الفصل 2862: ترنيمة الأصوات
[سيدتي كاسيا! لقد عبر ملك اللاشيئ المضيق الشمالي واخترق خط التحصينات في قمة الهمس! لن نتمكن من الصمود طويلاً! أرجو إرسال التعزيزات على الفور!]
[سيدتي، لقد فُقد أسطول الإمداد. أنا… أنا آسف. الخسائر هي كالتالي…]
[تم احتواء بوابة الكابوس، لكنها فُتحت بالقرب من محطة الترحيل الرئيسية. انقطعت شبكة الكهرباء تمامًا، ورغم استخدام محطات تحويل ثانوية وثالثية لإعادة توجيه التيار، إلا أن حوالي 20% من المدينة تعاني حاليًا من انقطاع تام للتيار الكهربائي. أؤكد مجددًا على خطورة الوضع يا سيدتي كاسيا، فالمولدات المحلية المثبتة في المجمعات السكنية لن تصمد طويلًا. بمجرد انقطاع التيار الكهربائي وتوقف أنظمة التهوية عن العمل، سيرتفع عدد الضحايا في الطوابق السفلية…]
[سيدة كاسيا!]
[السيدة كاسيا…]
[سيدتي!]
كان عقل كاسي مليئاً بأصوات التوسل.
كان صخب صرخاتهم المريع يصم الآذان، يغمرها كمحيط بارد. كانوا جميعًا يستغيثون، يائسين في غياب حاكمهم… ساميتهم. أرادوا النجاة، وبالنسبة لهم، كانت النجاة مرادفةً لنجمة التغيير – آخر بنات الشعلة الخالدة، التي أشعلت في أرواحهم الأمل والشوق.
لذا، أرادوا معرفة مكانها. أرادوا معرفة سبب هجرها لهم.
…أرادت كاسي أن تعرف أيضاً.
كانت تفعل ذلك في السابق، ولكن بالنظر إلى الفراغات الشاسعة حيث من المفترض أن تكون ذكرياتها الحديثة، فلا بد أنها محتها. والسبب في ذلك ليس صعب التخمين، فهو حماية تلك المعرفة من أستيريون.
وبما أن معرفة مكان حكام البشرية كان يجب حمايتها من أستيريون، فقد استنتجت كاسي أنه سيفعل أي شيء في وسعه لإيقافهم إذا اكتشف ذلك… وهو ما يعني بدوره أن ما يفعلونه قد يؤدي إلى نهاية وليد الأحلام.
إذن، هذا كل ما كانت تعرفه. أن نيفيس وصني كانا يفعلان شيئًا سيمكنهما من هزيمة أستيريون، وأن على البشرية أن تتحمل وحدها حتى يفعلا ذلك.
كانت كاسي بارعة في تدبير الأمور، لكنها لم تستطع أن تحل محل اثنتين من السياديين، لذا، حتى لو كانت تبذل قصارى جهدها، فإن الأمور كانت تزداد سوءًا يومًا بعد يوم.
“…لكنني أعتقد حقاً أنني أسير على الطريق الصحيح.”
انتفضت كاسي قليلاً، إذ أعادها صوتٌ بدا متفائلاً ومشرقاً من صخب الأصوات اليائسة. كانت رين تجلس قبالتها، مستمتعةً بالفطائر التي أعدتها لهما.
“الاستيقاظ هو عملية تكثيف جوهر الروح في نواة. أما الصعود، فهو عملية إعادة تشكيل هذه النواة. وهذا منطقي، إذا تأملنا الأمر – فنواة الروح مبنية من جوهر متصلب، والجوهر الذي يتصلب تحت الضغط لتكوينها هو الجوهر المستيقظ. كيف يمكن لشيء مبني من جوهر مستيقظ أن يحتوي على جوهر صاعد، وهو أكثر تقلباً وقوة؟”
ابتسمت رين.
“آه، أرجو أن تسامحيني يا سيدتي كاسيا. أنا أتحدث مجازيًا بالطبع، ودائمًا ما ينتهي بي الأمر إلى استخدام استعارات تتعلق بالهندسة المعمارية وأعمال البناء. لو استمعتِ إليّ، لظننتِ أنني أتحدث عن بناء كوخ،
لا عن الصعود. لا أستطيع شرح الأمر بشكل أفضل، مع ذلك… إذن، تكمن المشكلة في إعادة صياغة الجوهر. كما أرى، هناك طريقتان للقيام بذلك – إحداهما مستنيرة، بطيئة، ومحافظة. والأخرى سريعة، جذرية، وربما مميتة.”
