الفصل 49
47
الفصل 47
♡♡♡♡♡♡♡
ربما شعرَ بأنَّ نظراتي استقرتْ هناكَ، فبدأَ هانو بيكر يحركُ أصابعهُ المتشابكةِ وهو يشرحُ قائلًا.
“لقد ألـ، ألحَّ عليَّ إخوتي الصغارُ أن أرسلَ رسائلَ بكثرةٍ…….”
‘يبدو أنها عائلةٌ سعيدةٌ وكثيرةُ الأطفال.’
ويبدو أنَّ علاقتَهُ بإخوتِهِ كانت جيدةً جدًّا أيضًا.
ربما أعطوا أغلى ما يملكونَهُ لفردِ العائلةِ الذي يغادرُ إلى مكانٍ بعيدٍ.
هززتُ رأسي وأخبرتهُ بالمعلوماتِ المكتوبةِ في وثيقةِ البياناتِ الشخصيةِ للمتدربينَ قبلَ قليلٍ.
“مبدئيًّا، لا يسمحُ للمتدربِ بالخروجِ من معسكرِ التدريبِ قبلَ انتهاءِ فترةِ التعليمِ، ويمنعُ منعًا باتًّا إرسالُ الرسائلِ إلى الخارجِ أيضًا.”
“إذنْ، كـ، كيفَ سأتواصلُ معَ عائلتي…….”
“أنا لا أعلمُ جيدًا أيضًا، لكنني سمعتُ أنَّ هناكَ وقتًا محددًا يسمحُ فيهِ للمتدربينَ بكتابةِ الرسائلِ.”
“شكرًا لكَ على إعلامي بذلكَ.”
قالَ ذلكَ بدافعِ العادةِ، لكنَّ كتفيهِ هبطتا بأسىً.
هل عدمُ القدرةِ على التواصلِ معَ العائلةِ لبضعةِ أسابيعَ فقط أمرٌ يدعو للحزنِ إلى هذا الحدِّ؟
كانَ هذا شعورًا لا يمكنني تخيلهُ لأنني لا أملكُ عائلةً.
ربما كانَ هذا هو السببُ في إضافتي لكلماتٍ لم أكن بحاجةٍ لقولِها.
“ولكنْ بمجردِ انتهاءِ فترةِ التدريبِ، يمكنكَ تبادلُ الرسائلِ بحريةٍ عبرَ برجِ الغربانِ الواقعِ في شرقِ القلعةِ، بل إنَّ نوكس تتحملُ التكاليفَ أيضًا.”
بالنظرِ إلى أنَّ الحقيبةَ التي أحضرَها إلى معسكرِ التدريبِ كانت قديمةً هكذا, فمنَ المؤكدِ أنَّ وضعَهُ الماديَّ لم يكن ميسورًا.
بالنسبةِ لعامةِ الناسِ مثلِ هؤلاءِ، فإنَّ تكلفةَ إرسالِ الرسائلِ تشكلُ عبئًا بالتأكيدِ.
“حـ، حقًّا؟”
كما هو متوقعٌ، أشرقَ وجهُ هانو بيكر عندَ سماعِ كلماتي.
“أجل، لقد انتهى تفتيشُ الأمتعةِ أيضًا، خذْ ورقةَ التأكيدِ هذهِ وادخلْ إلى القلعةِ الخارجيةِ، وسيكونُ هناكَ شخصٌ من جهةِ معسكرِ التدريبِ في انتظارِكَ.”
“أجل، أجل، وداعًا، أعني، أراكَ لاحقًا.”
استلمَ هانو بيكر ورقةَ التأكيدِ وجمعَ حقيبتَهُ على عجلٍ.
كانَ صوتُ القرقرةِ الصادرُ عن قفلِهِ القديمِ وهو يغلقُ يبدو مقلقًا للغايةِ.
انحنى هانو بيكر برأسِهِ ملقيًا التحيةَ عليَّ وأنا أغادرُ نقطةَ المراقبةِ عائدًا إلى مكاني.
قالَ السينيور جيك الذي شاهدَ هذا الموقفَ معي.
