الفصل 84
82
الفصل 82
♡♡♡♡♡♡
“منْ هوَ فيليكسْ ميلتشرْ هذا؟”
“هذا الأحمقُ سكرانٌ تمامًا! إنهُ ذلكَ الفتى الذي أُلقيَ القبضُ عليهِ بتهمةِ التجسسِ!”
رغمَ ظهورِ اسمِ فيليكسْ ميلتشرْ فجأةً، لمْ يتفاجأْ أحدٌ.
كانَ هذا يعني أنهمْ جميعًا ليسوا في وعيهمْ.
“ولكنْ ما بالُ فيليكسْ؟”
“لا أعلمُ، أعتقدُ أنَ أحدهمْ ذكرَ اسمهُ.”
“لا، أردتُ فقطْ أنْ أعرفَ ما إذا كنتمْ جميعًا أصدقاءَ مقربينَ لفيليكسْ ميلتشرْ. إنْ كانَ يترددُ على المخبأِ، فلا بدَ أنهُ كانَ قريبًا جدًا منكمْ، أليسَ كذلكَ؟”
ورداً على سؤالي، رفعَ المتدربُ الذي كانَ ينعسُ وهوَ جالسٌ رأسهُ فجأةً وأجابَ:
“فيليكسْ ذلكَ الفتى المزعجُ!”
“مزعجٌ؟”
“رغمَ أنهُ يقبعُ في القاعِ في القسمِ الأدبيِّ، إلا أنهُ كانَ يلتصقُ بنا دائمًا! إنهُ مزعجٌ حقًا.”
وهنا أومأتْ المتدربةُ الجالسةُ بجانبهِ برأسها موافقةً:
“صحيحْ. بدا وكأنَ لديهِ الكثيرَ منْ المالِ، ولهذا قضينا بعضَ الوقتِ معهُ.”
“هذا غريبٌ بعضَ الشيءِ. حسب علمي، عائلتهُ عاديةٌ تمامًا.”
عندما وافقتهمْ القولَ بذكاءٍ، بدأتْ القصصُ عنْ فيليكسْ ميلتشرْ تتدفقُ منْ كلِّ حدبٍ وصوبٍ.
“بالظبطْ! ملابسهُ ومظهرهُ يبدوانِ في غايةِ البساطةِ، لكنهُ كانَ يخرجُ العملاتِ الذهبيةَ والفضيةَ فجأةً منْ حيثُ لا ندري!”
“وكانتْ لديهِ موهبةٌ غريبةٌ أيضًا! رغمَ أنهُ رفضَ تمامًا إخبارنا بالطريقةِ، إلا أنهُ كانَ يجلبُ الموادَ المحظورةَ ببراعةٍ شديدةٍ.”
“كيفَ تتحدثُ هكذا عنْ شخصٍ منْ المرجحِ أنهُ قدْ ماتَ الآنَ!”
“أوهْ، أهكذا الأمرُ؟ كهاها!”
أنْ أضطرَ للجلوسِ معَ أمثالِ هؤلاءِ.
كلما تحدثتُ معهمْ أكثرَ، شعرتُ وكأنني أتلوثُ بالقذارة.
أردتُ الحصولَ على المعلوماتِ بسرعةٍ والذهابَ، فأنشأتُ سؤالي الثاني.
“ولكنْ هلْ كانَ فيليكسْ ميلتشرْ يملكُ كلَ هذهِ الأموالِ حقًا؟”
“يبدو فقطْ أنَ نقوده كانتْ وفيرةً!”
“الأغنياءُ الحقيقيونَ همْ أمثالُ صديقنا بيرتولتْ هنا! أليسَ كذلكَ يا صديقي؟”
“أوهْ؟ أنا؟”
بيرتولتْ كراوسْ الذي كانَ ينامُ متكئًا على مسندِ الذراعِ للأريكةِ، فتحَ عينيهِ ببطءٍ عندما هزتهُ يدٌ.
“نحنُ نتحدثُ عنْ فيليكسْ ذلكَ الأحمقِ الآنَ! قلْ شيئًا أنتَ أيضًا. ألسْتَ أنتَ منْ عرّفنا عليهِ؟”
“هاامْ، صحيحْ. ذلكَ الأحمقُ.”
سألتهُ قبلَ أنْ يغرقَ في النومِ مجددًا:
“ماذا فعلَ فيليكسْ ليحصلَ على كلِّ تلكَ الأموالِ؟”
“لا أعرفُ. سألتهُ عدةَ مراتٍ لكنهُ لمْ يخبرني أبدًا. ولكنْ هلْ تعرفونَ كمْ كانَ غبيًا؟”
رغمَ أنَ بيرتولتْ كانَ يفركُ عينيهِ النعستينِ، إلا أنهُ بدأَ يضحكُ بلؤمٍ.
“لمْ يلاحظْ حتى أننا نستخدمهُ. كلُ هذهِ الأشياءِ الموجودةِ في المخبأِ جلبها هوَ سرًا، أتعلمونَ؟”
“حتى الخمرُ؟”
“بالتأكيدِ. هاامْ، ولهذا قمتُ بتتبعهِ في أحدِ الأيامِ.”