رفعت كاسي حاجبها.
“وما هما هذان الطريقان؟”
ضحكت رين.
“أنا سعيدة بسؤالكٓ! إنّ السبيل الأمثل هو السماح للجوهر الصاد بالتدفق على النواة كما تتدفق أمواج البحر على الشاطئ. في دورة مد وجزر لا تنتهي، سيتغير تركيب النواة تدريجيًا، حبة رمل تلو الأخرى. بطبيعة الحال، قد يستغرق ذلك عقودًا، وسيحتاج المرء إما إلى تعلم كيفية الارتقاء بجودة جوهره أو امتلاك إمداد ثابت من شظايا الروح الصاعدة كبديل عن التنوير الشخصي. أستطيع تحقيق الأول إلى حد ما، لكنني أستفيد بالفعل من الثاني.”
ابتسمت كاسي.
“أفهم. وماذا عن الطريقة الثانية؟”
تنهدت رين.
“الطريقة الثانية ستكون واضحة تمامًا لأي شخص يعمل في مجال البناء. تخيلي كوخًا أمامكِ، لكنكِ تحتاجين إلى قلعة مكانه. هل تستبدلين ألواح الكوخ الخشبية واحدة تلو الأخرى حتى يصبح قلعة؟ كلا… ببساطة، تهدمين الكوخ وتبنين قلعة جديدة تمامًا مكانه. بعبارة أخرى، بما أن النواة قد تصلبت من الجوهر الإستيقاظ، فمن الأسهل تدميرها وتشكيل نواة جديدة تمامًا من جوهر الصعود.”
واجهتها كاسي بعبوس.
“عادةً ما يؤدي تدمير نواة الروح إلى انهيار الروح. إنه حكم بالإعدام.”
نظرت رين إلى فطائرها بنظرة خيبة أمل.
“أعلم. لم أجد طريقة آمنة لتحقيق الارتقاء بهذه الطريقة، لذا… حسنًا، على أي حال، أنا أستكشف الطريقة الأولى في الوقت الحالي. ما رأيكِ؟”
التزمت كاسي الصمت لبعض الوقت، وهي تحاول جاهدة ألا تضيع وسط سيل الأصوات المتوسلة التي كانت تدوي في رأسها. وفي النهاية، ابتسمت.
“أعتقد أن فطائرك بدأت تبرد. إنها لذيذة، بالمناسبة، لذا سيكون من المؤسف إهدارها…”
لقد اعتقدت أن رين – تلميذة صني والإنسانة الوحيدة التي تمكنت من الاستيقاظ دون مساعدة التعويذة – ستكون في أمان هنا، في البرج العاجي.
لكنها كانت مخطئة.
قبل عدة أيام، استولى أستيريون على حديقة الليل. تمكنت جيت من الفرار، لكن جميع القديسين الستة الذين كانوا معها على متن السفينة العملاقة أصبحوا الآن عبيدًا لوليد الأحلام.
كان سائر الليل من بينهم.
لم تتمكن جيت وسائر الليل بعد من إتقان آلية الملاحة في حديقة الليل، مما حال دون قيامها بالقفزات المكانية لمسافات طويلة. لكن مع مراقبة أستيريون لسائر الليل وهمسه بالأسرار في أذنه، قد تتغير الأمور في لحظة. فقدت كاسي أثر حديقة الليل، لذا يُمكن أن تظهر في أي مكان، وفي أي وقت.
وهذا يعني أن جزيرة العاج لم تعد آمنة … أو بالأحرى، أصبحت أقل أماناً مما كانت عليه.
لم تعد كاسي تسمع أصوات من كانوا على متن السفينة.
كان عقلها يفيض بضجيج مرعب وصاخب من أصوات يائسة…
لكن في الحقيقة، لم تكن صرخاتهم هي التي أخافتها.
بل كان صمتهم هو السبب.
الترجمة : كوكبة
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.