الفصل 95
93
الفصل 93
*********
ما الأمر، ما الذي يفعلهُ السيد الشاب في هذا الوقت؟
سمعتُ أنه يستلقي في السرير في تمام الساعة العاشرة ليلاً بدقة؟
تأملتُ أنني ربما أكونُ مخطئاً، فأخرجتُ ساعة الجيب لأتحقق، لكن الوقت كان بالفعل قد تجاوز منتصف الليل بكثير.
وعندما كدتُ أقتربُ منه لأسأله: “هل حدث شيءٌ ما بالصدفة؟”.
“هل تعلمُ كم الساعة الآن؟”
“……الثانية؟”
“ولكن ماذا تفعلُ خارج السكن حتى هذا الوقت؟”
أملتُ رأسي استغراباً.
إن لم تكن عيناي كاذبتين، فالسيد الشاب كان غاضباً مني الآن.
ولكن مهما فكرتُ في الأمر، لم أفعل شيئاً يستحقُ السخط من ماكسميليان ديغريف.
“ولماذا تسألُ عن ذلك؟”
“ماذا؟”
“كنتُ أتساءلُ لماذا يهمك معرفة ما أفعله حتى هذا الوقت.”
“هذا بالطبع لأن……!”
“بالطبع؟”
“لأن الأمر يشغل بالي!”
قال السيد الشاب ذلك بعد أن خفض صوته بصعوبة.
“أ، أنا في الغرفة المجاورة لغرفتك، أليس كذلك؟ ولكن هل تعلم كم هو مـ، مزعج أن تدخل وتخرج في وقتٍ متأخر باستمرار؟”
“آها.”
الآن فقط استطعتُ فهم طريقة تفكيره.
يبدو أن السيد الشاب من النوع الذي يستيقظُ عند أقل صوت.
“أنا آسفٌ يا هذا.”
اعتذرتُ لماكسميليان ديغريف وكدتُ أدخلُ الغرفة.
إلى أن أمسك بمعصمي برفق، ثم ربت على كتفي.
“سأكونُ أكثر حرصاً في المستقبل…… أليس كذلك؟”
“إلى أين تذهبُ في الليل؟”
“هل يمكنك تركُ معصمي والتحدث؟”
“وهل ستتحدثُ إن تركته؟”
أنا منهكةٌ حتى الموت على أية حال، و هو يزيدُ الأمر تفاهة.
استخدمتُ القوة بخفة ونفضتُ يد الفتى.
طاق!
أصدر ذلك صوتاً أشد حدة مما توقعت.
ألم أقل لك أن تتركها بهدوء عندما طلبتُ منك ذلك؟
“الوقت متأخر. لا تتصرف كالأطفال، وإن كنت ناعساً فادخل ونم.”
“لقد رفضتني، فهل كان بيرتولت كراوس هو كل ما اخترته؟”
فجأة، لماذا يظهر اسم ذلك الأحمق؟
في نهاية هذا التوافق غير المفهوم في الحديث، أوقفتُ يدي التي كانت تديرُ مقبض الباب والتفتُ إليه.
كانت تعابير وجهه تبدو وكأن كبرياءه قد جُرح، أو كأنه يعاني من شيءٍ ما، ولم تكن تليق أبداً بسيدٍ شاب نشأ ناعماً.
“لا أعلم ما الذي تفهمه خطأً……”
“أعلمُ أنك مقربٌ من ذلك الفتى هذه الأيام.”
ربما بدا تقربي منه بضع مرات لانتزاع المعلومات على هذا النحو.
وفهمتُ أيضاً السبب الذي جعل ماكسميليان ديغرايف يوقفني في هذا الوقت المتأخر.
“ذلك الفتى ليس شخصاً متزناً. لا أعلم إن كنت تعرف ذلك أم لا……”
“أعلم، أنه شخصٌ غريب.”
تنهدتُ بصوت خفيف وقلت.
قبل قليل، شعرتُ بالأسف والتردد قليلاً لأنني نفضتُ يد السيد الشاب بقسوة.
فقد كان ماكسميليان ديغريف يقلقُ عليّ.
خشية أن أنحرف إلى طريقٍ خاطئ بسبب مخالطتي لـ بيرتولت كراوس.