“واوْ، بيرتولتْ أنتَ مذهلٌ حقًا.”
لو كانَ هناكَ شخصٌ واحدٌ بوعيه في هذا المكانِ، للاحظَ كمْ كانتْ نبرةُ صوتي وتعبيراتُ وجهي غيرَ متطابقتينِ إطلاقًا.
ولكنْ بيرتولتْ الذي كانَ ثملًا للغايةِ، انتفخَ غرورًا فورًا حتى معَ مدحي المزيفِ.
بدتْ الإجابةُ القادمةُ وكأنها ستوصلني إلى دليلٍ حقيقيٍّ.
ولكنْ قدرةُ كراوسْ على استيعابِ الكحولِ كانتْ أضعفَ مما توقعتُ.
الشخصُ الذي كانَ يبتسمُ ويتحدثُ بوضوحٍ منذُ لحظاتٍ، استلقى فجأةً على الأرضِ وأغلقَ عينيهِ تمامًا.
“تبًا. هيَّا يا بيرتولتْ! استيقظْ!”
“إنْ أردتُ…… فلا يوجدُ شيءٌ…… همممْ…… لا أستطيعُ فعلهُ…….”
“وماذا وجدتَ عندما تتبعتَ فيليكسْ! هيَّا!”
“دعني أنامُ قليلًا…….”
“سأجنُّ حقًا!”
استغرقَ كراوسْ في نومٍ عميقٍ ولمْ يستيقظْ حتى بعدَ أنْ صفعتُ خديهِ عدةَ مراتٍ.
ولمْ أكنْ لأحصلَ على شيءٍ الآنَ بعدَ أنْ أوشكتُ على الوصولِ إلى نتيجةٍ!
بما أنَ الأمرُ وصلَ إلى هذا الحدِّ، قررتُ التوجهَ إلى الآخرينَ لاستجوابهمْ.
ولكنْ عندما التفتُّ، وجدتُ أنهمْ قدْ سقطوا جميعًا في النومِ أيضًا.
“آهْ.”
بعثرتُ شعري بيدي وقمتُ واقفةً.
لمْ يعدْ هناكَ دليلٌ يمكنني استخراجهُ، ولمْ يكنْ هناكَ سببٌ للبقاءِ في مكانٍ تفوحُ منهُ رائحةُ الخمرِ هكذا.
وطأتُ على هؤلاءِ الأغبياءِ الممددينَ هنا وهناكَ وخرجتُ إلى الممرِ.
استنشقتُ الهواءَ الباردَ الذي بدا منعشًا وفكرتُ لبرهةٍ.
‘لو كانَ الأمرُ بيدي، لتركتُ البابَ مفتوحًا على وسعهِ ليكتشفهمْ الخدمُ هكذا.’
لكنْ ما زالَ هناكَ شيءٌ يجبُ أنْ أحصلَ عليهِ منْ بيرتولتْ.
سواءٌ ماتَ مختنقًا برائحةِ خمره الخاصةِ هنا أمْ لا.
طمْ.
أغلقتُ بابَ المخزنِ مجددًا واستدرتُ دونَ حسرةٍ.
عندما عدتُ إلى السكنِ، جلستُ أمامَ المكتبِ على الفورِ.
كنتُ أرغبُ في الاستحمامِ وتغييرِ ملابسي فورًا، لكنْ كانَ عليَّ ترتيبُ ما علمتهُ للتوِّ بينما كانتْ الذاكرةُ ما تزالُ حيةً.
وبدأتُ بأخذِ الملاحظاتِ على الورقِ خطًا بخطٍ.
فبهذهِ الطريقةِ، تظهرُ الروابطُ التي لمْ ألاحظها منْ قبلُ عادةً.
“هكذا ينبغي أنْ يكونَ الأمرُ.”
لكنْ لسببٍ ما، أصبحتُ أكثرَ ارتباكًا كلما استمررتُ.
“هناكَ شيءٌ ناقصٌ عندَ الجميعِ.”
جوليا زيمل تملكُ داوفعًا واضحةً تمثلتْ في علاقتها بفيليكسْ ميلتشرْ وطموحها للنجاحِ.
ولكنْ لمْ تكنْ تبدو منْ النوعِ الذي يختارُ طريقَ التجسسِ الخطيرِ والمتهورِ.
وضدَ منْ؟ ضدَ نوكسْ؟
جوليا أذكى منْ أنْ تفعلَ ذلكَ.
أما كاسبارْ أشباخْ، فكانتْ دوافعهُ معقولةً جدًا.
إنْ نجحَ في تسريبِ معلوماتٍ قيمةٍ عنْ نوكسْ، فقدْ يتمكنُ منْ تعزيزِ موقعهِ داخلَ عائلتهِ بدعمٍ منْ منظمةِ غريفينْ الواقعةِ في المقاطعةِ التي نشأَ فيها.
ولكنْ كاسبارْ أشباخْ غبيٌّ جداً ليفكرَ في مخططٍ كبيرٍ كهذا.
