الفصل 107
بما أن جميع أفراد المملكة يعرفون ظروف حالتي بشكلٍ أو بآخر، لم يُخفِ طبيبي المعالج نبرة الأسى وهو يشخّص حالتي.
وبعد أن ظلّتا سوزان وتاشا وبقية الخدم يتنهدون ويقضون وقتًا عصيبًا من شدة القلق، تمكنوا أخيرًا من تهدئة أنفسهم.
ومهما بالغوا في إظهار قلقهم وقاموا بضجةٍ كبيرة، فإنني، التي قضيتُ يومين كاملين طريحة الفراش، لم أكن أفكر في شيءٍ على وجه الخصوص.
‘ربما ارتخيتُ بعدما شعرتُ أنني نجوتُ بحياتي.’
وبينما كنتُ أشعر بالدهشة لأنني أحسستُ وكأن جزءًا من الزمن قد مُحي من ذاكرتي، رأيتُ عمتي فجأة وهي تذرف الدموع، فساورني شعورٌ سيئ وسألتها بسرعة.
“عمتي. لم تخبري شين أنني مرضت وتبالغي في الأمر، أليس كذلك؟”
“كنتُ على وشك أن أكتب له رسالة، لكنكِ استيقظتِ في تلك اللحظة!”
يا للراحة. لم أكن أريد أن أجعل شين يقلق عليّ بسبب وعكةٍ عابرة.
وكما توقعت، استعدتُ طاقتي عافيتي سريعًا، بل وتمكنتُ من تناول صحنين من الحساء.
وكان هناك شخصٌ آخر جعلني أشعر بطاقةٍ أكبر.
“آآآه، أوريون هيفن! هذا الوغد لم يمت، وها هو يعود مجددًا!”
عثرتُ أخيرًا، في إحدى مجلات الفضائح التي كنتُ أتصفحها هذه الأيام من الغلاف إلى الغلاف، على نقد يهاجم شيل إيفير علنًا بعد غيابٍ طويل.
[…لا يتفوق شيل إيفير إلا في استخدام المواد القادرة على إثارة الفضول، أما مهارته في صياغة الجمل فتواصل التراجع مقارنةً بأعماله السابقة.
ولا يزال الرأي السائد في الأوساط الأدبية يرى أنها في النهاية مجرد رواياتٍ شعبية لا تصلح إلا لقراءة السيدات الشابات…]
بل إن هذا الرجل، أوريون هيفن، كان معتادًا على الأمر، وكأنه مجرمٌ عائد إلى جريمته.
‘هل كان عدوًا لدودًا لشين في حياته السابقة؟’
كان شين يترك أمثال أوريون هيفن وشأنهم، معتبرًا أنهم مجرد أشخاصٍ مثيرين للسخرية.
لكن المعجب المهووس الذي يعرف هوية شيل إيفير الحقيقية كان يشعر بنارٍ تشتعل في صدره.
وبينما كنتُ غاضبة وأوشكتُ على تمزيق مجلة الفضائح إلى أشلاء، توقفت يدي بدهشةٍ عندما اندفعت تاشا نحوي على عجل،
“آنستي. لقد جاءت الآنسة فلورا بريين بمفردها لزيارتكِ.”
أخبرتني تاشا بهدوء، رغم أنها لم تستطع إخفاء ارتباكها من زيارة فلورا المفاجئة.
“تقول أنها تشعر بالحرج لأنها جاءت فجأة، لكنها تقول إن هناك حديثًا عاجلًا لا بد أن تجريه معكِ.”
“هكذا فجأة؟”
حين فكرتُ في الأمر، كانت هذه أول مرةٍ تأتي فيها فلورا بمفردها، من دون وصيٍّ مثل شين، ومن دون وجود مناسبةٍ احتفالية، بل لسببٍ شخصيٍ بحت.
بل إنها جاءت مباشرةً من دون أي مراسم أو مقدمات؟
لقد أذهلني تصرفها غير المعتاد تمامًا.
هل حدث أمرٌ يقلقها؟
….آه، هل يمكن أن تكون عمتي قد تجاهلت كلامي وأرسلت رسالةً إلى فلورا بشأن حالتي الصحية؟!
لم يكن من الممكن أن تقضي عمتي سوزان أيام الشتاء المملة داخل المنزل من دون أن تندفع إلى الصالونات التي تقيمها السيدات بشكلٍ دوري.
وفوق ذلك، لا بد أن شعورها بالارتياح كان عظيمًا بعدما رأت ابنة أخيها التي مرضت فجأةً تنهض من فراشها سليمةً ومعافاة.
كانت عمتي قد غادرت القصر المنفصل منذ وقتٍ طويل، متحمسةٌ للغاية لفكرة الخروج للقاء الناس.
