الفصل 108
بعد أن هدّأتُ فلورا التي كانت محاصرةً نفسيًا وكأنها على حافة هاوية، وودّعتها على أكمل وجه، ركبتُ العربة وانطلقتُ مسرعةً نحو مكتب أوريلنو وكأنني أطير.
فقد سمعتُ أن فلورا تعمّدت اختيار اليوم الذي يكون فيه شين في المكتب، وجاءت للبحث عني بحذر حتى لا يلاحظ أحدٌ الأمر.
“لماذا لم تخبرها أن معظم الرجال الذين تقدّموا لخطبة الآنسة فلورا كانوا أشخاصًا معيبين بطريقةٍ أو بأخرى؟”
ما إن سمع شين كلامي حتى تجمّد تعبير وجهه بشكلٍ واضح.
جلستُ بصورةٍ مائلة وأنا أحاول تفسير ملامح شين.
“ما معنى ذلك التعبير على وجهكَ؟ يبدو وكأنكَ تقول أنكَ لم تتوقع أن تأتي تلك الفتاة إليّ. إلى أي حدٍ لا بد أن تكون الآنسة فلورا خائفة حتى تفعل ذلك؟”
“….وأنتِ، إلى أي حدٍ لا بد أنك كنتِ قلقةً على فلورا حتى تخالفي وعدكِ وتأتيني قبل انتهاء الجزء الثاني؟”
“لا أظن أن هذا هو الوقت المناسب للتدقيق في مثل هذه الأمور.”
قطعتُ رده الهادئ بحزم، وسألتُ عن صلب الموضوع.
“لم أتوقع أن أسمع هذا الكلام من الآنسة فلورا أولًا.”
رمشت عيناه الخضراوان الفاتحتان اللتان لطالما اشتقتُ إلى رؤيتهما، ثم خفض نظره بهدوء.
“إذا كانت الآنسة فلورا، المعروفة بطبعها الهادئ، قد جاءت تبحث عني بهذه الطريقة، فلا بد أن المشكلة خطيرةٌ جدًا. أليس كذلك؟”
لم تمضِ سوى لحظاتٍ على بدء تصاعد حرارةٍ غريبة بيني وبين شين.
فجأة حمل الملف الموضوع فوق المكتب، ثم نهض وأرشدني إلى غرفةٍ منفصلة فيها أريكةٌ مخصصة لاستقبال الضيوف.
تبعته بهدوء وأنا أراقب لون وجهه. فأنا، التي أعرف جيدًا ما تمثله فيرونا بريين بالنسبة إليه، لم أستطع إلا أن أقلق.
“لكن قبل ذلك، هل يمكنكِ إلقاء نظرةٍ على هذا؟”
ما إن جلستُ على الأريكة حتى مرّر شين يده في شعره وأخرج من الملف أوراقًا بدت كأنها مخطوطة.
“تصادف أن الحلقة التي سيظهر فيها الأسبوع المقبل حوارٌ يقول فيه وولتر أنه بحاجةٍ إلى تأمين أفرادٍ إضافيين لحراسة الحدود الشمالية.”
لماذا هذا الآن؟
كان الأمر محيرًا، لكنني رفعتُ يدي سريعًا، وأشرتُ إليه بصمتٍ أنني أرفض.
لقد انتهى أمر هذه المسألة مسبقًا عبر الرسائل.
ما لم يمسك أحدٌ بشين من ياقة ثيابه ويهدده حتى يرسل القصة في اتجاهٍ كارثي، فقد قررتُ ألا أتدخل في أعمال شيل إيفير كما كنتُ أفعل من قبل.
ففكرة أنني أتدخل بعمقٍ في عمل شين بحكم كوني حبيبته كانت تترك في نفسي شعورًا غير مريحٍ للغاية.
و لاحظ شين ما أعنيه، فابتسم باسترخاءٍ وأضاف،
“أنا لا أطلب منكِ تقييم العمل. لقد أضفتُ حوارًا سيجعل أفراد جماعة موريا يدركون أن الماركيز أوريلنو نفسه هو من تدخل في الأمر.”
“لماذا؟”
أجاب وهو يعيد المخطوطة التي كان قد أخرجها إلى داخل الملف بأناقة،
“لأنني أريد مساعدة من تريدين أنتِ مساعدتهم. قلتِ في المرة الماضية أنكِ وزعتِ منشورات تطلبين فيها مرتزقةً للبحث عن أفراد جماعة موريا المختبئين في منطقة جبال بنليرجيا. سأفعل شيئًا مشابهًا.”
