الفصل 39
37
فصل 37
**********
‘فلنهرب أولا.’
لو بقيت هكذا لفترة أطول، لم أكن أعلم ما الذي قد يفعله بي هؤلاء الرجال الذين أعمت الغيرة بصرهم، بسبب ذنب ارتكابي لامتلاك حبيبة لا وجود لها من الأساس.
“سـ، سأدخل أولا! طاب يومكم يا سينيورز!”
“يا هذا، روكي!”
أخذت الحقيبة المعلقة على المقبض وركضت مسرعا إلى داخل الغرفة.
“أيها اللعين، ألن تفتح الباب؟!”
على الرغم من أنني قفلت القفل بسرعة، إلا أن السينيورز الغاضبين أخذوا يطرقون الباب بقوة حتى اهتزت المفصلات وكأنها ستقتلع.
أسرعت بإسناد ظهري إلى الباب لمنعه وصحت:
“أنا آسف!”
لم أكن أعلم علامَ يجب أن أكون آسفا، لكنني اعتذرت أولا لأجل النجاة.
تساءلت كم مرة صحت فيها هكذا.
تراجعت قطعان الثيران الهائجة، وحل السلام أخيرا.
“هاا، سأموت بالتأكيد.”
ترنحت بخطواتي وارتميت فوق السرير بصعوبة.
إن اليوم طويل، بل طويل للغاية.
“هل أشحن القليل من السكر ثم أغتسل؟”
بينما كنت مستلقيا، حركت يدي فقط وفتحت الحقيبة.
كان المحتوى عبارة عن بسكويت كما توقعت.
“هذا الشكل أراه لأول مرة أيضا.”
إن من يجلبن لي الوجبات الخفيفة المصنوعة منزليا هن إلزا، ريني، ومينا.
ولكن، كانت هناك حالات يقمن فيها أحيانا بتسليمي أشياء صنعتها صديقاتهن.
قضم.
وضعت البسكويت ذو الشكل المربع والمستقيم في فمي ومضغته، فانتشر المذاق الحلو.
ولكن، كانت هناك رائحة خاصة تتبع ذلك المذاق.
“هذه النكهة أذوقها لأول مرة أيضا.”
بالنظر إلى وجود شيء ما مغروس بكثافة، بدا أنهن خلطن نوعا معينا من أوراق الشاي مع العجين وخبزنه معا.
لم يكن الأمر سيئا.
تناول شيء حلو في نهاية يوم شاق جعلني أشعر وكأنه مكافأة.
لقد تناسب مع ذوقي لدرجة أنني تناولت نحو خمس قطع في لمح البصر دون أن أشعر.
“يجب أن أغتسل ثم أنام…”
هل لأنني نجوت من خطر الموت وارتخت أعصابي؟
ثقلت جفوني في لمح البصر.
تظاهرت بمقاومة النعاس وأنا أرمش، لكنني استسلمت في النهاية.
سأنام قليلا ثم أستيقظ لأغتسل.
وعندما خضعت لإغواء النوم الهنيء.
“بوها! بوهب…”
استيقظت من النوم فجأة لشعوري بالاختناق.
“ما هذا.”
تشوااك—!
داهمني ماء بارد كأنه الجليد.
فوجئت وأردت الوقوف، لكن جسدي لم يستمع لي.
لم تكن هناك قوة تسري في أي جزء من جسدي على الإطلاق.
استصعبت السيطرة على عنقي فأنزلت رأسي، ووسط الرؤية الضبابية بسبب دخول الماء في عيني، رأيت جسدي مقيدا بإحكام إلى الكرسي.
‘أين هذا المكان؟’
الأمر المؤكد الوحيد هو أنها لم تعد غرفتي.
كلما حركت أطراف قدمي الحرة نسبيا، كنت أشعر باحتكاك طرف الحذاء العسكري بالأرضية الخشنة.
“هاا، هاا.”
حتى التنفس لم يكن يسير وفق مشيئتي، وكان الهواء الذي يتسلل بين أنفاسي المتلاحقة رطبا.