فأسرعتُ في التأنق، ثم هرعتُ إلى غرفة الاستقبال حيث كانت فلورا تنتظر.
وهناك كانت فلورا، التي جاءت محملةً ببرودة الرياح القارسة، تتمشى ذهابًا وإيابًا بوجهٍ شاحب.
تبادلنا أحاديث عادية إلى أن أحضرت الخادمات الشاي الدافئ كله، لكن حتى خلال ذلك الوقت لم يختفِ التوتر عن ملامح فلورا على الإطلاق.
أما ما قالته لي، بينما كنتُ أراقبها بحذرٍ بلا سببٍ واضح، فكان نوعًا من إعلان الفراق لم أتوقعه في أسوأ أحلامي.
“أنا….سأعود إلى كروني قبل انتهاء هذا الشتاء.”
كدتُ أُسقط فنجان الشاي من يدي من شدة الصدمة، وسألتها بصوتٍ خاوٍ،
“لماذا فجأة.…؟”
لم يبدأ الشتاء حتى فعليًا بعد. ولن يكون السفر إلى المنزل الرئيسي مناسبًا في هذا الوقت.
“ما زال أمامنا الكثير من الأمور التي لم نفعلها! كنا قد قررنا الذهاب إلى جامعة أيزار الملكية، لكننا لم نتمكن من الذهاب بسبب ما حدث!”
“أنا أيضًا لا أعرف ظروف عائلة بريين جيدًا، لذلك لا أستطيع الجزم. لكن هناك أمرٌ عاجل قد حدث.”
“ماذا، ماذا حدث؟”
“لقد توفي البارون بريين.”
بدأت الدموع تتجمع في عيني فلورا الواسعتين.
“ستهب رياحٌ عاتية داخل العائلة.”
***
حين كانت مملكة أيزار تعيش حالةً من الاضطراب، كان السبب الذي دفع فلورا إلى القدوم إليّ والحديث معي هو وقوع حادثٍ سيهز عالمها بأكمله.
كشفت فلورا بحذرٍ عما حدث، وقد ارتسم على وجهها بوضوحٍ أنها لم تكن ترغب في رؤيتي بسبب أمرٍ كهذا.
“البارون الذي وافته المنية ليس لديه أبناءٌ يرثون العائلة. و في مملكة كروني، حيث لا يزال نظام الزواج الأحادي مطبقًا قانونيًا، من الشائع تبنّي أبناء الأقارب.”
“فهمت.”
“لكن البارون لم يتبنَّ أي طفلٍ أيضًا. لا بد أن مراسم الجنازة جاريةٌ الآن. وقد تندلع معركةٌ حاسمة على منصب سيد الأسرة حتى قبل أن تنتهي مراسم الجنازة.”
يقولون أن الموت والحياة لا يتبعان ترتيبًا، لكن أن يموت هكذا فجأة.…؟
‘هل ستكون أخت شين بخير؟’
وكأن فلورا أدركت ما كنتُ أفكر فيه، أفصحت بصوتٍ خافت يملؤه العجز.
“مرض القلب متوارثٌ في عائلة بريين. يُقال أن قلب البارون توقف أثناء اجتماعٍ كان يعقده مع رئيس إحدى الشركات التجارية الخارجية في أرضٍ أجنبية. وبفضل ذلك، تمكنت السيدة من الخروج سريعًا من قضية التحريض على تسميمه.”
“….فهمتُ.”
حقًا، كان هذا أفضل ما يمكن أن يحدث، على الأقل.
لكن وجه فلورا المليء بالهموم لم تبدُ عليه أي علامةٍ على الانفراج.
“والدي، أصغر الإخوة الثلاثة….مكانته داخل العائلة ضعيفة. لذلك كان يحلم بأن يتحالف مع قوى خارجية من خلال تزويجي بأحد نبلاء أيزار.”
لكن فلورا لم تكن مرتبطة بأي عرض زواجٍ مع أي نبيل من نبلاء أيزار.
“قبل بضعة أيام، أرسل والدي سرًا رسالةً إلى الماركيز.…يبدو أنه قرر في النهاية مواجهة عمي. ولهذا يطلب مني العودة.”
أدركتُ على الفور سبب مجيء فلورا لرؤيتي سرًا من دون علم شين، وتمتمتُ بهدوء،
“يبدو أنه ينوي استخدامكِ كورقةٍ للمساومة من أجل التحالف مع أحد نبلاء كروني.”
ذلك الزواج اللعين، الزواج!
عضضتُ على أضراسي بقوة وسألتها بهدوءٍ متكلف،
“لكنه قال أنه سيزوجكِ من أحد نبلاء أيزار، أليس كذلك؟”
“و في النهاية، لم أتزوج.”