حدّقتُ فيه غير مصدقة، فما كان من شين إلا أن ألقى الملف على طاولة الشاي بخفة، و تحدّث بنبرةٍ خفيفة كما لو كان يطيّر طائرةً ورقية من ورق،
“سأوزع مئتي نسخة من المجلة الأسبوعية بلانت، التي ستُنشر فيها تلك الحلقة، في أنحاء جبال بنليرجيا الغربية.”
كان ذلك التصرف لا يختلف عن رمي المجلات في الهواء لكي تستخدمها أشجار الجبال بطانياتٍ لها.
“في القرى الواقعة في زوايا الجبال النائية، حيث وسائل المواصلات سيئة، يتناوب أهل المنطقة على قراءة نسخةٍ واحدة من المجلة الأسبوعية طوال شهرين. ومن الأساس، ينخفض عدد السكان الذين يشتركون في المجلة الأسبوعية بشكلٍ كبير.”
“في مثل ذلك المكان….ستوزع مئتي نسخة؟”
عقد شين ذراعيه وكأن الأمر لا يستحق الاهتمام.
“يمكننا تبرير الأمر بالقول أننا لم نطلب هذا العدد أصلًا، لكن أحد الموظفين أخطأ في كتابة الرقم، فتمت طباعة هذا العدد وإرساله إلينا. وبالطبع، سأتكفل أنا بكل الخسائر.”
‘أنتَ ثريٌ فعلًا.’
“لـ، لكن رغم ذلك، وفّر مالكَ. لا داعي لأن تساعد إيلين وجايد.”
حين صارحتُه بذلك بصراحة، دون أن أتمكن من إخفاء نبرتي المرتبكة، ضحك شين بلا اكتراث.
“هناك شخصٌ تريد شمسي أن تجده، فلا يجوز أن يبقى أحد معجبيها ساكنًا دون أن يفعل شيئًا، أليس كذلك؟”
كان ابتسامته اليوم، والطريقة التي يعاملني بها، غريبين على نحوٍ ما.
‘لسببٍ ما، هذا يذكرني بالأجواء التي كان ينشرها حين كان يأتي إلى المنزل المنفصل ليغازلني بشدة.’
هذا الرجل، عندما يكون هناك أمرٌ يريد إخفاءه، يحاول تشتيت أنظار من حوله بأناقةٍ لا تترك أي ثغرة يمكن الإمساك بها.
وابتسامته المشرقة الآن، كزهور الربيع، كانت بالضبط من ذلك النوع.
‘هل يحاول تغيير موضوع الحديث باستمرارٍ لأنه لا يريد التحدث عن فلورا؟ لأنه لا يريد التحدث عن شؤون عائلته؟’
لماذا لا تستطيع أن تبوح لي بما يثقل كاهلكَ؟
ولماذا يجب أن أعرف، عن طريق شخصٍ آخر، أن هناك أمرًا مهمًا يقلقكَ؟
لم نعد مجرد صديقين بعد الآن.
“وأنا أيضًا أريد أن ألتقي بهم وأرد لهم الجميل كما ينبغي-”
“شين.”
سألتُه مباشرةً دون مقدمات.
“ألا يوجد شيءٌ يمكنني مساعدتكَ فيه؟”
لم يكن يحيط بنا سوى صوت عجلات عربةٍ يصل بخفوتٍ من خلف النافذة.
‘أعرف إلى حدٍّ ما ما تمثله فيرونا بريين بالنسبة إليه. سأساعده. وإذا ساعدت عائلة الدوق لوار، فسيكون إخراجها من الورطة أسهل.’
لم أتوقع أن يُبدي شين رد فعل إيجابيًا. ومع ذلك، ظننت أنه سيشعر بالسعادة، ولو قليلًا، على الأقل.
لكن ما هذا؟
ألقيتُ نظرة خاطفة على وجه شين، فكان مختلفًا تمامًا عما تخيلته.
“….ريتا.”
كان شين، الذي تغمره أشعة الشمس المنسابة من خلف النافذة، لا يزال مرتديًا قناعه.
“لا بد أنكِ تعرفين أن تدخل عائلة الدوق لوار كطرفٍ ثالث لن يكون ممكنًا من دون أن يجرّ معه مشكلةً دبلوماسية.”
كان لطفه البارد يوقظني وكأنه يقول لي: اعرفي حدودكِ.
“بالطبع أعرف.”
أجبته بهدوءٍ أيضًا.
“هل كنتَ تظن أنني سأساعدكَ بأن أنشر الأمر في كل مكانٍ وأجعله حديث الناس؟”
“أيًا كانت الطريقة، لن يُعجب الدوق لوار بالأمر.”
ابتسم شين ابتسامةً توحي بأنه يجد الأمر ممتعًا، واتخذ نبرةً أشبه بمن يمدحني على حسن تصرفي.