واصلتُ الانتظار مقاومةً للنعاس و أنا متشبثةٌ بحدةِ النظرةِ في وجهه الذي لا يزال يحمل ملامح الطفولة.
“شكراً لك، على قلقك.”
“مـ، من يقلق عليك!”
“أنت تفعَل. على أية حال، أنا أعلمُ أيضاً أن كراوس أحمق. وقد تقربتُ منه لأنني بحاجة إلى شيء ما.”
وقبل أن أدخل الغرفة وأُغلق الباب، قلتُ للسيد الشاب عبر الفجوة المفتوحة:
“لذا توقف عن القلق واذهب للنوم. إن استمررت هكذا فستصبح بنفس طولي ، أتعلم؟”
“بيننا فارق يزيدُ عن شبر كامل……! يا روكي!”
رغم أنني أغلقتُ الباب في وجهه، إلا أن كل ما فعله هو نداء اسمي بضع مرات فقط.
وحتى ذلك كان بصوتٍ خفيض مخافة أن يستيقظ الآخرون.
عندما تذكرتُ كبار أعضاء فرقة العمليات الذين كانوا يقرعون الباب بقوة كادت تهز المفصلات في الماضي، خرجت مني ضحكة ساخرة.
أن يحافظ على لياقته حتى في مثل هذا الموقف.
يبدو أن هذا يليق بسيدٍ شاب نشأ بتربية حسنة.
الباقي 59 يوماً.
في الوقت الذي انتهى فيه الجدول اليومي ونام الجميع، كنتُ مشغُولةً بالتحضير للخروج.
ومع ذلك، لم يكن الأمر سوى إخراج ملابس التسلل السوداء التي وضعتها في أسفل حقيبة الأمتعة وارتدائها.
وعندما كدتُ ألتقطُ القناع الذي يمكنه تغطية الرأس والوجه بالكامل.
طقطق، طقطق.
يبدو أن أونيكس قد عاد.
خرج فجأةً على عجل في وقت العشاء، فما الذي أتى به في هذا الوقت الذي من المفترض أن يتجول فيه بحماس؟
بينما كنتُ أفكرُ في ذلك وسرتُ بتمهل نحو النافذة التي أنزلتُ ستائرها بالكامل، تردد صوت القَرْع على النافذة مرة أخرى وكأنه يستعجلني.
طقطق!
ومرة أخرى.
طقطق، طقطق……
“ماذا هناك، ما الأمر؟”
الغرابُ يتمتعُ بسمعٍ حاد جداً.
استحالة ألا يكون قد سمع صوت اقترابي لفتح النافذة، لكن الصوت المستعجل المتكرر جعلني أرفعُ الستائر بفزع.
خشية أن يكون ملاحقاً من قبل بومة، عدوه الطبيعي.
“قاع.”
لكن أونيكس كان سليماً.
ولم تكن هناك أي جوارح مريبة تتجول في الجوار.
“قاع!”
“فهمت، فهمت! ما هذه الطباع.”
بمجرد أن رفعتُ مزلاج النافذة، وكأنه لا يستطيع الانتظار ولو لبرهة، دفع أونيكس رأسَه عبر فجوة الباب ودخل إلى الداخل بسرعة.
ثم أخذ يرفرفُ بساقه اليمنى باستمرار.
كانت الساق التي رُبط بها الأنبوب الصغير المخصص للرسائل.
ولكن مهما فعل، فإن الأنبوب المربوط جيداً بخيطٍ صغير ورفيع لن يسقط.
في النهاية، أخذ أونيكس يرفرفُ بجناحيه نحوي بغضب.
“قاع! قاع!”
“تريدني أن أفك هذا؟ أفكها بالكامل؟”
“قاع!”
هل يصحُ أن أفكها؟
هل يجوزُ لي أن ألمس الجهاز الذي يعتبر بمثابة مصدر رزق الحمام الزاجل؟
“قاق!”
عندما رأيته يحدقُ بعينيه الصفراوين وكأنه ينقرني إن لم أفكها، لم يكن أمامي خيارٌ سوى فك الخيط.
لكن التصرف الذي تلاه كان أكثر إثارة للعجب.
