الفصل 134
⟢ الفصلُ 134⟢
“آنستي، هل تستطيعين استخدام الهالة؟”
“نعم.”
بدت مِيلين متفاجئة إلى حدٍّ كبير حين علمت أنني أستطيع استخدام الهالة والبركة المقدسة في الوقت نفسه.
في الواقع، كانت هذه أول مرة أسمع فيها عن حالة كهذه أنا أيضًا.
‘لقد فتشتُ في جميع الكتب التي أحضرتها من منزل الماركيز، لكن لم أجد أيًّا من أرباب عائلة بلانكر استخدم الهالة والبركة المقدسة معًا.’
بل إنني لم أجد حتى حالة لربّ عائلة يمتلك البركة المقدسة وتمكّن في الوقت ذاته من إظهار الهالة.
‘ربما لأنني مررت بظروف استثنائية.’
فعلى عكس أفراد العائلة الآخرين الذين أيقظوا البركة المقدسة أولًا، كنتُ قد أيقظتُ الهالة قبلها.
ولم تكن تلك العملية بسيطة على الإطلاق.
‘فمَن غيري يمكن أن يكون قد تنقّل بين هذا الجسد وذاك الجسد؟’
على الأقل، لم يكن هناك أحد من أفراد عائلة ماركيز بلانكر قد مرّ بشيء كهذا.
ربّتُّ على كتف مِيلين وقلت:
“أستطيع أن أؤكد لكِ أنني سأكون أقوى شخص ممن حملوا دماء بلانكر حتى الآن، لذا لا تقلقي.”
“أحقًّا؟”
“بالطبع. مِيلين، صحيح أنني كنت أقول أحيانًا أشياء لا داعي لها، لكنني لم أكذب عليكِ قط، أليس كذلك؟”
عندها مسحت مِيلين بطرف إصبعها ما تجمع عند زاوية عينيها، وابتسمت ابتسامة خفيفة.
“هذا صحيح. لا أحد صريح مثل آنستي.”
أوه… أمم.
في الحقيقة، شعرتُ ببعض الحرج، لكن من المؤكد أنني في طفولتي لم أكن أكذب ‘تقريبًا’ أبدًا.
“لقد قطعتِ مسافة طويلة ولم تتناولي الطعام كما ينبغي، أليس كذلك؟ هيا بنا. حساء الذرة في معسكرنا لذيذ إلى حدٍّ لا بأس به.”
“حسنًا، آنستي.”
خرجتُ مع مِيلين من الخيمة لنتناول حساء الذرة بشهية.
* * *
بعد يومين، وصل الكونت كايدِن، زوج مِيلين، إلى معسكرنا.
بعد أن تبادل التحية مع كادريان، دخل إلى الخيمة التي كنتُ فيها ليلتقي مِيلين.
“لم أكن أعلم أن زوجتي تعرف كبيرة خدم الدوق الأكبر.”
شرحتُ للكونت كايدِن أنني ومِيلين كنا نعرف بعضنا منذ الصغر، وأننا افترقنا ونحن صغيرتان، وعشنا بعيدًا عن بعضنا من دون أن نعرف ما إذا كان الآخر على قيد الحياة أم لا، ثم التقينا مصادفةً هنا.
ولأنني لم أكن أستطيع الكشف عن هويتي بعد، لم يكن أمامي سوى اختلاق هذه القصة.
وبينما كنتُ أحيّي الكونت كايدِن، ألقيتُ نظرة فاحصة عليه.
كان الكونت طويل القامة بقدر كادريان، ويتمتع ببنية جسدية صلبة توحي بأنه درّب نفسه لسنوات طويلة.
كان شعره بنيًّا داكنًا وعيناه حمراوين، وقد بدتا للوهلة الأولى قاسيتين بعض الشيء.
وعندما رأيتُ عينيه، شعرتُ للحظة بالقلق قليلًا بشأن الحياة الزوجية لمِيلين.
لكن ما إن اتجهت عيناه نحو مِيلين، حتى اكتشفتُ أن حدّتهما لم تكن نابعة من عدوانية شرسة، بل تلونتا بشغف عميق ودفء واضح.
“شكرًا لك على تكبّد عناء المجيء بنفسك رغم بُعد المسافة.”
وحين عبّرتُ له بأدب عن امتناني، هزّ الكونت كايدِن رأسه.
“لا داعي للشكر. فهذا أمر ينبغي لكل نبيل من نبلاء إمبراطورية كاديا أن يقوم به. لقد انشغلتُ طوال ذلك الوقت بإقليمي أكثر مما ينبغي، بحجة الحفاظ على استقراره.”
كانت أراضي أرتيرا التي يحكمها الكونت كايدِن مدينةً ساحلية صغيرة تقع في أقصى جنوب الإمبراطورية، على حدودها النائية، وبسبب موقعها الجغرافي ظلت عرضةً للغزوات الخارجية بصورة مستمرة لسنوات طويلة.
