو يرضخ لتلاعب عائلة بريين.
***
كان الطريق يتجه نحو المنطقة الحدودية بين آيزار وكرون. و كان الطقس صحوًا تمامًا.
كانت أشعة شمس الشتاء الساطعة، وهي تتخللها الرياح، تجتاح الحقول الخالية الممتدة على الطريق المؤدي نحو المناطق القريبة من جبال بنليرجيا.
حتى سائقي العربات، الذين كانوا قد قلقوا قبل أيامٍ من تحول الطريق إلى مستنقع بسبب تساقط الثلج الممزوج بالمطر، بدوا مطمئنين الآن.
جلسا شين وفلورا معًا في العربة، وظلا صامتين طوال الوقت وسط أجواءٍ بائسة، لا يحدقان إلا من النافذة.
عندها، جمعت فلورا شجاعتها و تحدّثت،
“….الطقس جميل. من حسن الحظ أن الثلج لم يتساقط.”
“صحيح.”
“شكرًا لكَ على رعايتكَ لي طوال هذه الفترة، أيها الماركيز. أنا أعرف جيدًا كيف اعتنيتَ بي.”
“كان من المريح بالنسبة إليّ أنكِ عشتِ دون أن يصيبكِ مكروه.”
“اعتنِ بصحتكَ من الآن فصاعدًا.”
تعمد شين ألا يجيب. وسرعان ما بدأ الصمت الخانق يملأ العربة من جديد.
_______________________
فلورا بتروح؟ مب ان ريتا قالت عندي طريقة عشان ماتروح؟ الو؟
اما نيديا واهلها كيووووووووووت عشان كذا ابي نيديا و ريتا و فلورا يجتمعون😂🤏🏻
المهم ريتا مب سهلة في شهر عرفت متى اخت شين بتدبر اوراقها وذاه للحين ياكل حلاوته و يشكي حاله😭
و يوم قالت بأخطبه؟ ايه نعم ريتا الرجال بينهم
Dana
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.