لو كانَ يملكُ عقلاً يفكرُ بهِ، لما تصرفَ بطريقةٍ تجعلهُ يسقطُ منْ عينِ والدهِ ذي النفوذِ.
وأخيرًا، بيرتولتْ كراوسْ.
ذلكَ الأحمقُ الذي ما زالَ يشخرُ على أرضيةِ المخزنِ كانَ بلا شكٍّ المرشحَ الأكثرَ ترجيحًا.
فهوَ ينحدرُ منْ عائلةٍ تجاريةٍ مركزها في مملكةِ كرولينْ، وكانَ ينتمي بلا شكٍّ إلى علاقةٍ تجعلهُ يعرفُ خبايا عائلةِ ويكرزْ بالتفصيلِ.
“ولكنْ.”
رسمتُ علامةَ استفهامٍ كبيرةً فوقَ اسمِ بيرتولتْ كراوسْ.
“لماذا بحقِ السّماء؟”
بما أنهُ انضمَ إلى نوكسْ، فكانَ بإمكانهِ أنْ يكتسبَ بعضَ الخبرةِ في الشؤونِ الماليةِ أوْ في تجارةِ نوكسْ، ثمَ يعودُ إلى عائلتهِ ليتولى المنصبَ عندما يحينُ الوقتُ، إلا إذا كانَ قدْ جنّ تمامًا.
لا، انتظرْ.
بالنظرِ إلى شربهِ الخمرَ المهربةَ داخلَ معسكرِ التدريبِ، فقدْ يكونُ عقلهُ قدْ أصابهُ شيءٌ بالفعلِ.
“آهْ، لا أعلمُ!”
لقدْ تأخرَ الوقتُ، سأستحمُّ وأنامُ اليومَ.
غدًا بذهنٍ صافٍ، قدْ أرى شيئًا لا أستطيعُ رؤيتهُ الآنَ عندما أفكرُ مجددًا.
فكرتُ هكذا وقمتُ بتنظيفِ المكتبِ، وأحرقتُ الورقةَ التي كتبتُ عليها المعلوماتِ كالشخبطةِ.
وعندما اقتربتُ منْ النافذةِ لأغلقَ الستائرَ.
طقطقْ!
“ما هذا؟”
في البدايةِ، ظننتُ أنها الأمطارُ.
ولكنْ عندما نظرتُ إلى السماءِ، كانَ القمرُ والنجومُ ساطعةً.
ما هذا الصوتُ إذنْ؟
“هلْ توهمتُ؟”
لقدْ شربتُ كميةً لا بأسَ بها منْ الخمرِ أثناءَ إجبارِ هؤلاءِ الأغبياءِ على الشربِ.
والآنَ أسمعُ هلاوسَ سمعيةً، يجبُ أنْ أذهبَ إلى النومِ بسرعةٍ.
وفكرتُ هكذا ومددتُ يدي نحو الستائرِ مجددًا.
طقطقْ، طقْ!
هذهِ المرةِ سمعتهُ بوضوحٍ أكبرَ.
كانَ الصوتُ يشبهُ سقوطَ حبةِ بلوطٍ صغيرةٍ وتدحرجها.
ولكنْ الصوتُ لمْ يأتي منْ الأعلى، بلْ منْ الأسفلِ؟
وعندما خفضتُ نظري الذي كانَ متجهًا نحو السماءِ إلى الأسفلِ، رأيتُ غرابًا يتوارى خلفَ ظلي الذي صنعتهُ أضواءُ الغرفةِ.
طقطقطقطقْ!
كانَ الطائرُ ينقرُ نافذةَ غرفتي بشدةٍ وحماسٍ.
“أوهْ؟ أنتَ ذلكَ الطائرُ.”
كانَ بالتأكيدِ ذلكَ الغرابُ الذي نقلَ رسالةَ ديبونْ كلانشيرْ إلى جيزيلا روتْ منْ العشِ.
تذكرتُ جسدهُ المستديرَ والسمينَ بشكلٍ فريدٍ.
وعندما التقتْ عيناي بالعينينِ الصفراوينِ للغرابِ.
“قاعْ.”
أصدرَ الطائرُ نعيقًا قصيرًا.
وكأنهُ يقولُ ‘افتحي’.
وعندما سارعتُ بفتحِ النافذةِ، مدَ الغرابُ رجليهِ وقفزَ إلى الداخلِ.
ألا تقفزُ الغربانُ في العادةِ؟
على أيِّ حالٍ، فكرتُ بأنهُ طائرٌ غريبٌ وسألتهُ:
“لماذا أنتَ هنا؟”
“قاعْ.”
نعقَ الغرابُ مجددًا وكأنهُ يجيبُ، ثمَ مدَ إحدى رجليهِ نحوي بقلةِ صبرٍ.
لا يعقلُ.
فتحتُ الأنبوبَ الصغيرَ المربوطَ برجلِ الغرابِ تمامًا كما فعلتْ جيزيلا روتْ.
وكانتْ هناكَ ورقةٌ صغيرةٌ ملفوفةٌ بداخلها مكتوبٌ عليها جملةٌ واحدةٌ قصيرةٌ:
[تعال إلى المطبخِ الآنَ فورًا.]
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.