“إنهُ مهذبٌ في إلقاءِ التحيةِ، أليسَ كذلكَ؟”
“حسنًا، لقد كانَ وديعًا على عكسِ مظهرِهِ الخارجيِّ.”
“كفَّ عن ذلكَ، المتدربونَ هم أولُ من يصيبهمُ الغرورُ بمجردِ تعيينهمْ في وحدةٍ جيدةٍ يا روكي.”
“لا يبدو أنهُ يملكُ مثلَ هذهِ الشخصيةِ.”
“هذا الفتى لا يعرفُ طبيعةَ الأمورِ في نوكس بعدُ……”
في اللحظةِ التي ظننتُ فيها أنَّ موعظةً أخرى عنِ الحياةِ ستتبعُ ذلكَ.
طقطق! طقطق!
لامسَ طرفَ أذني صوتُ حوافرِ خيلٍ ثقيلةٍ يقتربُ من داخلِ أسوارِ القلعةِ.
لم يكن صوتَ حصانٍ واحدٍ، بل صوتَ عدةِ أحصنةٍ.
في اللحظةِ التي نظرتُ فيها إلى الداخلِ متسائلًا، صرخَ أحدهمْ بشكلٍ عاجلٍ.
“صاحبُ السموِّ الدوقُ قادمٌ!”
“إنها الحراسةُ الشخصيةُ! تنحوا جانباً!”
“تراجعوا!”
تحركَ التجارُ والسكانُ المحليون الذينَ يترددونَ على البوابةِ الرئيسيةِ بكثرةٍ ببراعةٍ وفقًا لتوجيهاتِ فرقةِ العملياتِ.
لقد تنحوا إلى جانبِ الطريقِ ليسمحوا للأحصنةِ المسرعةِ بالمرورِ.
ولكنْ لم يكن الجميعُ اليومَ معتادًا على مثلِ هذا الموقفِ.
“صاحبُ السموِّ الدوقُ؟ أوه، أوه……”
رأيتُ هانو بيكر يترددُ في منتصفِ الطريقِ.
لقد ارتبكَ تمامًا لأنَّ كلماتِ ‘صاحبُ السموِّ الدوقُ’ والأوامرَ العاجلةَ بالتنحي سُمعتْ بالتتالي وهو متوترٌ بالفعلِ.
على أيِّ حالٍ، بما أنهُ موهوبٌ بما يكفي ليكونَ متدربًا، فقد بدأَ ينقلُ خطواتِهِ على عجلٍ متأثرًا بما يفعلُهُ الأشخاصُ من حولِهِ رغمَ بطئِهِ.
لكنَّ القفلَ القديمَ، الذي ظننتُ أنهُ غيرُ مستقرٍ تمامًا منذُ تفتيشِ الأمتعةِ، تسببَ في كارثةٍ بالنهايةِ.
“أووه!”
كلِك!
انفتحتْ حقيبةُ الأمتعةِ على مصراعيها متخليةً عن وظفتِها بعدَ أن اصطدمتْ بقوةٍ بشخصٍ كانَ يتنحى عنِ الطريقِ مسرعًا.
تلاشتْ محتوياتُ الحقيبةِ وتبعثرتْ فوقَ الطريقِ.
لم أشعرْ بأيِّ تأثرٍ خاصٍّ رغمَ أنني نقرتُ بلساني بضعفٍ عندَ رؤيةِ ذلكَ المشهدِ.
بل اكتفيتُ بالتحديقِ في كيليان نوكس وأولئكَ الذينَ يدعونَ بالحراسةِ الشخصيةِ، وهم يقتربونَ بسرعةٍ هائلةٍ تثيرُ الغبارَ الرماديَّ فوقَ الطريقِ الممهدِ جيدًا.
طقطق، طقطق، طقطق!
“هاي! أنتَ هناكَ! اخرجْ بسرعةٍ! تنحَّ عنِ الطريقِ!”
تسمرتُ في مكاني عندما تداخلَ صوتُ حوافرِ الخيلِ الذي يزدادُ ارتفاعًا معَ صراخِ السينيور جيك.
“انـ، انتظرْ لحظةً……!”
لا بدَّ أنَّ عقلَ هانو بيكر قد تعطلَ تمامًا بسببِ هذا الموقفِ المفاجئِ.
