الفصل 10
لا أعلم حقًا إن كان ذلك لأنه رأى أن إهانة أحد أفراد عائلة الدوق لا يمكن السكوت عنها، أم لأنه غضب لأن ابنته الوحيدة كانت تتعرض لمعاملةٍ كهذه….
لكن أيًّا كان السبب، فما إن تدخل الدوق بنفسه وقطع علاقته بعائلة فورتي بالكامل حتى شعرتُ براحةٍ لا توصف.
وحسبما أخبرني السكرتير، فإن والدي الدوق، بعد أن استشاط غضبًا بسبب اقتراب ابنته من الموت، ألغى فور انتهاء موسم حصاد القمح في الربيع جميع عقود الأراضي التي كانت عائلة فورتي تستأجرها من دوقية لوار.
كما استعاد من طرفٍ واحد حقوق استئجار مجرى نهر مندلتا السفلي المار عبر تلك الأراضي.
ولم يكتفِ بذلك، بل هدد أيضًا بعدم استقبال أي شيءٍ مصدره أراضي فورتي مستقبلًا، وعدّد الأمر بندًا بندًا.
وهكذا….مرّت العاصفة.
ومع ذلك، يبدو أن فيفيان كانت لا تزال ترغب باستغلال دوقية لوار يومًا ما، لذا حاولت إعادة علاقتها بي بحجة الاعتذار.
لكن لسوء حظها، كنتُ في ذلك الوقت غارقةً تمامًا في أول هوسٍ حقيقيٍ في حياتي، بعد أن وقعتُ تحت سحر كتب الكاتبة قدريّة الحب، إيفير….
وكأن روح الهوس الأدبية كانت تحميني. ففي توقيتٍ مثالي تمامًا، بدأت الكاتبة بنشر عملها الجديد “مأساة البارون تشيرن”.
وبينما كنتُ مهووسةً برواية “كيتلين” لدرجة أنني أشتري نسخًا منها بمصروفي الخاص وأوزعها على الخدم، قطعتُ علاقتي بفيفيان، عنصر الهلاك في حياتي، بشكلٍ طبيعيٍ تمامًا.
وبعد أن تجاهلتُ رسائلها من طرفٍ واحد لما يقارب ثلاث سنوات….ظهرت بنفسها أخيرًا.
حبستُ تنهيدةً بصعوبةٍ وأدرتُ رأسي مجددًا متجنبةً النظر إليها.
لكن ما كان يدور في داخلي هو….
“آه يا للملل فعلًا….”
“ليفيريتا، ماذا قلتِ؟”
لحسن الحظ لم تسمعني فيفيان، لكن الشخص الوحيد الذي سمع همستي اللاواعية بوضوحٍ كان الماركيز أوريلنو.
وكأنه أدرك شيئًا ما، أدار جسده قليلًا وهمس بصوتٍ خافت حتى لا تسمعه فيفيان،
“يبدو أنكِ تكرهين تلك الآنسة بقدر كرهكِ لي.”
إذًا أنتَ تعلم أنني أكرهكَ أصلًا؟
“إذا أنقذتكِ من تلك الآنسة التي تضعكِ في موقفٍ محرج….هل ستصبحين أقرب إليّ قليلًا؟”
الوجه اللطيف الذي كان يبتسم به الماركيز أوريلنو تبدل فجأةً إلى برودٍ قاسٍ.
فتفاجأتُ قليلًا من ذلك التعبير المختلف تمامًا عما سبق.
وبكل هدوء، لف ذراعه حول كتفي بخفةٍ وأدارني معه لأقف مباشرةً في مواجهة فيفيان فورتي.
وبينما كنتُ لا أزال مشوشةً ومنساقةً وراء تصرفه، انطلق صوتٌ حاد نحونا.
“ليفيريتا. هل تتظاهرين الآن بأنكِ لا تسمعينني.…”
“آنسة فورتي. ألا ترين أن الآنسة لوار تتحدث معي الآن؟”
تجمدتُ من الصدمة مجددًا.
منذ لقائي به، لم يسبق للماركيز أوريلنو أن تحدث بهذه الحدة أو وضع حدودًا واضحةً بهذا الشكل.
كل ما كنتُ أتذكره عنه هو تصرفاته المهذبة، وابتسامته السلسة، وذلك الشعور المزعج بأنه يخفي نوايا خبيثة خلف لطفه.
لكن هذا الرجل….لقد تغيرت نبرته في لحظةٍ واحدة.