أما الآن، وبفضل جهود الكونت كايدِن، فقد أصبحت مركزًا تجاريًا مهمًّا للإمبراطورية، لكنها قبل أن يتولى الكونت حكمها كانت أرضًا مضطربة وغير مستقرة، تُركت لمصيرها.
ولهذا، كرّس الكونت جهوده لاستقرار إقليمه وتعزيز العلاقات الدبلوماسية بين الإمبراطوريات.
ولو حكمتُ عليه من مظهره وحده، لما وجدتُ شخصًا أنسب منه للقتال، لكن يبدو أن الكونت كايدِن كان في الحقيقة رجل أعمال بالفطرة.
“أردتُ أيضًا أن أساعد الإمبراطورية بمناسبة هذه الفرصة، وفوق كل شيء، أرى أن من دواعي الشرف أن تتاح لي فرصة الوقوف إلى جانب صاحب السمو الدوق الأكبر بالوت، بطل الإمبراطورية.”
قال ذلك، ثم اقترب من مِيلين وأمسك يدها بحذر.
“هل أنتِ بخير؟”
“نعم، وأنت؟ الطريق لم يكن سهلًا تمامًا.”
“هل تقلقين عليّ الآن؟ رغم أنك ترين ضخامة بنيتي؟”
“لا يمكنني ألّا أقلق عليك، فأنت كثيرًا ما تُصاب.”
“صحيح، لا يمكنني إنكار ذلك. لكنني هذه المرة وصلت سالمًا من دون أن أُصاب بأذى.”
“أحسنت.”
لم يتمكن الكونت كايدِن من إخفاء سروره من المديح القصير الذي وجهته إليه مِيلين، فابتسم ابتسامة خفيفة.
‘الحب يتقطّر منهما تقطّرًا.’
آه، ما أحلاهم… ما أحلاهم.
في الحقيقة، عندما دخل الكونت كايدِن الخيمة للمرة الأولى، فوجئتُ قليلًا.
فقد كانت صورة الكونت في حديث مِيلين عن زوجها مختلفةً إلى حدٍّ كبير عن مظهره أمامي.
—”كانت لديّ مزرعة عنب صغيرة، وحين أخبرته أنني أحب التفاح، اقتلعها بأكملها وزرع أشجار التفاح بدلًا منها. لم تتخيّلي مدى إحراجي حينها.”
فالكونت الذي حوّل مزرعة العنب إلى بستان تفاح في غمضة عين كان يقطف لها كل صباح فاكهةً طازجة من البستان.
كانت وجنتا مِيلين قد احمرّتا وهي تتحدث عنه بخجل.
‘أجل، ليس من الصواب أن نحكم على الناس من مظهرهم وحده.’
فحتى كادريان، رغم بنيته الجسدية الضخمة وملامحه تلك، كم هو حنون.
أومأتُ برأسي وأنا أستمتع بمشاهدة الزوجين المحبَّين.
‘أهذه هي الحياة الزوجية؟’
لكن مِيلين قالت إن نحو عشر سنوات ستكمل على زواجها.
حتى بعد أن يعيشا معًا لعشر سنوات، يمكن أن يبقى هذا القدر من التعلّق والحنان بينهما.
‘هل يمكن أن نكون أنا وكاردريان هكذا أيضًا؟’
وبينما كنتُ أنظر إلى الاثنين بسرور، حدث ذلك.
قالت مِيلين للكونت كايدِن:
“كايدِن، لا أريد العودة. أريد البقاء هنا حتى تنتهي الحرب.”
اتّسعت عينا كايدِن بدهشةً.
“مِيلين، هل تعلمين أين نحن؟ إننا في ساحة حرب. وأنتِ امرأة عاقلة، فلا بد أنك تدركين مدى خطورة هذا المكان، أليس كذلك؟”
التفتت مِيلين نحوي وقالت:
“لقد التقينا مجددًا بعد غياب طويل، ولا أريد أن أفترق عنها.”
عندها اتجهت نظرات الكونت كايدِن نحوي.
‘يا للهول.’
ابتسمتُ ابتسامة متكلّفة وقلت:
“مِيلين، عودي إلى الإقليم الجنوبي في الوقت الحالي، وسآتي لزيارتكِ فور انتهاء الحرب—”
“لا أريد!”
صرخت مِيلين بحدة، ثم أفلتت يد الكونت كايدِن واقتربت مني.
“كيف يمكنني أن أذهب وحدي وأترك كبيرة الخدم هنا؟”
“مِـ، مِيلين!”
عانقتني مِيلين بقوة.
صحيح أنها لم تكن تناديني إلا بـ كبيرة الخدم، لكن تصرفاتها تجاهي لم تكن تختلف في شيء عن تصرفاتها تجاه آنستها التي كانت تخدمها.
واصلت مِيلين كلامها بنبرة يائسة، وهي لا تزال تعانقني.
“لن أفترق عنكِ هذه المرة أبدًا. سأبقى إلى جانبكِ طوال الوقت.”
وأضافت أنها لن تستطيع النوم من شدة القلق عليّ حتى لو عادت إلى إقليمها.
غمر الإحباط عيني الكونت كايدِن الحمراوين وهو ينظر إليّ.