وإلا فما كانَ ليرتبَ أولوياتِهِ بهذا الشكلِ الفوضويِّ.
كيفَ لهُ أن يخافَ من توبيخِ السينيور جيك أكثرَ من صوتِ حوافرِ الخيلِ المهددِ الذي يصمُ الآذانَ ويهزُ الأرضَ، ويقدرُ اللعبةَ التي أعطاها لهُ إخوتهُ أكثرَ من حياتِهِ الخاصةِ.
“هذا الغبيُّ.”
كنتُ أركضُ بالفعلِ قبلَ أن أدركَ ذلكَ بنفسي.
لم يكن لي أيُ علاقةٍ بما قد يحدثُ لغبيٍّ لا يتناسبُ تصرفهُ معَ حجمِ جسدِهِ ويمشي فاقدًا لصوابِهِ إذا سُحقَ تحتَ حوافرِ حصانِ الحربِ الذي يقودُهُ كيليان نوكس.
فحتى لو انفجرتْ أحشاؤهُ أو سُحقَ رأسُهُ وماتَ، فلن يكونَ سوى شخصٍ غريبٍ مررتُ بهِ مرةً واحدةً.
“إ، إنهُ خطرٌ!”
“آآآه!”
ومعَ ذلكَ، اندفعتُ بينَ صرخاتِ الناسِ وكنتُ أسحبُ هانو بيكر بكلِّ قوتي قبلَ أن أشعرَ.
إذا كانت عائلتُهُ على علاقةٍ جيدةٍ بهِ لدرجةِ وضعِ أوراقِ الرسائلِ في حقيبتِهِ، فإنَّ موتَ هانو بيكر لن يكونَ مجردَ موتِ شخصٍ واحدٍ.
ستعيشُ العائلةُ طوالَ حياتِها حاملةً موتَ الابنِ أو الأخِ كأنها نيرانٌ فوقَ صدورِهم.
وهذا أمرٌ قاسٍ للغايةِ على أولئكَ الذينَ تُرِكوا خلفَهُ.
“أوواااخ!”
صرخَ هانو بيكر وهو يتشابكُ معي ويتدحرجُ على الأرضِ.
كانَ غبيًّا حتى في صوتِ صراخِهِ الناجمِ عنِ المفاجأةِ.
وفي النهايةِ, عندما سُحقَ جسدي تحتَ ساقِهِ التي تشبهُ جذعَ شجرةٍ لم أعدْ قادرةً على التدحرجِ وواجهتُ السماءَ.
صهيلٌ—!
مرَّ جسدُ الحصانِ الذي قفزَ عاليًا أمامَ عينيَّ مصحوبًا بصهيلٍ طويلٍ.
وفي اللحظةِ التي رأيتُ فيها الشعرَ الفضيَّ النقيَّ للشخصِ الذي يركبُ ذلكَ الحصانِ يتلألأُ تحتَ ضوءِ الشمسِ، سحبتُ رأسَ هانو بيكر واحتضنتهُ صارخةً.
“انحنِ!”
إنَّ مجموعةً من أولئكَ الذينَ يدعونَ بوحدةِ الحراسةِ الشخصيةِ تتبعُ كيليان نوكس من خلفِهِ!
أغلقتُ عينيَّ بشدةٍ مستعدّةً لاحتمالِ سحقِ إحدى ساقيَّ اللتينِ لا تزالانِ على الطريقِ.
‘دعنا لا نمتْ فقط!’
مرتْ تلكَ اللحظةُ التي صمدتُ فيها عاضًّا على نواجذي وكأنها الأبدية…
وخلالَ ذلكَ، مرتْ ظلالٌ مظلمةٌ فوقَ جفنيَّ عدةَ مراتٍ.
ولحسنِ الحظِ، لم يكن هناكَ ألمٌ مروعٌ مثلما كنتُ مستعدّةً لهُ.
كما أنَّ صوتَ حوافرِ الخيلِ الذي كانَ يضربُ مسامعي ابتعدَ تدريجيًّا.
عندها فقط تمكنتُ من فتحِ عينيَّ وأنا أتنفسُ الصعداءَ بعدَ أن حبستُ أنفاسي.