ألم يبدُ كلامي جادًا بما يكفي؟
عضضتُ شفتي سرًا وأنا أنظر إلى الملف الموضوع على الطاولة، ثم أوضحتُ كلامي بصورةٍ أكثر حزمًا.
“لا بد أنكَ تعرف أنه إذا كانت عائلة بريين تخفي نوايا خبيثة، فلن تتصرف بمفردها أبدًا.”
هل تماديتُ في التعمق في الموضوع بجرأةٍ شديدة؟ فقد حافظ شين على نبرته الهادئة، ثم وضع حدًا مفاجئًا للحديث.
“….أظن أنه من الأفضل أن نحافظ على وعدنا بألا نلتقي حتى أُنهي الجزء الثاني.”
كان هذا رداً لم أتوقعه إطلاقًا.
“لـ، لماذا فجأة؟ أنتَ لم تكن تحب هذا الاقتراح أصلًا.”
“أشعر أنني في وقتٍ لا يكفيني فيه حتى أن أركز على النشر.”
عند سماع ذلك، تذكرتُ تلقائيًا كل ما فعله حتى الآن.
“لقد أرسلت إليّ رسالةً قبل يومين، وكتبتَ فيها بالتفصيل عن خططنا للمواعدة، قائلًا أن لديكَ ما يكفي من الفصول الجاهزة للنشر مسبقًا.”
“…….”
“بل قلتَ أننا يجب أن نتراجع عن اقتراح ألا نلتقي حتى انتهاء الجزء الثاني.”
كان يتجنب لقائي على نحوٍ لا يشبهه، فقط ليمنعني من التورط في مشكلة عائلة أوريلنو وعائلة بريين.
‘لماذا؟’
ظهر قلقي الذي دفنته طوال الشتاء في أعماق وادي الهاوية، وبدأ يهمس لي.
أليس من الممكن أنه يخفي عني شيئًا مرة أخرى؟
“حتى الآنسة فلورا لا تعرف التفاصيل، لذلك لم تخبرني بالكثير.”
حبست خفقان قلبي قدر استطاعتي، ثم فتحتُ فمي بحذر.
“إذا عدتَ إلى القصر، فلا تضغط على الآنسة فلورا أو تستجوبها. هي فقط….كانت تخشى العودة. كانت قلقةً من أن تتورط في نزاعٍ داخل العائلة وتموت بسببه-”
“كفى.”
وأخيرًا انفجرت مشاعر شين الحقيقية من أعماق قلبه، من دون أي تزيين.
“لا أريد التحدث عن هذا الأمر أكثر.”
“هل الأمر أخطر مما أظن؟”
“ريتا.”
تمتم شين بصوتٍ منخفض وهو يعقد ذراعيه.
“هذا شأن عائلة أوريلنو.”
كان موقفه الواضح في رسم الحدود تصرفًا منطقيًا بصفته سيد الأسرة.
“إذا كنتُ مضطرًا إلى أن أشرح لكِ أن ابنة عائلة لوار غريبة عن هذا الأمر، فهذا يعني على ما يبدو أنكِ لا تتلقين دروس إعدادكِ لتصبحي الوريثة كما ينبغي على يد ذلك السكرتير.”
توقفت الكلمات في حلقي ولم أستطع إخراجها. لأنني لم يكن بوسعي دحض كلامه.
“هل نحن مخطوبان؟”
“…….”
“لسنا سوى حبيبين في الوقت الحالي.”
“لماذا تتحدث إليّ بهذه القسوة؟”
كان شعوري بالخذلان شديدًا إلى حد أن صدري أخذ يؤلمني من شدة الأسى، فلم أستطع أن ألتزم الصمت.
“أنا قلقةٌ عليكَ كثيرًا.”
حتى أمام همستي المشبعة بالصدق، ظل تعبير وجه شين متجمدًا.
“تدخلكِ لن يفعل سوى أن يجعلكِ قلقة، ولن يحل شيئًا. عودي. عندما تُحل الأمور، سأخبركِ بكل شيء.”
“عندما تقولها بهذه الطريقة، أصبح أكثر قلقًا. ماذا لو أثّر الأمر في عملكَ على الكتابة!”
انعقد حاجبا شين قليلًا. فارتجفتُ أمام ذلك التعبير، ثم ما لبثت الكلمات التالية أن آذتني أنا أيضًا.
“في النهاية، هل شيل إيفير أهم بالنسبة إليكِ مني؟”
______________________
اصبر خل نتفاهم انت البادي تونا حبيبين سوى وش صار
ريتا متعودة دايم تقول كذا مشكلتها بس هو دايم واقع لها ليه الحين قلب؟😭 ياخي قل انك ماتبيها تتضرر وترجاها ماتسوي شي وخلاص
كله من فلورا معليش😭
Dana
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.