أجابت فلورا بابتسامةٍ باهتة.
“أنا مجرد ممتلكاتٍ تخص والدي. قطعة شطرنجٍ طويلة الأمد من أجل ازدهار العائلة.”
لم أستطع أن أضيف كلمة إلى ذلك التعبير الذي حطّت فيه من قدر نفسها بلا حدود، فسارعتُ إلى تغيير الموضوع وسألتُ،
“وماذا سيحدث للسيدة فيرونا بريين؟”
“أنا أيضًا لا أعرف بالتفصيل.”
وفي النهاية، لم تستطع فلورا حبس دموعها، فانهمرت منها وهي تبدأ في إخراج ما يختلج في قلبها.
“لم أستطع أن أسأل الماركيز بالتفصيل!”
“إنها مسألةٌ تخص عائلة الآنسة فلورا. لماذا لم تستطيعي أن تسأليه؟”
“أنا، أنا….”
وفجأة، بدأت فلورا تنتحب بحزنٍ شديد.
فوجئتُ، فأشرتُ بعيني بهدوء إلى الخادمات اللواتي كن ينتظرن خلفي.
وبينما انسحبت الخادمات جميعًا من غرفة الاستقبال كالريح، أسرعتُ بالدوران حول طاولة الشاي وجلستُ إلى جوار فلورا، ثم ناولتها منديلًا وربتُّ على ظهرها.
“أنا….أنا لا أريد العودة! لا أريد أن أستمر في التنقل من مكانٍ إلى آخر كقطعةٍ من الأمتعة، من دون أن أعرف ما يخبئه لي المستقبل. لقد وجدتُ أخيرًا بعض السلام بعد أن التقيتُ بالآنسة ريتا!”
فاحتضنتُ فلورا التي كانت بالكاد تستطيع التقاط أنفاسها بين شهقاتها.
و في تلك اللحظة، تساءلتُ أين يمكن أن يكون شين وماذا يفعل.
ما الذي كان يفعله بحق حتى دفع هذه الشابة إلى القدوم إليّ سرًا؟
“قد يقتلني عمي كما قتل أبي وإخوتي الآخرين! لا أريد أن أموت، وااااه….لكن، هيك، لا أريد أيضًا أن أتزوج من أي شخصٍ كان فقط لأحافظ على حياتي….”
“أعرف. أنا أيضًا أفهم هذا الشعور.”
“الماركيز يكرهني. فأنا من عائلة بريين!”
“شين ليس من النوع الذي يسيء الحكم عليكِ لمجرد أنكِ من عائلة بريين….”
وكأن فلورا شعرت بترددي في مواساتها، بدأت تبكي بحزنٍ أكبر.
“أنا أيضًا، أنا أيضًا أعرف الأمر تقريبًا. أعرف ما حدث بين الماركيز والسيدة فيرونا بريين! من المستحيل أن ينظر إليّ بعين الرضا. هذا واضحٌ تمامًا من نظراته!”
لم أتخيل قط أن نظرة فلورا إلى شين ستكون سيئةً إلى هذا الحد.
“بما أن الأمور وصلت إلى هذا الحد، هيك، إذا أصبح مصير السيدة فيرونا بريين غير مؤكد، فقد يتخذني الماركيز رهينة!”
لا. شين، ما الذي كنتَ تقوله لهذه الشابة بالضبط طوال هذا الوقت؟
“أخبريني. هل عاملكِ شين بقسوةٍ طوال هذه الفترة؟”
“لـ، لم يفعل ذلك….”
“هل كنتِ تعلمين أنه كان يستطيع أن يترككِ تتزوجين أي شخص، لكنه بدلًا من ذلك كان يختار الأشخاص من حولكِ واحدًا تلو الآخر، وكأنه ينتقي الأغصان التي يريد تقليمها؟”
عند كلماتي الحازمة، خفت صوت بكاء فلورا أخيرًا.
ومن نظرتها التي بدت عاجزةً تمامًا عن فهم الأمر، أفلتت مني تنهيدةٌ تلقائية.
قد يكون شين حقاً لا يستلطف فلورا، لكنه لم يتخلَّ عنها قط.
حتى أنا، التي لا أهتم بالأوساط الاجتماعية، كنتُ أعرف ذلك، فكيف لم تكن هي، المعنية بالأمر، تعرف؟
______________________
فلورا مسكيتة توء توء
بس المهم اخت شين وش بيصير عليها؟ و شين و ينه؟ و ريتا وش بتسوي؟ يمه قد قلتها مابي الاكشن على الاخير
ياكلون تبن بريين ذولا رجعوا اخت شين وانتم قتلوا بعض براحتكم
Dana
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.