الغراب الذي لم يكن يطيرُ داخل الغرفة أبداً وكأنه تلقى تدريباً صارماً، طار سريعاً إلى السرير وأخذ يمسحُ ساقه اليمنى التي كان الأنبوب ملفوفاً عليها على الغطاء.
وكأن شيئاً مقرفاً قد علق بها.
“يا هذا، ما بك بحق السماء؟”
“قاع.”
يبدو أنه هدئ قليلاً الآن، فالتفت أونيكس إلي ونعق بنعقة قصيرة.
وكأنه يقول: إن كنت فضولياً فافتحها وانظر.
فتحتُ الأنبوب الذي بحجم الأصبع وأنا أضحكُ بقلة حيلة، واستطعتُ فهم مشاعر أونيكس الذي كان يثيرُ كل تلك الضجة تماماً.
[إلى متى يتوجبُ عليّ الانتظار؟]
إنه كيليان نوكس.
لم يكن اسم المرسل مكتوباً، ولم أرَ خط يده من قبل، لكنني عرفتُ بمجرد فتح الورقة.
“أونيكس.”
“قاع.”
“لا يوجد لك فول سوداني اليوم.”
“قاع!”
“تأتي بمثل هذا وتتطلع للحصول على السوداني.”
لا يوجد طعامٌ خفيفٌ لطيور السحلية.
ولكن أونيكس، الذي ظننتُ أنه سيقوم بكل أنواع الشغب كعادته، أصدر صوتاً خافتاً: “وروك……” وأخفى وجهه في وسادتي.
وكأنه أصيب بجرحٍ حقيقي في مشاعره.
“هوف…، حسناً. وهل جلبتها لأنك تحب ذلك؟”
إن الامتثال لأوامر كيليان نوكس كارهين هو أمرٌ محتومٌ عليّ وعلى طيور الرسائل على حد سواء.
في النهاية، قدمتُ له الطبق الذي يحتوي على الطعام الخفيف.
ولحسن الحظ، وبعد التأكد من أن الطائر استعاد نشاطه وجاء يهرول لنقر الفول السوداني، ارتديتُ القناع الذي وضعته جانباً لبرهة.
“أنا قادم، قادم.”
حتى لو لم تستعجلني، كنتُ أنوي التحرك بشكل صحيح اليوم، أتعلم؟
تحققتُ من السماء التي تتلألأُ فيها النجوم فقط، ثم قفزتُ من حافة النافذة.
لأن الليلة هي ليلة المحاق حيث لا يطلعُ القمر.
إن ما يفضلهُ القتلة أو الجواسيس أكثر من الأيام التي تهطلُ فيها الأمطار الغزيرة هو المحاق.
[♡ معلومة للقرّاء : المِحاق: هو المرحلة التي يختفي فيها القمر تمامًا أو يكاد لا يُرى في السماء، وتكون عندما يقع القمر بين الأرض والشمس، فيصبح وجهه المضيء بعيدًا عن نظرنا. وتُعدّ ليلة المحاق من أكثر ليالي الشهر ظلمةً لغياب ضوء القمر.]
صحيحٌ أن هطول المطر يحملُ ميزة إخفاء أصوات الخطوات أو أنين الضحية، ولكن يجب الحذر لأن قطرات المطر المتساقطة من الجسد قد تتركُ أثراً.
لكن الأمر ليس كذلك في المحاق.
فالليالي التي لا يطلعُ فيها القمر يسهلُ التحرك فيها بسرية تام، والأهم من ذلك أنها تتكررُ بشكل منتظم.
‘وهذا يعني أنها مثاليةٌ لعقد لقاءات غير شريفة.’
كان ينتابني شعورٌ بأن الجاسوس الذي يتوجبُ عليه نقل المعلومات المستخرجة من معسكر التدريب إلى ضابط الاتصال لن يفوت هذا اليوم.
اختبأتُ في ظلمة الليل الداكنة وأنا أفكر:
‘لنقم بجولة حول السور الخارجي القريب من معسكر التدريب أولاً.’
السبب بسيط.
حراسة السور تدخل ضمن اختصاص حرس الحدود.
وهناك شيءٌ آخر يدخل ضمن اختصاصهم أيضاً.
ألا وهو توزيع مناطق دوريات فرقة العمليات.
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.