“هواااه!”
تنهدتُ بارتياحٍ وتحققتُ أولًا من هانو بيكر الذي كنتُ أحتضنهُ بينَ ذراعيَّ.
“شـ, شكرًا لكَ……”
لحسنِ الحظِ، كانَ سليمًا تمامًا لدرجةِ أنهُ استطاعَ التحدثَ بتلعثمٍ.
لقد نجونا!
ناديتُ الشخصَ الذي لا بدَّ أنهُ شهدَ هذا المشهدَ وأنا مليئة بالفرحِ.
“سينيور جيك!”
اعتقدتُ أنهُ سيركضُ نحوي على الفورِ بعدَ أن أعلمتهُ بأنني بخيرٍ.
ولكن السينيور جيك كانَ يترددُ على بعدِ بضعِ خطواتٍ ولم يتمكنْ منَ الاقترابِ.
وعلاوةً على ذلكَ، لم يكن ينظرُ إليَّ حتى.
“إلى أين ينظرُ……”
عندما التفتُّ متبعةً نظراتِ السينيور جيك، امتلأَ مدى رؤيتي بحصانٍ أسودَ ضخمٍ.
وفوقَ الحصانِ الذي كانَ يهزُ رأسَهُ الكبيرَ وينفثُ الهواءَ من منخريهِ.
“…… صاحبُ السموِّ.”
عندما ناديتهُ بذهولٍ، شدَّ كيليان نوكس لجامَ الحصانِ مرةً أخرى بدلاً منَ الإجابةِ.
سحقًا.
بالنظرِ إلى نظراتِهِ وتعبيراتِ وجهِهِ الأكثرِ برودًا بكثيرٍ منَ اليومِ الذي حولني فيهِ إلى غرابٍ، كانَ منَ الواضحِ أنَّ مزاجَ كيليان نوكس سيئٌ الآنَ.
في الواقعِ، لا بدَّ أنهُ كانَ يركضُ بابتهاجٍ عندما قفزَ بعضُ الأشخاصِ فجأةً واضطروهُ لإيقافِ حصانِهِ.
وبالإضافةِ إلى ذلكَ، كانَ القفزُ المفاجئُ فوقَ العوائقِ أمرًا خطيرًا على الحصانِ والفارسِ معًا.
عندما وصلتْ أفكاري إلى هذا الحدِّ، نهضتُ بسرعةٍ وحنيتُ رأسي.
“أنا آسفٌ، يا صاحبُ السموِّ!”
كانَ من واجبِ فرقةِ العملياتِ التأكدُ من عدمِ حدوثِ مثلِ هذهِ المشاكلِ عندما يخرجُ الدوقُ أو يعودُ.
ولكنْ لم يقتصر الأمرُ على فشلنا في إخلاءِ الطريقِ في الوقتِ المناسبِ فحسبُ، بل إنني قفزتُ بنفسي لإنقاذِ أحدِ المتدربينَ.
وغنيٌّ عنِ البيانِ أنهُ كادَ يتعرضُ للخطرِ بسببِ ذلكَ.
لم يكن لديَّ أيُ توقعاتٍ منذُ البدايةِ بأنَّ كيليان نوكس سيعاملني معاملةً خاصةً لمجردِ أنني أصبحتُ غرابًا.
لأنهُ لا يوجدُ سببٌ لذلكَ.
لقد كانَ شخصًا يفكرُ في كيفيةِ قتلي دون أن يشعرَ بالمللِ ولو للحظةٍ، حتى أثناءَ خنقي وإجباري على شربِ الدماءِ والإجابةِ على الأحجيةِ التي طرحَها.
ورغمَ أنهُ قالَ ‘أثبتْ فائدتكَ.’، إلا أننا لم نلتقِ بعدَ ذلكَ أبدًا.
لهذا السببِ، كنتُ مليئًا بالأملِ في أنَّ كيليان نوكس ربما نسيَ وجودي تمامًا، ولكنْ.
احنيتُ رأسي مرةً أخرى معتذرًا.
“أنا آسفٌ، لقد ارتكبتُ ذنبًا أستحقُ عليهِ الموتَ……”
“بإذنِ مَنْ.”
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.