الفصل 78
76
الفصل 76
♡♡♡♡♡♡♡
“…… أنا؟”
“أجل، أنت.”
شحب وجه هانو بيكر الواقف إلى جواري و ابيَضّ كصحيفة فارغة. فقد كان بطبيعته جبانا، ويخشى فعل القتال بحد ذاته.
“المـ… المدرب……”
توسل هانو بيكر إلى المدرب غراو، لكن دون جدوى.
“لماذا تناديني؟ ألا تعرف القاعدة التي تمنع رفض طلب المبارزة ؟”
“ولكن……”
“إن لم تتحرك بسرعة فسوف أسحبك بنفسي، يا هانو بيكر.”
عندما زأر المدرب غراو، انكمش كتفا هانو بيكر وتقدم إلى المنتصف بانتكاس وتردد.
سرعان ما أُعطي عصا مماثلة، لكنه لم يكن يعلم إطلاقاً كيف يتعامل معها، ويتضح ذلك من وقفته المرتبكة وهو يمسك العصا بلكتا يديه.
*هووك، هووك—*
على العكس من ذلك، كان كاسبار إيشباخ يدور العصا الخشبية بين يديه ويستعرض راحته التامة.
يبدو أنه يملك خبرة لا بأس بها في التعامل مع أسلحة مشابهة.
“هيا، أبدأوا المبارزة!”
المبارزة التي بدأت بصوت المدرب أوتو غراو لم تكن مبارزة على الإطلاق.
بل كانت ضرباً من طرف واحد.
*باك! بَاك!*
في لحظات، كان هانو بيكر ملقى على الأرض. دون أي هجوم أو رد هجوم ملائم.
“لأن بنيتك ضخمة، فإن شعور ضربك ممتاز جداً!”
“كهاهاك!”
اندلعت ضحكات المدرب غراو الهستيرية عند سماع كلمات كاسبار إيشباخ. كان يمسك بطنه ويقهقه وكأنه مُشاهد لمهزلة مسرحية وليس مدرباً.
“أليس هذا…… كثيراً بعض الشيء؟”
“لماذا؟ الأمر ممتع فحسب. هه!”
انقسمت ردود أفعال المتدربين الذين يحضرون درس المهارات القتالية بالأسلحة. فريق يشعر بعدم الراحة ويشفق على هانو بيكر، وفريق يتهكم ويضحك بسخرية.
“ذاك الحثالة اللعين!”
بالطبع، كنت من الفريق الذي يوجه الشتائم القاسية إلى كاسبار إيشباخ.
منذ أن التقيت بهانو بيكر لأول مرة عند نقطة التفتيش، وتشاركت معه الغرفة لفترة قصيرة، وأكلنا سوياً وجه بوجه في كل وجبة، أصبحت قريباً منه بنحو ما.
ربما نكون في علاقة يمكن تسميتها “أصدقاء”.
ولكن رؤية فتى كهذا يتلقى الضرب بطريقة أحادية جعلت النيران تشتعل في داخلي.
“هانو، أنهض! هاجم أنت أيضاً!”
جمعت يدي وصرخت بصوت عال، لكن هانو بيكر اكتفى بتغطية رأسه والانكماش أكثر. حسناً، لو كانت بضع كلمات تشجيعية ستغير شيئاً، لما كان ينضرب بهذا الشكل منذ البداية.
*باك! خَبْط! بَابَاك!*
“يا لك من جبان لعين! يالها من خسارة أن تمتلك حجمًا كهذا!”
كاسبار إيشباخ، الذي كان يلعب بهانو بيكر وهو يبتسم ابتسامة عريضة في البداية، بدأت مشاعره تظهر بوضوح على طرف عصاه. ومع ذلك، اكتفى المدرب غراو بمراقبة كل شيء بابتسامته الخبيثة دون أن تظهر عليه أي رغبة في إيقاف كاسبار إيشباخ.
“هوك، يا لك من دودة بطيئة، أيها اللعين!”
في العادة، كان كاسبار إيشباخ يتلهف لنهش هانو.
كانت غيرة دنيئة تحسده على الموهبة الجسدية التي لا يملكها هو. علاوة على ذلك، عندما علم أن هانو بيكر يملك شخصية خجولة على عكس مظهره، وأن طموحه أدبي وليس عسكرياً، بدأ يضايقه بصلف وعلن.
إذن، هذا ليس تدريباً، هذا عنف.
عندما أفلت كاسبار إيشباخ العصا وبدأ يستعين بقديمه لضرب هانو بيكر، نفد صبري تماماً. التزام الصمت أكثر من هذا يعني أنني لا أختلف عن كوني شريكاً لهذا الحثالة.
“توقف الآن……”
“كاسبار إيشباخ، ألا تكتفي عند هذا الحد؟”
الذي قاطع الموقف قبلي وبصوت أشد ارتفاعاً كان ماكسيميليان ديغريف.
حدق بكل مِن إيشباخ والمدرب غراو بنظرة حادة متفحصة، ثم خطى بثبات إلى منتصف ساحة التدريب.
التحق بالعصا الملقاة على الأرض وقال:
“تبارز معي.”
“معك؟”
“أجل. يبدو أن لديك خبرة في مثل هذه الأسلحة، وأنا كذلك. لنتبارز بحق هذه المرة. فهكذا تكون المبارزة.”
ارتبك إيشباخ بانزعاج أمام كلمات السيد الشاب القاسية. ومع ذلك، لم يبد أن اللعين سيقبل طلب مبارزة ماكسيميليان.
“همم، لا أريد؟”
انظر إلى هذا.
“لماذا ترغب في الرفض؟”
“هل هناك سبب للرفض؟ أنا فقط لا أريد القتال معك.”
كان من الواضح أنه يفتقر إلى الثقة لهزيمة السيد الشاب.