فشعرتُ غريزيًا أن انطباعي عنه كان صحيحًا إلى حدٍ ما. فهناك خطٌ رسمه الماركيز أوريلنو، ومن يتجاوزه سيواجه أصل شخصيته الحقيقي المختبئ خلف ذلك اللطف، شخصيةٌ متسلطة وباردة على نحوٍ خفي.
وبالطبع، لم تكن لديّ أي نيةٍ لتجربة ذلك بنفسي.
ارتبكت فيفيان، ثم فتحت مروحتها السوداء المزينة بالريش بحركةٍ سريعة ورفعتها حتى أسفل شامة الدمع قرب عينها.
ومن خلفها رأيتُ عبوسًا طفيفًا وكأنها تطلب مني أن أتدخل.
‘ولماذا أتدخل أنا أصلًا؟’
وبالطبع، تظاهرتُ بأنني لم أر شيئًا ولم أفهم شيئًا، واكتفيت برمش عينيّ ببراءة.
“أعتذر لتأخر التعارف. أنا شين دي أوريلنو، ماركيز عائلة أوريلنو.”
رنّ صوته الحازم المنخفض بصوتٍ لا يسمعه سواي أنا وفيفيان.
لم يبقَ في نبرته أي أثرٍ لدفء الربيع، بل بدا وكأن الفصول عادت إلى الشتاء فجأة، حتى أن زهور الفريزيا قد تتجمد من برد صوته.
ثم بدأ ينظر إلى فيفيان بعينين تعاملانها حرفيًا كضيفٍ غير مرغوبٍ فيه.
وكانت عيناه الباردتان تتناقضان بغرابةٍ مع تلك الابتسامة الخفيفة المرسومة على شفتيه.
“آه….وأنا….”
“أتفهم رغبتكِ في التحدث مع الآنسة لوار، لكن أعتقد أنه من الأفضل لكِ انتظار فرصةً أخرى. فقد حصلتُ أخيرًا على وقتها الثمين بعد عناء.”
“يا إلهي، إذًا سأنتظر بجانبكما. تحدثا براحتكما.”
هل كانت مصممةً إلى هذا الحد على التحدث معي؟
ابتسمت فيفيان بعينيها وتقدمت بإصرار.
لكن خصمها لم يكن سهلًا أيضًا. فقد ردّ عليها الماركيز ببرودٍ صريح دون أي مجاملة.
“يبدو أن الآنسة فورتي أقل إدراكًا للمواقف مما توقعتُ. ما أريده هو قضاء وقتٍ على انفراد مع الآنسة لوار فقط.”
‘لا، ما الذي تقوله بهذه الطريقة أصلًا؟!’
أنا وفيفيان فشلنا تمامًا في التحكم بتعابيرنا. فهذا الرجل كان يتفوه بكلامٍ قد يُساء فهمه بسهولةٍ شديدة دون أن يرف له جفن.
“كمـ، كمستثمر! كمستثمرٍ في مسرحية كيتلين! صحيح؟!”
أسرعتُ بإضافة تفسيرٍ حتى لا تسيء فيفيان الفهم.
لكن….رغم ذلك كله.
“آه….مستثمر؟ إذًا يبدو أنني قاطعت لحظةً مهمة بينكما؟ فهمت. آسفة يا ليفيريتا، لنتحدث لاحقًا.”
ومن عيني فيفيان اللامعتين وطريقتها المتمايلة في الكلام، تأكدتُ أن سوء الفهم قد ترسخ تمامًا.
ثم ابتعدت صاحبة الفرصة الثمينة للتصحيح وهي تنقر بكعبيها وسط الحشد بخطواتٍ واثقة.
وحتى لو مددتُ يدي متأخرةً لأوقفها وأشرح لها….فقد اختفى ذلك الشعر الوردي الجميل بسرعةٍ داخل الزحام.
يا للمصيبة. يبدو أنها فهمت الأمر بشكلٍ خاطئ جدًا؟
أما الماركيز أوريلرنو، غير مكترثٍ بما يدور في داخلي، فقد أدار كتفي الذي كان يمسكه لتصبح مواجهتي نحوه، ثم وضع يده على صدره بانسيابيةٍ أنيقة وانحنى بخفةٍ وكأنه يحييني.
وفي غمضة عين، عادت إلى وجهه تلك الابتسامة الماكرة المستفزة.