‘يا إلهي، ما هذا الموقف! لا يمكنني أن أصارحه بالحقيقة أيضًا.’
وهكذا، أمضيتُ وقتًا لا بأس به وأنا أحاول تهدئة مِيلين، مع الحرص على مراقبة ردود فعل الكونت كايدِن ومراعاة مشاعره.
في مساء ذلك اليوم، عادت الأجواء الصاخبة لتخيّم على معسكر إمبراطورية كاديا.
فقد بدأت التعزيزات تصل تباعًا؛ إذ وصلت فرقة الفرسان المقدّسين التي أرسلها المعبد، والسحرة الذين اصطحبهم سيد برج السحر، فانتِيس، إلى جانب قوات الدعم التي يقودها ولي العهد أرثر.
ولم يقتصر الأمر على ذلك، بل أخذت قوات الدعم القادمة من الدول المجاورة تصل واحدة تلو الأخرى.
وكانت ترافقها رسائل تؤكد أن شرفًا عظيمًا قد حظيت به تلك الدول، إذ أُتيحت لها فرصة المشاركة في استئصال السحر الأسود والقضاء عليه نهائيًّا.
وهكذا، اكتملت جميع الاستعدادات.
في عتمة الليل، وقفتُ أستنشق هواء الليل الذي كان ينذر بقرب اندلاع الحرب، وأحدّق في الاتجاه الذي ترابط فيه قوات إمبراطورية تيناسيس.
وفي تلك اللحظة…
“آنسة فريا.”
ناداني السير ألين، الذي خرج من الخيمة التي كانت فرقة فرسان مارس تقيم فيها.
“سير ألين.”
“الرياح باردة بعض الشيء. ما الذي أخرجكِ إلى هنا؟”
“بل أشعر أن هذا البرد يساعدني على تصفية ذهني.”
عند سماع إجابتي، ألقى السير ألين نظرةً في الاتجاه الذي كنتُ أحدّق فيه قبل قليل.
“هل تشعرين بالتوتر؟”
هززتُ رأسي نافيةً.
“لا. قد يبدو كلامي غريبًا، لكن…”
أدرتُ رأسي مجددًا نحو معسكر إمبراطورية تيناسيس، وتابعتُ كلامي:
“أنا متحمسة.”
“……”
أن يشعر المرء بالحماس قبيل اندلاع الحرب…
لا شك أن هذا كلام من شأنه أن يصدم كل من يسمعه.
لكنني كنتُ أعني ما أقول حقًّا.
فأنا على وشك لقاء سيرهين مجددًا.
كان قلبي يخفق بقوة لمجرّد التفكير في أنني سأتمكن من قطع أنفاس ذلك الوغد بسيفي.
الانتقام لوالديّ، والانتقام عن السنوات العشر التي سُلبت منّي.
كل ذلك سيتحقق في هذه الحرب.
ظللتُ واقفة في مكاني حتى بزغ الفجر، أحفظ تفاصيل المنطقة المتنازع عليها في رِيمارت بعينيّ.
وسرعان ما أشرقت الشمس فوق سلسلة جبال رِيمارت، معلنةً بداية الحرب.
ما إن أشرقت الشمس حتى تقدّم جيش إمبراطورية كاديا إلى داخل المنطقة المتنازع عليها في رِيمارت.
وفي الوقت نفسه، عبر جيش إمبراطورية تيناسيس حدود المنطقة ودخلها أيضًا، وكأنما كان الطرفان قد اتفقا على ذلك مسبقًا.
احتشدت قوات الإمبراطوريتين، كلٌّ منها قادم من اتجاه مختلف، متجهةً نحو وسط رِيمارت.
لقد بدأت المعركة التي ستحدّد مصير الإمبراطوريتين.
كان جيش إمبراطورية كاديا، الذي يتقدّم نحو وسط رِيمارت تحت قيادة كاردريان، أشبه بموجة هائلة تتدفق بلا انقطاع.
كانت عزيمة القتال المتقدة تنبعث من كل فارس، كما كانت القوة الناجمة عن النظام والتماسك بين الجنود واضحةً للعيان.
ولعلّ ذلك يعود إلى إدراكهم أن هذه المعركة الحاسمة ستحدّد مصير الإمبراطورية.
وفي المنطقة الوسطى من إقليم رِيمارت المتنازع عليه، تواجه جيشا الإمبراطوريتين أخيرًا.
تلألأت دروع الفرسان تحت أشعة الشمس، واهتزّت الأرض الحمراء تحت وقع حوافر الخيول.
وحين خمد حتى صوت الحوافر تمامًا، خيّم صمت خانق على الأرض الحمراء في المنطقة المتنازع عليها برِيمارت.
كانت تلك اللحظة، بكل ما للكلمة من معنى، هي الهدوء الذي يسبق العاصفة.
عندها، استلّ ولي العهد أرتير سيفه ورفعه عاليًا.
“من أجل مجد كاديا!”
“وااااااااه!”
وفي لحظة، اشتبكت قوات الإمبراطوريتين في معركة ضارية.
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.