ولكن، قد يكون ذلك بسبب الماء الذي بلل جسدي بالكامل.
‘من يكون؟’
الخاطر الأول الذي تبادر إلى ذهني عند السؤال الثاني.
‘أهو ذلك اللعين إدوارد؟’
هل عثر علي ويكرز في النهاية؟
إذن أهذا المكان هو مملكة كرومويل؟
كم من الوقت قضيت غائبا عن الوعي بحق الجحيم؟
أخذت الأسئلة التي لا يمكنني العثور على إجابة لها حاليا تتوالى وتتداعى.
“كروك.”
كززت على أسناني وفتحت عيني بقوة لأجل تأمين المعلومات البصرية على الأقل، لكن حتى ذلك لم يكن متاحا.
رغم أنها عين لا تحتاج إلى إضاءة النور حتى في منتصف الليل.
إلا أن الرؤية المظلمة وكأن ستارا قد أسدل عليها كانت ضيقة وتموج باستمرار.
ارتفعت الأرضية، وتمططت ساقاي.
“تبا… لعا…..”
حتى حاسة السمع قد تعطلت.
رغم أنه صوتي الخاص، إلا أنني شعرت وكأنني أسمع صراخ عدة أشخاص في وقت واحد تحت الماء.
لم يقتصر الأمر على ارتخاء كل العضلات المسؤول عن التنفس فحسب، بل امتد ليشمل البصر والسمع أيضا.
طالما وصل الأمر إلى هذا الحد، لم يكن هناك ما يضمن أن بقية الحواس ستكون سليمة.
‘إنه سم.’
وليس أي سم، بل هو سم يخلط عدة أنواع ليجعل من يتناوله منزوع السلاح تماما.
كان علي استعادة وعيي أولا.
والطريقة الأكثر فعالية لعدم فقدان العقل في مثل هذا الموقف هي الألم.
بما أن حالتي لا تسمح لي بضرب رأسي بالجدار كما أشاء، فلم يكن أمامي سوى خيار واحد.
وعندما دفعت بقطعة اللحم البليدة وكأنها مشلولة بين أسناني لأجل عض لساني.
“كروك!”
أمسكت قبضة قوية بشعري ورفعت رأسي بالقوة.
شعرت وكأن الضوء الذي انسكب في رؤيتي الضيقة يطعن مقلتي عيني.
كان هناك شخص ما أمام أنفي مباشرة، لكنني لم أستطع استعادة وعيي، واستطعت بالكاد تمييز ظله الأسود وسط الرؤية المشوشة والمربكة.
“تحاول عض لسانك، إنها عادة سيئة.”
كان صوتا منخفضا وكأنه يضرب أنبوبا كبيرا وطبلا في الوقت نفسه.
“أيها العاهـ…… من أنت.”
لم يجبني ذلك اللعين على سؤالي بشكل صحيح.
بل اكتفى بالقهقهة بصوت لا يشبه البشر على الإطلاق.
“من، أرسلك؟ ما الذي تريده، هاا، بحق الجحيم. هل يعقل إد…”
عندما كدت أنطق باسم إدوارد ويكرز، صاحب الاحتمال الأعلى.
رأيت ما وراء كتف الخاطف برؤيتي المتأرجحة لعدم وجود قوة في عنقي.
‘قضبان حديدية؟’
رغم أنها كانت مغبشة، إلا أنها كانت بالتأكيد قضبانا حديدية غليظة.
الهواء الرطب، والقضبان الحديدية.
أشارت الأدلة الضئيلة للغاية إلى إجابة واحدة.
‘……السجن السفلي لنوكس؟’
قطب ديمايرك شورين، الغراب الذي ينتمي إلى القسم التنفيذي، حاجبيه من تحت قناعه الأسود.
لأن المستجد الذي يخوض الاختبار الأخير كان صغيرا جدا.
عندما سمع أنه في الثامنة عشرة وسيصبح قريبا في التاسعة عشرة من عمره، اعتقد أنه سيكون رجلا ناضجا إلى حد ما.