وكأن ملامحه المتسلطة قبل قليلٍ لم تكن سوى قناعٍ مؤقت، خرج صوته اللعوب من بين شفتيه المبتسمتين،
“ألا يوجد ما تودين قوله لمن أنقذكِ من موقفٍ محرجٍ كهذا؟”
بل أشعر أنكَ دفعتني إلى جحيم شائعاتٍ مزعجة، لا أنكَ أنقذتني.
حبستُ الكلمات التي أوشكت على الخروج من حلقي، ثم شكرتُه باقتضاب.
“….شكرًا لكَ.”
ورغم أنني كنتُ أرسم حدودًا واضحةً كي لا أتورط معه أكثر، بدا وكأن الماركيز أوريلنو لا يلاحظ ذلك أو يتجاهله عمدًا، إذ تابع الحديث بلا تردد.
“يبدو أنكِ لستِ مقربةً جدًا من الآنسة فورتي.”
“إذا بدا لكَ الأمر كذلك، فليكن.”
قطب الماركيز حاجبيه قليلًا من إجابتي اللامبالية، ثم سأل مجددًا،
“لماذا تجيبين بهذه الطريقة؟ ألا تهتم الآنسة بكيف يراها الآخرون؟”
كان السؤال وكأنه يحاول التنقيب عما بداخلي، حتى شعرتُ بقشعريرةٍ في مؤخرة رأسي.
يا للإزعاج….سأجيبه بشكل عابرٍ فقط.
“بالطبع أهتم.”
“لكن الآنسة التي رأيتها حتى الآن لم تكن تبدو كذلك إطلاقًا.”
“….في الحقيقة، طالما أن الأمر لا يتعلق بالكاتبة إيفير، فأنا لا أهتم بقصص الناس أو فضائحهم العائلية.”
فجأة أطلق الماركيز ضحكةً قصيرة وعالية، ما جعلني أنتفض من المفاجأة.
حين يضحك رجلٌ وسيمٌ بصوتٍ جميل كهذا، فمن الطبيعي أن يلتفت الجميع نحوه.
وهكذا صار من حولنا يرمقونني أنا والماركيز بالتناوب.
حدقتُ فيه بذهول، غير قادرةٍ على فهم سبب ضحكه، ثم تراجعتُ سريعًا ثلاث خطواتٍ متظاهرةً بأنه غريبٌ عني.
“حتى الآن، كل من قال أنه لا يهتم بالآخرين، كان في الحقيقة أكثر الناس اهتمامًا بهم.”
“يبدو أنكَ تظنني أكذب. حسنًا، فكر كما تشاء. سأغادر الآن.”
“لماذا تبتعدين باستمرار؟ لا تذهبي.”
مدّ ساقيه الطويلتين بخطواتٍ واسعة واقترب مني، وكأنه مصممٌ على قلب أعصابي رأسًا على عقب.
“فمن الآن، سأتحدث عن الكاتبة إيفير الوحيدة التي تثير اهتمامكِ.”
وبسبب تلك النبرة الخافتة المبطنة، بدأت ملامح اليأس الممزوج بالضيق تنتشر على وجهي.
لكن….
“هل ستغادرين؟”
حتى وهو يقول ذلك، كان يبتسم ابتسامةً ملائكية جعلت مقاومتي تضعف قليلًا.
حقًا، هذا الرجل يستفيد من وسامته بشكلٍ مرعب.
“هل تكرهينني إلى هذه الدرجة؟ لا أعلم لماذا تبدين بتلك التعابير، لكنكِ على وشك أن تشعري بخيبة أملٍ أكبر حين تسمعين ما سأقوله.”
ثم انحنى قليلًا وهمس قرب أذني بصوتٍ شيطاني، فتجمدتُ في مكاني تمامًا.
“….إنها تشعر بالعبء.”
رغم أنه لم يذكر الفاعل، فهمت فورًا من المقصود.
فسقط قلبي….فجأة. كما تسقط ثمرةٌ ناضجة تُركت طويلًا دون أن ينتبه لها أحد.
“تقول أن دعمكِ لها….يشكل عبئًا عليها.”
قناة التلجرام: https://t.me/+PE6p5xi2s882MWJk
__________________
كذا احسن ذي بداية علاقات اهداء لأحباء لازم تلزقهم شايعات اول😂
اما ليفيريتا تضحك ردات فعلها ليتها تقول افكارها بصوت عالي شين بينصدم😭😭😭
Dana
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.