بل إن إيشباخ واصل تهكمه على ديغريف:
“في الخارج، ربما كنت تفعل كل شيء وفق هواك، لكن الأمر ليس كذلك هنا. عليك أن تتعلم كيف تتقبل الرفض أيضاً.”
“ماذا قلت؟”
تصلب جسد السيد الشاب وكأنه على وشك الهجوم في أي لحظة بعد أن طعنه في موضع ألمه.
حينها صرخ إيشباخ نحو المدرب غراو بمظهر المظلوم:
“أيها المدرب! ألسْتُ أنا مدير درس اليوم؟ يبدو أن ديغريف هنا يحاول سلب دوري!”
“كلا، أنا لم أكن أرمي إلى…”
“المتدرب إيشباخ على حق. تراجع يا ماكسيميليان ديغريف.”
تنفس السيد الشاب بعمق وكأنه يضبط غضبه بصعوبة، ولكن بما أن المدرب قال ذلك، لم يكن أمامه سوى التراجع. وفي هذه الأثناء، رفعت هانو بيكر الملقى وعدت به إلى مكاننا الأصلي.
“أووو……”
كانت حالة الفتى الذي غادر ساحة التدريب يجر قدميه بصعوبة سيئة للغاية. الزي التدريبي الذي كان نظيفاً و أملس، أصبح ممتلئاً بآثار طعنات طرف عصا إيشباخ، وشعره مبتل بالكامل بالعرق البارد ومتشابك.
والشيء الأكثر إثارة للغضب كان…
“هانو، أنفك ينزف.”
“عفواً؟ حـ… حقاً هناك دم……”
رؤية ذعره من الدم الذي ينزفه بنفسه جعلت كل أنواع الغضب تتصاعد في داخلي. ليس من طبعي أن أشمر عن ساعدي وأتدخل لمجرد أن أحداً ما في مأزق. ولكن رؤية هانو بيكر ينزف من أنفه، جعلت الغضب يغلي في داخلي ليس فقط تجاه إيشباخ، بل وتجاه نفسي التي لم تتدخل مبكراً.
“المدرب غراو، هل يمكنني اختيار خصم آخر للمبارزة؟”
“افعل ما تشاء.”
“كهاها، شكراً لك!”
ابتسم إيشباخ بسخرية وبدأ يوجه عصاه نحو المتدربين مجدداً. وهذه المرة أيضاً، توقف الطرف المدور في اتجاهنا.
“هب!”
أصدر هانو بيكر الذي بجواري صوتاً مذعوراً ظناً منه أنه تم اختياره مجدداً كخصم. لكن هذه المرة لم يكن هو.
“رونيلك آينس.”
نادى كاسبار إيشباخ باسمي.
أن تكون قادراً على الاختيار، فهذه ميزة.
أن تكون غنياً، أو قوياً، أو تملك سلطة فهذا نفوذ هائل.
“هي، يا رجل فرقة العمليات ! لا تبكِ من الألم اتفقنا؟”
من هذا المنطلق، كنت في موقع يتيح لي الاختيار عند التعامل مع إيشباخ. هل أحقق النصر أم أتقبل الهزيمة أمام هذا الحثالة الذي يبتسم بسخرية؟
كاسبار إيشباخ قوي نوعاً ما. حتى لو كان شخصاً سيئاً، فلا بد أنه تلقى دروساً مختلفة منذ صغره. لذا فإن خروج رونيلك آينس، القادم من فرقة التنفيذ، مهزوماً أمام كاسبار إيشباخ هو الأمر المنطقي.
‘المشكلة هي أنني لا أريد حدوث ذلك.’
فكرت وأنا أقبض على العصا الخشبية وأرخيتها بخفة. لم أعتبر نفسي يوماً شخصاً ذا كبرياء عالٍ أو شخصية تنافسية قوية. كنت أجثو على ركبتي مراراً وتكراراً إذا كان ذلك ضرورياً لتحقيق هدفي. وهكذا نجوت وصعدت سلم سلطة ويكرز، ونجحت في الانتقام في النهاية.
لكن الوضع الآن مختلف.
‘مستحيل أن أتحمل رؤية هذا الحثالة يفرح بظنه أنه انتصر.’
لتبريد رأسي الساخن، شحت ببصري عن إيشباخ ونظرت إلى الناحية التي يقف فيها المتدربون. لكن ذلك زاد من اشتعال غضبي.
‘على من يقلق هذا الغبي الآن؟’
كان هانو بيكر يمسك أنفه الذي ينزف بدم غزير بأكمام زيه التدريبي ويمسك به بإهمال، وينظر إلي بعينين ذابلتين. بوجه يبدو عليه القلق الشديد.
‘آه، تباً.’
عندما كنت أدلك رقبتي التي كادت تتصلب من الغضب، التقت أعيننا أنا وماكسيميليان ديغريف.
“لا تخسر أبداً، يا رونيلك آينس.”
قال السيد الشاب الذي كان يقف بصلابة مكتف اليدين ويراقبني:
“من غير المعقول أن يخسر الفتى الذي هزمَني أمام شخص مثله. لذا افعلها وانتصر دون شرط. إن خسرت فلن أدعك وشأنك.”
كانت تلك كلمات تشجيع لي. ربما قصد أن أستمر في المحاولة وأفوز حتى لو كان الأمر شاقاً.
لكن تلك الكلمات حملت معنى مختلفاً قليلاً بالنسبة لي.
‘بالفعل. رغم أنها كانت هزيمة بقرار الحكام، إلا أنني هدمت المتصدر بالفعل، أليس كذلك؟’
إذن، ضرب شخص بمستوى إيشباخ قليلاً لن يكون كسر هيبة للمشهد، أليس كذلك؟
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.