لكن رأسه المستدير كان صغيرا جدا، وكلما ترنح عنقه المستقيم، كان يشعر وكأنه أصبح حثالة من البلطجية المنحطين الذين يضايقون طفلا.
بسبب شعوره بالانزعاج، خفف ديمايرك شورين دون أن يشعر قوة قبضته التي تمسك بشعره.
‘أوه.’
بسبب اختفاء القوة الداعمة، كاد الرأس أن يسقط فجأة، مما اضطره إلى إعادة الإمساك به مجددا.
كان ‘عقار الاختبار’ نوعا من مصول الحقيقة المصنوعة خصيصا لاختبار القوة العقلية للمستجدين الذين يدخلون العش.
فهو يرخي العضلات ليجعل المرء عاجزا عن التحكم في جسده بنفسه، ويشوش الحواس الخمس ليزيد من شدة الارتباك.
وفي الوقت نفسه، يمتلك تأثيرا يثبط الجزء المسؤول عن العقل في الدماغ ليفتح مجال اللاوعي على مصراعيه.
الغراب الذي يتناول عقار الاختبار يصبح في حالة تشبه خوض حلم قاسٍ للغاية.
ليجد نفسه مجبرا على إظهار كل الأسرار والرغبات التي يمتلكها.
‘ولكن كم أطعموه من ذلك بحق الجحيم؟’
حرك وجنته التي تركت فيها ندبة سكين عميقة والتفت ليتطلع إلى السينيور الأصغر منه، جيزيلا روت.
ومع ذلك، هزت جيزيلا كتفيها وكأنها لا تعلم السبب ونقلت إليه همسا:
“لقد صنعتها بحيث تحتوي قطعة بسكويت واحدة على المقدار المناسب تماما.”
“ومع ذلك أصبح في هذه الحالة؟”
“ربما يمتلك جسدا حساسا تجاه العقاقير.”
يجب أن يجرى الاختبار.
فقد كان هذه هي العقبة التي يجب تخطيها لاعتباره غرابا، ولأجل أن يصبح عضوا حقيقيا في العش.
تحت تأثير مصل الحقيقة، كان هناك أمران يجب على الممتحن التحقق منهما.
من يكون مرشح الغراب هذا بصدق، وقبل كل شيء، هل يمكنه حفظ أسرار الغربان.
لذا، فإن الشيء الوحيد الذي يمكن لديمايرك شورين فعله لأجل هذا المستجد الصغير للغاية هو إنهاء الاختبار بأسرع ما يمكن وإطعامه الترياق.
‘هذا إن اجتاز الاختبار بالطبع.’
مرشح الغراب الذي يرسب يتم التخلص منه.
بما أنه يعلم بوجود الغربان وحتى موقع العش، فلا يمكن ترك شخص خارجي لا يستطيع حفظ السر حيا.
لقد نالت تلك السمة التي أظهرها بمحاولته عض لسانه ليستعيد وعيه إعجاب ديمايرك شورين إلى حد ما.
فكر وهو ينظر إلى الفتى الذي لا يزال يقاوم مفعول العقار:
‘اصمد جيدا.’
إذا اجتزت الاختبار، فستحصل على أقوى حليف يمكنك أن تأمنه على ظهرك في أي موقف.
“فلنبدأ.”
عدل ديمايرك شورين قناعه وأعلن بدء الاختبار.
الزاوية الأكثر ظلمة في الزنزانة الانفرادية بالسجن السفلي والمخصصة لأجل الاختبار.
كان نوآه بنتون ينتظر بتوتر وهو يحمل الترياق.
“هاا، هأك، هك…”
رؤية روكي وهو يلهث بأنفاس متلاحقة جعلت صدره يضيق أيضا.
‘يبدو أنه يعاني كثيرا…’
لم يكن هذا الخاطر لمجرد شعوره بالشفقة على روكي الذي يخوض الاختبار.
بل لأن نوآه بنتون نفسه هو من صنع ‘عقار الاختبار’ هذا بصفته غرابا وطبيبا للعش.
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.